تابعنا
في استقبالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تغاضت فرنسا-ماكرون عن ملف انتهاكات الإنسان التي يرتبكنها النظام بحق المعارضين السياسيين في سبيل عقد صفقات السلاح، ومحاربة ما يسمى "الإرهاب".

"مبيعات الأسلحة للنظام المصري لن تكون مشروطة بتحسين حالة حقوق الإنسان في مصر"، هكذا صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خرق متعمد للمعاهدات الدولية التي تقضي بمنع تزويد معدات الحرب أو المراقبة للأنظمة التي يمكن أن ترتكب بها جرائم حرب أو تتسبب في انتهاك حقوق الإنسان.

جاء تصريح الرئيس الفرنسي عقب لقاء جمع بينه وبين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في العاصمة الفرنسية باريس يوم الاثنين 7 ديسمبر/كانون الأول، لمناقشة الملف الليبي وتعزيز أسس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مكافحة "الإرهاب". 

وقد استجاب عبد الفتاح السيسي لدعوة ماكرون في ظروف دقيقة يمر بها البلدان، حيث تواجه فرنسا موجة غضب عالمية بسبب تأييد ماكرون للرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم تحت ذريعة حرية التعبير، علاوة على احتقان داخلي بسبب قانون الأمن الشامل والذي للمفارقة يعمل على تضييق حرية التعبير من خلال حرمان الصحافيين من تغطية عمليات قوات الأمن.

أما مصر فباتت اليوم تتصدر النسب العالمية في تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعارضين السياسيين، وقمع وتعنيف المعارضين السياسيين والحقوقيين والصحافيين.

وقد أثارت الزيارة غضباً وتنديداً من الفاعلين السياسيين والحقوقيين في فرنسا، لكن الرئيس الفرنسي الذي ادعى دفاعه في وقت سابق عن قيم الديمقراطية وحرية التعبير، يثمن اللقاء مع الرئيس المصري ويعتبر شرط تحسين حقوق الإنسان في مصر ما هو إلا "إضعاف لشريك رئيسي في مكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط". 

هل تخفي عقود بيع الأسلحة بين البلدين خرقاً للمواثيق الدولية؟ 

استغلت فرنسا الانقلاب في مصر والواقع القمعي الذي نجم عنه منذ سنة 2013، وانسحاب أمريكا في عهد رئيسها باراك أوباما، في تنمية تجارتها في الأسلحة. 

ووفقا لمعهد SIPRI سلمت فرنسا 37٪ من الأسلحة الثقيلة إلى مصر في الفترة القصيرة بين 2013 و2017 في حين احتلت الولايات المتحدة المركز الثاني في تصدير السلاح إلى مصر.

وقد ذكرت تقارير عدة أنه في عام 2010، سلمت فرنسا أسلحة بقيمة 39 مليون يورو إلى مصر، أما في سنة 2014 فقد قامت بتزويدها بأسلحة بقيمة 838 مليون يورو، وبقيت قيمة العقود في ارتفاع متزايد لتصل سنتي 2016 و 2017 إلى 1.3 مليار يورو، ما يعني ارتفاع لقيمة تجارة الأسلحة بما يقارب من 33 ضعفاً على مدار سبع سنوات.

وبفضل هذه العقود، أصبحت مصر الزبون الأول في استيراد الأسلحة الفرنسية، ويجري كل ذلك تحت شعار مكافحة الإرهاب. 

ويكشف التقرير السنوي الذي يرفع للبرلمان الفرنسي من قبل وزارة القوات المسلحة، بعض هذه النسب، لكن في الوقت ذاته لا يمكن الوصول إلى محتوى العقود بشكل مفصل وشفاف لأنها تصنف تحت خانة الدفاع السري، أي لا يمكن النفاذ إلى محتوياتها. 

كما صرح إيمانويل لوفاشي المدير التنفيذي لشركةRenault Trucks Defense ورئيس المبيعات الحكومية لشركة Volvo في جلسة استماع مع لجنة الدفاع الوطني والقوات المسلحة، أنه جرى تسليم مصر أكثر من 1500 شاحنة عسكرية سنة 2015 ويجري التفاوض حول معدات أخرى كالمدرعات الخفيفة والمتوسطة.

ورغم أن هذه النسب والأرقام تبدو ضخمة جداً، إلا أن فرنسا أصبحت متورطة في خرق المواثيق الدولية، حيث إنها وقعت على اتفاقية سنة 2014 تسمى باتفاقية تجارة الأسلحة، تفرض على الموقعين عدم بيع أسلحة للدول التي يمكن أن تستخدمها ضد المدنيين أو ترتكب بها جرائم حرب.

إلا أن هذه الاتفاقية لا تحتوي على نظام عقوبات في حال انتهكت بعض الأنظمة حقوق الانسان. 

من جانبها، حاولت وزيرة الجيوش الفرنسية حينها، فلورنس بارلي تفنيد شبهة التورط، فقالت إن"فرنسا لا تبيع الأسلحة بشكل غير مدروس، وهناك إجراءات ولجان تحت رقابة البرلمان تقوم بتتبع أذون تصريح التصدير".

فرنسا تساعد مصر في قمع وتعنيف المدنيين 

رغم الادعاء المتواصل للسلطات الفرنسية أنها تدعم مصر في حربها على الإرهاب، إلا أن المنظمات الحقوقية تمكنت من الوصول إلى دلائل تشير إلى تورط غير مباشر للسلطات الفرنسية في قمع المعارضين والمتظاهرين من المدنيين والصحفيين في مصر وذلك باستخدام أجهزتها الأمنية للأسلحة الفرنسية. 

فقد كشفت منظمة العفو الدولية استخدام الأسلحة الفرنسية في قمع المتظاهرين السلميين في مصر، من ذلك استخدام قوات الأمن المصرية لمدرعات فرنسية أثناء قمع المتظاهرين في ميدان رابعة العدوية سنة 2013 والذي أودى بقتل المئات من المصريين، وتعرض الآلاف من الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمتظاهرين للاعتقال التعسفي.

وتعرض بعضهم للتعذيب وأشكال مختلفة من سوء المعاملة، وحُكم على عدة مئات بالسجن المؤبد أو بالإعدام إثر محاكمات بالغة الجور.

ودعت المنظمة الدولية إلى ممارسة المزيد من الضغط على فرنسا لإظهار المزيد من الشفافية حول عقود بيع الأسلحة، والتوقف عن تزويد الدكتاتوريات بآليات القمع.

واستنكرت المنظمة ما عبرت عنه بمد السجاد الأحمر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وقت يتجاوز فيه عدد سجناء الرأي في مصر 60000، ودعت إلى جانب العديد من المنظمات الحقوقية الأخرى إلى التظاهر والتعبير عن رفض إبرام مثل هذه العقود مع شريك متورط في العنف والقمع ضد المدنيين.

وكان البرلمان الأوروبي قد ناقش في وقت سابق، القمع المستخدم في مصر ضد الاحتجاجات السلمية وتتبع الناشطين والتضييق عليهم، وبالتالي فإن التعامل مع السلطات المصرية خاصة في مجال بيع الأسلحة يعتبر مشاركة في آليات القمع والعنف ضد المدنيين.

وفي تعليقه على استمرار بيع الأسلحة الفرنسية إلى مصر قال الباحث الفرنسي والمتخصص في شؤون العالم العربي والإسلامي فرنسوا بورغات François Burgat إن "هذا ما يعنيه التواطؤ مع النظام المصري، الذي يدوس على قيم الديمقراطية، وفي مقدمتها حرية التعبير، التي تدعي فرنسا أنها بطلتها؟ فعندما ذهب وزير الخارجية جان إيف لودريان إلى القاهرة للدفاع عن الرؤية الفرنسية لـ "حرية التعبير"، فقد ذهب وهو يدرك تماماً مفارقة مثل هذا الموقف في بلد يمكن أن يؤدي فيه أدنى تعليق غير محترم على شبكات التواصل الاجتماعي إلى السجن".

وفي فيلمها الوثائقي بلدي يصنع الأسلحة قامت المخرجة آن بوار Anne Poiret بمواجهة أشد التناقضات الصارخة في الموقف الفرنسي الذي سعى جاهداً لبعث بعض المبادرات لمواثيق دولية وكان من أول الموقعين عليها، ومن ثم من بين الخارقين لها عبر صناعة الأسلحة المحظورة، وتصدير الأسلحة إلى بلد يقع في دائرة الاتهام لارتكاب جرائم وانتهاكات تجاه المعارضين والمدنيين.

ورغم كل الانتقادات الحقوقية التي تتعرض لها فرنسا، إلا أنها وعبر وزير خارجيتها لودريان تواصل الدفاع عن سياسات بيعها السلاح لمصر، ليكون بذلك القمع في مصر قمعاً"صنع في فرنسا".

ففي سنة 2015 عُقد لقاء بين لودريان ونظيره المصري تحت إشراف عبد الفتاح السيسي انتهى بتوقيع على بيع قياسي للأسلحة: مقاتلات رافال، فرقاطات Fremm، طرادات Gowind وعربات مصفحة بالمئات.

وبعد أن قام الرئيس الفرنسي في مؤتمره الصحفي يوم 28 يناير/كانون الثاني 2019 بضغط من المنظمات غير الحكومية بإعطاء الرئيس المصري درساً أخلاقياً عن المجتمع المدني وحقوق الإنسان، نراه اليوم يتراجع عن موقفه ويعتبر أن في احترام حقوق الإنسان شرطاً من شأنه أن يضعف أحد شركائهم الرئيسيين في حفظ الأمن في منطقة الشرق الأوسط.

TRT عربي