أعادت الأحداث الجارية في فلسطين منذ أيام، القضية الفلسطينية على سلّم أولويات اهتمامات الشعب التونسي ونخبه السياسية والمجتمعية على الرغم من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب والأزمة السياسية المستمرة منذ أشهر .

وسارع التونسيون عبر أحزابهم ومنظماتهم إلى إصدار مواقف مساندة للشعب الفلسطيني وصموده في وجه الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة في القدس والمسجد الأقصى.

من جهتها عبّرت الدبلوماسية التونسية وعلى رأسها وزارة الخارجية عن موقفها الثابت في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله من أجل استرداد حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وبتوجيه من الرئيس قيس سعيد تقدمت تونس بطلب لعقد اجتماع لمجلس الأمن، لبحث التصعيد الخطير والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

الموقف الرسمي

جددت تونس عبر مؤسساتها الرسمية موقفها المبدئي من الوضع في فلسطين، والذي صدر بداية عبر رئاسة مجلس نواب الشعب يوم 8 مايو/أيار الجاري، وصفت فيه الاعتداءات الإسرائيلية بـ" الإعتداءات الهمجية وغير المبررة وعمليات تهجير ممنهجة شملت حي الشيخ جراح وأحياء حول مدينة القدس".

وعبّرت رئاسة مجلس النواب في بيان لها "عن إدانتها الشديدة لهذه الانتهاكات المتكررة وعمليات التهجير المتعمدة والتوسع الاستيطاني التي تتنافى مع جميع المواثيق والقوانين والأعراف الدولية.

ودعا رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي "البرلمان العربي واتحاد البرلمانات العربية لعقد جلسة طارئة لبحث السبل الكفيلة بتعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني وتجدد دعوتها لجميع البرلمانات العربية والإسلامية والدولية للوقوف مع الشعب الفلسطيني والأهالي العزل في "الشيخ جراح" والقدس الشريف من أجل حقهم في أرضهم ووطنهم وإقامة شعائرهم في أمن وطمأنينة."

ويوم 9 ماير/أيار الجاري، بادر رئيس الجمهورية قيس سعيّد بإجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أكّد فيه على موقف تونس الثابت من الحقّ الفلسطيني الذي لن يسقط بالتقادم، وإدانته لكل الممارسات الممنهجة والانتهاكات المتكررة لحرمة المسجد الأقصى وللسياسات التوسعية والمخططات الاستيطانية، واستعدادها للقيام بدورها الطبيعي والتاريخي في نصرة الشعب الفلسطيني الأبي، مشيراً إلى أن الشرعية المنقوصة التي جرى القبول بها لم يقع احترامها من قبل قوات الاحتلال.

رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي يدعو البرلمان العربي واتحاد البرلمانات العربية لعقد جلسة طارئة لبحث السبل الكفيلة بتعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني (Others)

فيتو أمريكي

وتقدمت تونس بصفتها العضو العربي بمجلس الأمن وبتوجيه من الرئيس قيس سعيد بطلب لعقد اجتماع لمجلس الأمن يوم الاثنين، لبحث التصعيد الخطير والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وأشار بيان للخارجية التونسية إلى أن "الطلب جرى بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني، وبدعم من كل من الصين، الرئيس الحالي للمجلس، والنرويج، وإيرلندا، وفيتنام، وسانت فانسنت، وغرينادين، والنيجر".

وأضاف البيان: "سيتركز نقاش المجلس، حول انتهاكات إسرائيل في القدس والمسجد الأقصى واعتداءاتها على الفلسطينيين وإصرارها على سياساتها التوسعية من مخططات استيطانية وهدم وانتزاع للبيوت، وتهجير العائلات الفلسطينية وقضم للأراضي وطمس للهوية التاريخية والحضارية للمدينة المقدسة".

وأكد البيان، أن "التحرك يأتي انسجاماً مع موقف تونس الثابت في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس".

ورغم المساعي الدبلوماسية، إلا أن أعضاء مجلس الأمن لم يتفقوا على إصدار إعلان مشترك، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أن من "غير المناسب" توجيه رسالة عامة في هذه المرحلة.

دون المطلوب

وحسب ما نقلته وكالات الأنباء، فإن مسودة البيان الذي أعدته تونس بالتعاون مع عدد من الدول الأوروبية الأعضاء بمجلس الأمن، لم يتضمن أي إدانة للاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين بحي الشيخ جراح والمسجد الأقصى.

وأن البيان كان يطالب إسرائيل فقط بالتوقف عن اعتداءاتها على الفلسطينيين، واحترام مبدأ حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية للفلسطينيين في المسجد الأقصى دون خوف أو ترهيب.

ويبدو أن هذا الموقف الرسمي اعتبره طيف واسع من الناشطين بالموقف المحتشم والذي لم يرتقِ إلى حجم الاعتداءات التي حصلت في القدس، ولا كذلك إلى موقف الشعب التونسي الذي عبّر في أكثر من مناسبة عن دعمه المطلق للشعب الفلسطيني.

حيث اعتبر وسام العريبي رئيس الأكاديمية التونسية للمعارف المقدسية أنّ التحرّك الرسمي التونسي المساند للشعب الفلسطيني في القدس جاء متأخراً جدّا ولا يرتقي لحجم الشعارات التي جرى رفعها سابقاً خلال فترة الحملة الانتخابية، حيث إن الاعتداءات على المقدسيين في حي الشيخ جراح كانت منذ بداية شهر رمضان، بينما الموقف الرسمي التونسي من قبل وزارة الخارجية أو رئاسة الجمهورية جاء بعد الاقتحامات الأخيرة للمسجد الأقصى المبارك .

وأضاف العريبي في حديثه لـ TRT عربي أن التوجه إلى المنظمات الدولية والإقليمية لن يعود بأي فائدة، وهي خطوة فقط لتبرئة الذمة وإقامة الحجة، وحراك دبلوماسي معلوم النتائج، في المقابل تمتلك الدولة التونسية إمكانيات أهم يمكن أن تعتمد عليها مع دعم شعبي كبير تجسّد سابقاً بتأييد مواقف رئيس الجمهورية الذي اعتبر أن التطبيع خيانة عظمى.

وأكّد العريبي أن الأولى للسلطات التونسية أن تكون منسجمة مع الشعارات التي ترفعها، وتحاسب كل التجاوزات التي تقع من قبل أطراف تونسية اقتصادية وسياسية وثقافية ربطت علاقات مع الكيان الصهيوني الغاشم.

واعتبر رئيس الأكاديمية التونسية للمعارف المقدسية، أنه على الدولة التونسية أن تدعم المنظمات الناشطة في الدفاع عن الحق الفلسطيني وعدم السماح بوصفها بالإرهاب، وكذلك تسهيل عملها لدعم الشعب الفلسطيني مادياً ومعنوياً، كما أنه على رئاسة البرلمان وأعضائه، من مختلف الكتل البرلمانية في الحكم أو في المعارضة، تفعيل لجنة القدس البرلمانية والتي نعتقد أنها مجمّدة بفعل فاعل وأمامها عمل كبير لدعم القضية الفلسطينية دون الاكتفاء ببيانات التنديد .

دعم شعبي كبير

في الوقت ذاته عبّر عدد كبير من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية التونسية بمختلف توجهاتها، عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني، حيث أكّد الاتحاد العام التونسي للشغل وهو المنظمة النقابية الأكبر في تونس عن إدانته الجرائم الصهيونية المتكرّرة على شعبنا في فلسطين ويعتبر العملية الأخيرة في حيّ الشيخ جرّاح جريمة تطهير عرقي مُكتملة الأركان على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وكذلك ما أسماه "صمت أغلب الأنظمة العربية" ويعتبر تطبيعها المخزي مع الكيان الصهيوني أحد أهمّ عوامل التصعيد لتصفية الشعب الفلسطيني وإنهاء حقّه في الوجود.

من جهتها أعلنت حركة النهضة التونسية، تضامنها المطلق مع انتفاضة الفلسطينيين في وجه "الجرائم" الإسرائيلية بمدينة القدس.

جاء ذلك في بيان صدر عن الحركة (54 نائباً بالبرلمان من أصل 217)،أكدت فيه أنها تتضامن بشكل مطلق "مع انتفاضة المقدسيين في وجه جرائم الاحتلال وثقتها في قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود ومواجهة مؤامرات التهويد والتهجير والعنصرية".

وأدانت الحركة بشدة "عمليات تهجير المقدسيين وتهويد أحيائهم واقتحام ساحات المسجد الأقصى، واستفزاز مشاعر ملايين المسلمين".

هذه المواقف كانت ترافقها عادة تحركات في الشارع التونسي، إلا أن هذا العام وبسبب الإجراءات المتخذة للحدّ من انتشار فيروس كورونا، التجأ الناشطون التونسيون إلى إطلاق حملات على مواقع التواصل الإجتماعي.

ورغم ذلك دعا عدد من المنظمات والأحزاب السياسية التونسية من بينها الحزب الجمهوري وحزب العمال (الشيوعي) وحزب التيار الديمقراطي إلى وقفة احتجاجية بوسط العاصمة تونس نصرة للفلسطينيين وقضيتهم العادلة.

وقد أكدت هذه الأحزاب والمنظمات ضرورة التزام جميع المشاركين في هذه الوقفة بالبروتوكول الصحي في العدد والاحتياطات.

TRT عربي