أثار خبر استخدام جهاز الاستخبارات المغربي تقنية بيغاسوس الإسرائيلية للتجسس على شخصيات ناشطة وإعلاميين وسياسيين في كل من الجزائر وفرنسا، جدلاً واسعاً وتوتراً دبلوماسياً متصاعداً.

في أحدث تحقيقاته الاستقصائية نشر موقع فوربيدن ستوريز تقريراً يكشف تورط دول وحكومات عربية في استخدام تقنية بيغاسوس المطورة عن شركة NSO الإسرائيلية، بغرض التجسس والوصول إلى بيانات ومعطيات بعض المسؤولين السياسيين والإعلاميين والناشطين.

ولم يسلم المغرب من التهم الموجهة إليه في هذه القضية الافتراضية، التي هزت وسائل الإعلام المحلية والأجنبية مؤخراً، وسط تنديدات وطلب توضيحات من الجانب المغربي.

وأشار تقرير فوربيدن ستوريز وتقرير منظمة العفو الدولية، إلى تورط جهاز الاستخبارات المغربي في التجسس على صحفيين معارضين مغاربة عرفوا بانتقاداتهم للسلطة، إلى جانب نحو 30 صحفياً فرنسياً ينتمون إلى مؤسسات إعلامية شهيرة، كصحيفة لوفيغارو، ولوكانار أونشيني ولوموند والوكالة الفرنسية للأنباء وقناة فرانس 24، إضافة إلى التجسس على ناشطين وإعلاميين ومسؤولين جزائريين.

وفيما رفضت شركة NSO الإسرائيلية المزاعم المتعلقة بالتجسس والتقرير الذي اعتبرته مليئاً بالافتراضات الخاطئة والنظريات غير المؤكدة، وادعت الحكومة الإسرائيلية تشكيل لجنة تحقيق في القضية، لا يزال المغرب في مرمى الاتهام الذي قد يدفع بعلاقاته الدبلوماسية إلى مزيد من التأزم.

المغرب يلجأ إلى القضاء

أصدرت الحكومة المغربية بياناً رسمياً يوم الخميس 22 يوليو/تموز الجاري تنفي فيه التهم الموجهة إليها بالتجسس، وفي السياق ذاته أفادت عبر البيان باختيارها التوجه إلى القضاء لرفع دعوى تشهير أمام المحكمة الجنائية في باريس ضد كل من منظمتي فوربيدن ستوريز والعفو الدولية، قائلة: "المغرب القوي بحقوقه والمقتنع بوجاهة موقفه، اختار أن يسلك المسعى القانوني والقضائي في المغرب وعلى الصعيد الدولي، للوقوف في وجه أي طرف يسعى إلى استغلال هذه الادعاءات الزائفة".

ويرجح أن عقد جلسة الاستماع الإجرائية الأولى ستكون في 8 أكتوبر/تشرين الأول، أمام دائرة قانون الصحافة، لكن من غير المتوقع أن تبدأ المحاكمة قبل عامين تقريباً.

وفي السياق ذاته قال أوليفييه براتلي مكلف السلطات المغربية برفع الدعويين القضائيتين في فرنسا، إن المملكة المغربية تعتزم رفع الملف إلى القضاء الفرنسي لأنها تريد إلقاء الضوء على المزاعم الكاذبة لهاتين المنظمتين، التي قدمت عناصر دون أي دليل ملموس ومثبت".

ورغم أن قائمة المستهدفين التي كشف عنها فوربيدن ستوريز في البداية شملت صحافيين وإعلاميين وناشطين معارضين، فقدنشرت لاحقاً كل من الإذاعة الفرنسية وصحيفة لومند الفرنسية، بأن من بين الأطراف التي استهدفها كذلك برنامج بيغاسوس الإسرائيلي، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأعضاء من حكومته، وملك المغرب محمد السادس وأطرافاً مقربة منه، وتطول القائمة في ذلك. ممَّا يجعل الأمر أكثر حساسية، ويستدعي إجراء تحقيقات للكشف عن ملابسات القضية لتأكيد المزاعم أو نفيها.

تحقيقات وإجراءات عملية في فرنسا

على إثر المعطيات الأخيرة في قضية التجسس، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفتح سلسلة تحقيقات.

وبعد أن اعتبرت السلطات الفرنسية في وقت سابق القضية "وقائع صادمة للغاية، وإذا ما ثبتت صحتها، فهي خطيرة للغاية". يبدو أنها تتجه الآن إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات. حيث غير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهاز هاتفه الذكي يوم الخميس 22 يوليو/تموز الجاري، تفادياً لأي اختراق محتمل، كأول رد فعل عمليّ.

وتعليقاً على ذلك، قال مسؤول في الرئاسة الفرنسية: إن "لدى الرئيس الفرنسي عدة أرقام هاتف. لا يعني ذلك أنه تعرض للتجسس، ولكن (اتخذت الخطوة) لمزيد من الحماية".

وعلى ضوء ذلك، تم اتخاذ المزيد من الإجراءات التي تعبر عن مدى جدية السلطات الفرنسية في التعاطي مع هذه القضية الافتراضية، إذ تم تعديل إجراءات التأمين وبرتوكولات حماية الرئاسة والمسؤولين الحكوميين، فيما تولت هيئة إدارة نظم المعلومات المشتركة السرية بين الوزارات التابعة للأمانة العامة للدفاع والأمن القومي، تأمين وسائل الاتصال الخاصة برئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة الفرنسية.

الجزائر تفتح تحقيقاً

من جانبها، وبعد الكشف عن استهداف جهاز الاستخبارات المغربي لمسؤولين وناشطين جزائريين، في عملية التجسس الأخيرة باستخدام تقنية بيغاسوس الإسرائيلية، أمرت نيابة الجمهورية بفتح تحقيق في القضية، على إثر التقارير والمعلومات التي نشرتها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية.

وأصدرت النائبة العامة لدى مجلس قضاء الجزائر بياناً رسمياً يوم الخميس 22 يوليو/تموز، ورد فيه أن "نيابة الجمهوريّة لدى محكمة سيدي أمحمد أمرت بفتح تحقيق ابتدائي كُلّفت به مصالح الضبطيّة القضائيّة المختصّة في مكافحة الجرائم السيبرانيّة والمعلوماتيّة".

وفيما استدعت الجزائر سفيرها في الرباط للتباحث حول أزمة الصحراء المغربية وملف النزاع مع الجارة المملكة المغربية، تفجر قضية التجسس الأخيرة أزمة دبلوماسية جديدة بين البلدين.

ولم تخف الجزائر قلقها في ما يتعلق بملابسات القضية، وما يمكن أن يخفيه الملف من تفاصيل دقيقة يمكن أن تهدد الأمن القومي للجزائر وتضر بمصالحها، وعبرت عن استعدادها للمشاركة في أيّ جهد دولي يهدف إلى إثبات الحقائق بشكل جماعي وتسليط الضوء على مدى وحجم هذه الجرائم التي تُهدّد السلم والأمن الدوليّين، فضلاً عن الأمن الإنساني.

TRT عربي