قادة حزب العدالة والتنمية المغربي متفائلون بالفوز بالانتخابات للمرة الثالثة على التوالي (Fadel Senna/Getty Images)

انتهت الحملة الانتخابية المغربية ودخلت الأحزاب في الوقت الذي يفصلهم عن صباح الأربعاء، فترة الصمت الانتخابي. فيما الأسئلة لا تزال تدور في خلد المتتبعين للشأن العام بالبلاد، حول ما ستؤول إليه الأمور في اليوم التالي لصدور النتائج.

على رأس الذين تحوم حولهم الأسئلة حزب العدالة والتنمية الحاكم ذو المرجعيَّة الإسلامية، والذي أتى حسب ما صرَّح به أمينه العام السابق عبد الإله بن كيران في ظهوره الأخير لـ"ينقذ الدولة من هبة الربيع التي عصفت وقتها بأكثر من نظام داخل دوامة القلاقل المستمرة إلى الآن". اليوم يواجه حزب "المصباح" المغاربة بحصيلة حكومية لا تحقق الإجماع حول جودتها، كما يدخل الانتخابات في ظل تعديلات في قانونها تصب غالبها عكس مصلحته.

بالمقابل ومن داخل الحزب أيضاً تتضارب المواقف، حول الطمأنة من استعداده الجيد للمحطة القادمة، وبين الترويج لـ"مؤامرات" تحاك له في الخفاء، دافعة بمرشح معين وحزبه كي يكون البديل لعشر سنوات من تصدر "المصباح" نتائجها العامة.

حصيلة وتطلعات

دخل حزب العدالة والتنمية المغربي معترك الحكم سنة 2011، عبر بوابة انتخابات تشريعية سابقة لأوانها بعد أن عصفت هبة الـ"20 فبراير" بحكومة عباس الفاسي الفهري التي ثارت ضدها. وقتها أتى مرشحوا الحزب فرقة إنقاذ على الجهتين، إنقاذ شعبي كونهم الوحيدين الذين لم يكونوا قد تلطخوا قبلها بعار الفساد وسوء التدبير الحكومي. وإنقاذ للدولة التي كانت تحاذر عدم السقوط في نفس المصير الذي عرفته بلدان أخرى من المنطقة.

حاز وقتها العدالة والتنمية المركز الأول بـ107 مقاعد برلمانية، ما خوَّل له قيادة الائتلاف الحكومي وأن يصبح أمينه العام وقتها عبد الإله بن كيران رئيساً للحكومة. طوال تلك الولاية مرر بن كيران قرارات صعبة على مختلف شرائح الشعب، على رأسها رفع الدعم على المواد الأساسية ووقف الاستثمار العمومي، وإصلاح صندوق التقاعد، والإجهاز على الوظيفة العمومية أمام التوظيف بالتعاقد. كما عرفت حكومته الأولى عدد كبيراً من الأزمات السياسية وتفكك أحلافها الداخلية.

مع كل هذا، استطاع الحزب في حملة جابه فيها "الأصالة والمعاصرة"، تجديد سيادته على الانتخابات البرلمانية لسنة 2016. إذ صعد أولاً بـ125 مقعداً برلمانياً، وقاد حكومة لم تولد إلا بعد أزيد من ستة أشهر من الانسداد السياسي. وقتها اختار الملك إعفاء بن كيران من تشكيل الحكومة وتعويضه بالدكتور سعد الدين العثماني بغية حلحلة الأمور.

العثماني الذي لن تعوزه قرارات صعبة لتنزيلها، فلم تجرر عليه فقط سخط الشرائح الشعبية، بل امتعاض قواعده الحزبية. على رأسها قرار التطبيع الذي وقعه رئيس الحكومة والذي أثار غضباً عاماً بين أوساط أعضاء حزب العدالة والتنمية وقطاعاته الشبيبية.

في ظل هذا كله تعقد قيادات الحزب العزم على الفوز مجدداً في الانتخابات الحالية، هذا ما صرَّح به النائب الأول لأمين عام حزب، سليمان العمراني، الذي قال لوكالة الأناضول إنه يترقب "فوز حزبه في الانتخابات التشريعية والبلدية المرتقبة الأربعاء"، وإنه "متيقن من عدم تراجع الحزب انتخابياً، والمغاربة سيختارون العدالة والتنمية في اقتراع الثامن من سبتمبر/أيلول الجاري".

وأضاف العمراني: "صحيح أننا نفذنا إصلاحات مؤلمة لكنها تصب في مصلحة الوطن، وقد برهن الشعب على ثقته في أداء الحكومة حين صوّت بكثافة في 2016". قبل أن يؤكد أن "قوة الحزب هي أحد الأسرار التي دفعت خصومنا السياسيين إلى الإتيان بالقاسم الانتخابي (توزع على أساسه المقاعد البرلمانية) على أساس المسجلين لحرماننا من بعض المقاعد، وجعلتهم يلجؤون إلى أساليب أخرى مثل الضغط على المرشحين وإغراق اللوائح الانتخابية بأسماء مكررة ومتوفين، واستعمال المال بشكل فظيع لاستمالة مرشحينا".

تحذيرات بن كيران.. هل تقلب الكفة الانتخابية؟

في ظهور إعلامي جديد له، تحدَّث رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، عما سماه "شيء ما يطبخ في الخفاء" ضد حزبه، في إشارة إلى أطراف تحيك المؤامرات ضده. هذا قبل أن يتوجه بالانتقاد إلى حليفه في الوزارة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، عبد العزيز أخنوش، كونه "يستعمل المال المفرط في السياسة"، وأنه "من دون ثقافة أو تكوين سياسي" وأنه "يشتري ذمم الصحفيين والفنانين للترويج له".

استعمال المال المفرط في السياسة أدانه كذلك المرشح عن الحزب محمد امحجور والنائب الأول لعمدة مدينة طنجة المغربية. الذي تحدث بأن "استعمال المال في الاستحقاقات الانتخابية الحالية فاق كل سابقاتها" وأن " الإفراط في الإنفاق من قبل بعض المرشحين (لم يسمهم) جعل أصحاب المال التقليديين يعجزون عن مجاراة وتيرتهم".

بالمقابل العلامة البارزة لهذه الانتخابات أنه عندما يذكر المال يشار بالأصابع إلى حزب "التجمع الوطني للأحرار" وقائده رجل الأعمال عزيز أخنوش، أشار بها العدالة والتنمية وقبله حزب الأصالة والمعاصرة. فيما يرى مراقبون أن مصروفات الحزب المذكور حطمت الأرقام القياسية نظراً إلى الإمكانيات الإعلامية التعبوية واللوجيستية الهائلة التي طبعت حملته.

أحد تلك الإمكانات الهائلة للحزب المذكور هو ما استثمره على حملته في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي بلغت تكلفتها إلى حدود يوم الاثنين، على منصة فيسبوك وحدها 271 ألف دولار. مقابل ألف دولار فقط التي صرفها حزب العدالة والتنمية على نفس الحملة.

في هذا الصدد يقول عبد الحق صبري الصحفي المغربي المختص في تحليل معطيات وسائل التواصل الاجتماعي، أنه يوجد "تفاوت كبير في حجم إنفاق الأحزاب المغربية على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الخاصة بالإعلانات، لوجود أحزاب ركزت بشكل كبير على الشبكات الاجتماعية، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار".

هذا الحزب "الذي أولى أهمية كبرى للحضور الرقمي للحزب ولاحظنا منذ سنة 2019 بروزه بشكل كبير على موقعي الفيسبوك والإنستغرام" يقول صبري في حديثه لـTRT عربي. "إذ جرى تخصيص ميزانية ضخمة وفريق متخصص في إنتاج المحتوى التواصلي طوال سنتين من الزمن، وهذا في اعتقادي أمر لاتستطيع كل الأحزاب مواكبته، لأنه يحتاج إلى استثمار يفوق حجم إمكانياتها المادية والبشرية".

بالمقابل يرى الصحفي المغربي أسامة باجي عبر كلامه لـTRT عربي أن ظهور بن كيران الأخير أتى لتعديل كفة ميزان هذا الخلل التواصلي بخلق الحدث الإعلامي، كما دأب القيادي المذكور على فعل ذلك خلال الانتخابات الماضية بـ"تصريحات يتحدث فيها بنوع من الغرابة والتي يصعب فهمها من عامة العامة، واستعمال مصطلحات في مهاجمة خصومه من قبيل التماسيح والعفاريت".

هذا ويرى باجي أن بن كيران "نجح في الإطاحة بحملة اختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن ينهج خلالها أساليب جديدة من التسويق السياسي على كل منصات التواصل الاجتماعي". هو الذي "عود الشارع على خطابات سياسية يمكن وصفها بالغريبة والصعبة في بعض الأحيان، أحرج كل الآليات التي يشتغل بها التجمع الوطني للأحرار" يختم المتحدث كلامه.
TRT عربي