قرار واشنطن المنفرد بالانسحاب من أفغانستان وتبعاته أزعج الكثير من القادة والسياسيين في أوروبا وبريطانيا (Reuters)

لم تمر ساعات على اكتمال انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، حتى بدأ الشقاق والانقسام يضربان صفوف الحلفاء الغربيين، فالقرار الذي أصر الرئيس الأمريكي جو بايدن على تنفيذه حتى النهاية رغم عديد التحفظات الداخلية والخارجية، يبدو أنه لن يمر بسلام على علاقة الحلفاء على ضفتي الأطلنطي.

"لعبة إلقاء اللوم"

تحدّثت صحف بريطانية وأمريكية عن توترات بدأت تدب في العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عقب تسريبات من البنتاغون "تلقي باللوم" على بريطانيا في الهجوم الإرهابي الدامي الذي وقع الأسبوع الماضي في محيط مطار كابل، وخلّف قتلى وجرحى من الأفغان والقوات الأجنبية.

وتزعم التسريبات التي أشارت إليها صحيفة "بوليتيكو" الاثنين، أن الجنرالات الأمريكيين أرادوا إغلاق بوابة المطار قبل الهجوم، إلا أنهم في النهاية أبقوها مفتوحة تحت ضغط البريطانيين "للمساعدة في جهود الإجلاء البريطانية"، حسب ما ورد.

وقوبلت تلك التسريبات بغضب شديد من قبل مسؤولين كبار في لندن وبرلمانيين من حزب المحافظين رأوا أنها محاولة من الإدارة الأمريكية "لإلقاء اللوم" على طرف آخر في فشلها في أفغانستان والشكل "الكارثي" الذي جرت به عملية الانسحاب، حسب ما قالت صحيفة "ذا تايمز" البريطانية.

ونقلت الصحيفة عن مصدر حكومي لم تُسمّه، قوله: إن "الولايات المتحدة عليها أن تفسّر لنا سبب الفوضى الهائلة التي حدثت خلال عمليات الإجلاء"، كما قال توبياس إلوود عضو البرلمان عن حزب المحافظين ورئيس لجنة الدفاع: "أخشى أن لا تكون تلك الملاحظات (تسريبات البنتاغون) أكثر من لعبة غير مفيدة لإلقاء اللوم"، مضيفاً أن ذلك يُظهِر "مدى الانحسار" الذي تشهده العلاقات بين واشنطن ولندن، حسب المصدر نفسه.

"شرخ عميق"

ولا يبدو أن الخلافات بين الحليفين الأمريكي والأوروبي باتت تقتصر على بعض أمور تفصيلية يُحمّل فيها طرف الطرف الآخر المسؤولية عن نتائج سلبية بعينها، بل تمتد إلى ما يصفه محللون ومراقبون بـ"الشرخ العميق" الذي أظهره بوضوح قرار الانسحاب من أفغانستان، لا سيّما أنه اتُّخِذ بشكل أحادي من قِبل الإدارة الأمريكية الحالية.

وفي هذا الصدد، يقول معلّق السياسة الخارجية في صحيفة "الغارديان" البريطانية سايمون تيسدال: إن "الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها على الضفة المقابلة من الأطلسي اتسعت بشدة في ظل إدارة بايدن"، مضيفاً: أن "الرئيس الأمريكي الديمقراطي الذي ادّعى كثيراً إيمانه بفضائل التعددية ثم اتّخذ قرار الانسحاب من أفغانستان بشكل أحادي، فعل في أسابيع ما لم يستطع (الرئيس الأمريكي السابق دونالد) ترمب فعله في سنوات رغم صخب الأخير".

ويرى تسيدال أن الخطاب الذي ألقاه بايدن في 16 أغسطس/آب الجاري، تعليقاً على سقوط الحكومة الأفغانية وسيطرة طالبان على كابل، كان "صادماً حقاً لغير الأمريكيين، فقد كان ازدراؤه غير المستحق للقوات الأفغانية وتجاهله لتضحيات حلفاء الناتو، يشعان بالغطرسة".

ويلفت الكاتب البريطاني أيضاً إلى أن "ادعاءه (ادعاء بايدن) بأن بناء الدولة لم يكن هدف الولايات المتحدة في أفغانستان، غير صحيح إلى حد بعيد"، في إشارة إلى ما ذكره الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في مذكراته المنشورة عام 2010، حول أن "التدخل في أفغانستان كان نموذجاً مثالياً لمهمة بناء الدولة".

أمّا بخصوص "الشرخ" الذي أحدثه قرار بايدن الانسحاب من أفغانستان، في العلاقات بين الأمريكيين والأوروبيين، فيشير تسيدال إلى تصريحات وصف فيها أرمين لاشيت المرشّح لخلافة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في رئاسة حزب المحافظين، القرار بأنه "أكبر كارثة واجهها حلف الناتو منذ تأسيسه".

في السياق نفسه، أدان النائب المحافظ ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني توم توجندهات موافقة لندن على الانسحاب من أفغانستان، معتبراً القرار "أكبر كارثة في السياسة الخارجية لبريطانيا منذ أزمة قناة السويس (عام 1956)".

"نهاية شهر العسل؟"

يتفق معظم المراقبين على أن العلاقات بين الولايات التحدة وحلفائها في أوروبا وبريطانيا وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال فترة حكم الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب الذي عُرِف بصدامية لم تكن معهودة لدى أسلافه من رؤساء الولايات المتحدة.

لذلك تلقّى الكثير من زعماء أوروبا خبر وصول بايدن إلى البيت الأبيض بترحاب وسعادة، حتى إن شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي قال لدى استقباله الرئيس الأمريكي الجديد في يونيو/حزيران الماضي ببروكسل: إن "أمريكا عادت إلى الساحة العالمية.. إنها أخبار رائعة".

ولكن يبدو أن شهر العسل بين الأمريكيين والأوروبيين لم يدم طويلاً، إذ بدأ التوتر والفتور يدبّان في العلاقات مجدداً لعدد من الأسباب منها عدم رفع إدارة بايدن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب على السلع الأوروبية، وقيود السفر بين الجانبين بذريعة انتشار وباء كورونا، حسب ما يشير الكاتب ومحلل السياسة الخارجية إحسان ثارور في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

ويرى ثارور أن تلك التوترات وصلت إلى ذروتها بعد قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وما أعقبه من السقوط المفاجئ لحكومة كابل وسيطرة طالبان على البلاد، مضيفاً أن ما حدث "زعزع ثقة الأوروبيين في قرارات بايدن وأولوياته".

على أي حال، لا أحد يتوقّع أن ينهار التحالف الأمريكي الأوروبي بين ليلة وضحاها، ولكن يبدو أن الفجوة بين الجانبين آخذة في الاتساع، وحسب ما يؤكد المحللون فإن 16 أغسطس/آب 2021، ليلة سقوط كابل في يد طالبان وانهيار الجيش الأفغاني الذي أنفقت عليه واشنطن وحلفاؤها الغربيون مليارات الدولارات، سيكون له تبعات ستستمر سنوات وربما عقوداً.

TRT عربي