شهدت العلاقات التركية الإفريقية نقلات نوعية في العقدين الأخيرين (Emin Sansar/AA)

استقطبت منطقة الساحل الاستراتيجية الاهتمام الدولي مؤخراً كساحة تنازع دولي على مساحات نفوذ جيوسياسي في القارة السمراء. ولطالما عدت هذا المنطقة ساحة خلفية تقليدية لفرنسا، غير أن بروز فاعلين جدد أهمهم تركيا في الملعب الاستراتيجي الهام وسط وغرب إفريقيا، أدى إلى حدوث انزياحات في النفوذ وتحالفات بين فرنسا وأبو ظبي تجسد الصراع الذي لا ينفصل عن رؤى مختلف الأطراف لمصالحها الاستراتيجية في إفريقيا.

تركيا في الساحل

حملت السنوات الأخيرة حضوراً تركياً متزايداً في منطقة الساحل الإفريقي، من خلال مروحة من النشاطات المندرجة ضمن استراتيجية أنقرة في الانفتاح على القارة السمراء.

وفي هذا السياق يبرز دور تركيا الداعم لمجتمعات تلك الدول في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية الضاغط على سكان المنطقة ولا سيما مع ظهور وباء كورونا، حيث تتدفق المساعدات التركية بأشكالها المختلفة.

وعلى سبيل المثال أعلنت مؤسسات تركية مختلفة صيف العام الماضي أنها ستشحن مجموعة واسعة من المعدات الطبية، بما في ذلك 50 ألف قناع جراحي و 30 ألف قناع من نوع "إن 95" و 2000 نظارة واقية، بالإضافة إلى مساعدات إغاثية وغذائية للنيجر وتشاد وموريتانيا.

وفي إطار نشاطها الدبلوماسي افتتحت تركيا في السنوات الأخيرة سفارات لها في دول المنطقة الخمس، كما تكثفت زيارات المسؤولين الأتراك لهذه الدول وفي مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي زار مالي والنيجر وموريتانيا، في حين زار رئيس تشاد السابق إدريس ديبي ورئيس بوركينا فاسو أنقرة.

كما انخرطت الشركات التركية أسواق المنطقة حيث وقعت شركة كاليون التركية مع حكومة مالي عام 2019 على عقد لإنشاء نظام نقل حضري (متربوس) في عاصمة البلاد، كما شهد عام 2019 افتتاح مطار ديوري حماني الدولي في العاصمة النيجرية نيامي بعد تجديده الذي نفذته شركة SUMMA التركية، وقد شيدت قبله فندق راديسون في نفس المدينة.

وتقدَّر مساحة إقليم الساحل الإفريقي بأكثر من عشرة ملايين كيلومتر مربع، تزخر بالكثير من الثروات الطبيعية الهامة، كما تتمتع بميزة جيوستراتيجية إذ تعتبر المنطقة محورية في العلاقات والتفاعلات بين إفريقيا الاستوائية وشمال إفريقيا، كما بين أفريقيا والمشرق العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط.

أنقرة الشريك المرحَّب به

قوبل هذا النشاط التركي بترحيب كثير من الأفارقة بأنقرة التي تجمعهم معها قواسم مشتركة أكثر من أوروبا أو روسيا أو الصين، والذين يميلون إلى رؤية تركيا كطرف أقل استبداداً من الاتحاد الأوروبي أو فرنسا، وكشريك له نفس المصالح، وفقاً لورقة صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية المرموقة.

وتضيف الورقة أن العديد من صانعي السياسات ورجال الأعمال في منطقة الساحل يشعرون بالاستياء من اعتماد المنطقة على المساعدات الأوروبية والدعم العسكري الفرنسي، ويقولون إنهم مهتمون بتنويع التحالفات.

وفي تصريح لأكاديمي مالي تلقى تعليمه في الغرب قال: إن "الدول الغربية ظاهرة في نزاعاتنا. ونود أن نرى دولاً عربية أو إسلامية مثل تركيا تلعب دوراً أكثر نشاطاً في حل النزاعات".

وفي النيجر المجاورة أبدى مسؤول دفاعي رفيع المستوى تفاؤله بشأن آفاق التعاون الدفاعي مع تركيا موضحاً أن "تبادل المعلومات الاستخباراتية وبناء القدرات والتدريب العسكري الذي تقدمه تركيا في إطار اتفاقية الدفاع سيكون عوناً كبيراً في تحسين الأمن"، في إشارة إلى الاتفاق الأمني الموقع بين أنقرة والنيجر يوليو/تموز عام 2020.

ومجموعة دول الساحل "جي 5"، هي تجمع إقليمي للتنسيق والتعاون يضم دول: موريتانيا، وبوركينا فاسو، ومالي، وتشاد، والنيجر، تأسس عام 2014، ويهدف إلى مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، وفق ما يعرّف التكتل نفسه.

أجراس الذعر في باريس

قرع التمدد الاستراتيجي التركي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا أجراس الإنذار في باريس القلقة من تراجع نفوذها في العديد من المواقع المحسوبة تقليدياً ضمن "فلك" النفوذ الفرنسي.

هذه المخاوف وجدت أوضح تعبيراتها في ما صرح به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمجلة جون أفريك نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حيث اتهم تركيا بالسعي "إلى تعزيز المشاعر المعادية لفرنسا في إفريقيا".

الصراع بين أنقرة وباريس حول المواقف من ملفات شرقي البحر المتوسط وليبيا تنعكس ظلاله على رؤية التحرك التركي غرب إفريقيا ولا سيما منطقة الساحل، حيث تنظر باريس إلى تطوير تركيا علاقاتها مع الجزائر والنيجر على سبيل المثال على أنه حماية لحضورها في ليبيا ولاتفاقياتها التي وقعتها مع الحكومة الليبية برئاسة فايز السراج.

وفي هذا الإطار تبرز مخاوف فرنسا في ظل فشل عملياتها العسكرية في المنطقة في القضاء على الحركات المسلحة هناك، حيث قادت فرنسا عملية سيرفال (2013) التي انتقدتها تركيا في حينه، كما أطلقت عام 2014 عملية برخان لنفس الهدف وأنتهى بها المآل إلى إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يونيو/حزيران 2020 إنهاءها دون تحقيق أهدافها.

السخط الشعبي على فشل فرنسا في تحقيق الاستقرار جسدته مظاهرات الماليين المطالبة بخروج القوات الفرنسية من بلادهم في يناير/كانون الثاني من هذا العام، حيث يرى قطاع عريض من الأفارقة في منطقة الساحل أن توسع النشاط العسكري الفرنسي مرتبط باستمرار شبكات الفساد في الطبقات السياسية الداخلية لدولهم، ممَّا يُساهم في تصاعد نشاط الجماعات المسلحة التي تتخذ من محاربة الوجود الفرنسي والغربي عموماً ذريعة دائمة للاستمرار.

هذا الإخفاق الفرنسي يقابله انخراط تركي متزايد في المحور الأمني العسكري في المنطقة المضطربة، حيث أعلن الرئيس التركي عام 2018 تقديم بلاده خمسة ملايين دولار لتمويل القوة العسكرية التي شكلتها دول الساحل الخمس لمكافحة المجموعات المسلحة الناشطة هناك، كما عقدت أنقرة اتفاقيات عسكرية أمنية مع العديد من دول المنطقة كموريتانيا وتشاد والنيجر.

المخاوف الفرنسية من الحضور التركي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا تتعدى ما سبق إلى إعادة تشكيل للتوازنات الجيوسياسية في المنطقة على حساب باريس، حيث يرى محمد أوزكان الزميل غير المقيم في مركز السياسة العالمية بواشنطن أن استراتيجية تركيا في غرب إفريقيا قد تؤثر على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، لكنها أيضاً قد تخلق فرصة للتعاون المحتمل مع قوى أوروبية مثل إيطاليا أو إسبانيا، خاصةً في قضايا الأمن والهجرة، وكسر احتكار فرنسا كـ"وكيل" للاتحاد الأوروبي في المنطقة.

وأضاف أوزكان أن الوجود المتزايد لأنقرة في المنطقة يُنظر إليه في واشنطن كقوة موازنة إلى حد ما ضد النفوذ الصيني المتزايد، وهو ما شجع السناتور الأمريكي ليندسي غراهام في يونيو/حزيران 2020 على طرح فكرة أن تصبح تركيا بديلاً عن النفوذ الصيني في إفريقيا، مضيفاً أنها قد تفتح أيضاً مجالات جديدة للتعاون بين تركيا والولايات المتحدة.

الإمارات وصناعة التحالفات

أجراس الإنذار التي قُرعت في باريس ترددت أصداؤها في أروقة السلطة في حليفتها الإمارات، وبالنظر إلى نجاح استراتيجية أنقرة في القرن الإفريقي يبدو تكرار التجربة في غرب إفريقيا كابوساً لأبو ظبي التي نشطت في دعم الولايات الصومالية على حساب مقديشو حليفة أنقرة، كما تدفقت استثماراتها إلى إثيوبيا لمنافسة الوجود التركي هناك.

قوس الأزمات الإماراتية التركية يبدأ من شرق القارة الإفريقية ويمتد إلى شمالها في ليبيا والمتوسط لتمتد مفاعيله في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، ومع ازدياد النشاط التركي سارعت أبو ظبي إلى تطوير تحالفات مضادة لتركيا سواء من خلال تحالفات الغاز مع دول أوروبية كاليونان وقبرص أو مع جماعات مسلحة كالجنرال خليفة حفتر في ليبيا، وأخيراً سعي إماراتي مصري فرنسي مشترك لمحاصرة أنقرة في منطقة الساحل.

ولتحقيق هذا الهدف نشطت الاستراتيجية الإماراتية ضمن مجموعة من المسارات أهمها العمل تحت مظلة "مكافحة الإرهاب"، وفي قمة استضافها الرئيس الفرنسي ماركون في باريس ديسمبر/كانون الأول 2017، أعلنت الإمارات والسعودية مساهمتهما بـ130 مليون يورو لتعزيز القوة الإقليمية لدول الساحل والصحراء الخمس.

كما شاركت أبو ظبي في فبراير/شباط 2020 في أعمال الدورة العادية السابعة لقمة دول الساحل الخمس الكبرى في تشاد، وأتبعت ذلك في مارس/آذار بالمشاركة في ثاني اجتماع وزاري للتحالف من أجل منطقة الساحل ، وأعلنت دعمها للأمن والاستقرار والتنمية والجهود الإنسانية في المنطقة.

وفي هذا الإطار أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية في 25 أبريل/نيسان من هذا العام تسيير رحلات دعم لوجستي جوية لقوات تقودها فرنسا في دول منطقة الساحل الأفريقي غرب القارة السمراء، ورغم عدم توضيحها للمقصود بـ"الدعم اللوجستي" الذي ستقدمه، فإنها بينت تخصيصها "عدداً من رحلاتها" لنقل مساعدات إنسانية وإغاثية.

وتلا هذا الإعلان زيارةً رسيمة قصيرة قام بها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد إلى القاهرة، التقى فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث اتفق المسؤولان على التنسيق لمواجهة "التحديات الخارجية" و"الأنشطة الإرهابية"، إثر اغتيال الرئيس التشادي إدريس ديبي في 20 أبريل/نيسان.

هذا التنسيق ربطه مراقبون بالتحركات المصرية الأخيرة في منطقة الساحل، حيث كشفت مصادر مصرية رفيعة المستوى لصحيفة العربي الجديد عن تحركات خاصة تقوم بها القاهرة لإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، من ضمنها زيارتان غير معلنتين لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، يرافقه وفد أمني، إلى كل من تشاد والنيجر.

وأضافت المصادر أن السبب الرئيسي وراء التوجه المصري نحو دول الساحل الأفريقي هو التقارير الاستخبارية الخاصة، التي تؤكد توسع النفوذ التركي هناك، حيث تهدف مساعي القاهرة إلى تقديم نفسها كمنافس قوي لتركيا في مجال التدريب العسكري في إطار جهود مكافحة الإرهاب.

ويرى المراقبون أن استمرار الاستراتيجية التركية في كسب مربعات جديدة ضمن رقعة شطرنج الساحل ستزيد من حدة المواجهة بين الأطراف الثلاثة، لتنضاف المنطقة إلى ساحات الصراع الإقليمية الساخنة الأخرى.

TRT عربي