تشير تقارير حكومية إلى أن منفذ الشلامجة وميناء أم قصر الحدوديين بين العراق وإيران في محافظة البصرة يعدّان أبرز منافذ تهريب المخدرات في البلاد.

لم تتوقف الاتهامات سواء من سياسيين بارزين أو صحافيين لمليشيات مسلحة بالوقوف خلف عمليات تهريب وتجارة المخدرات في العراق، بل تعدى الأمر نحو فرض عقوبات من قبل الخزانة الأمريكية على إيران، بعد ظهور تسريبات ووثائق تؤكد تورط مليشيات عراقية مدعومة إيرانياً في تهريب المخدرات داخل العراق، وتحويل الأموال إلى مصارف تجارية إيرانية.

أكثر من 30 مليون حبة من المخدرات سنوياً

لم يعد العراق ممراً رئيسياً للمخدرات العابرة من الحدود الشرقية مع إيران فحسب، بل بات سوقاً رائجة لمختلف أنواعها المستثمرة في أغلب مناطق الجنوب ومحافظات الفرات الأوسط، فالمليشيات التي تمول مشاريع التسليح تحاول تهريب المخدرات عبر المنافذ الحدودية بين العراق وإيران في ظل عجز القوات الأمنية الحكومية عن مواجهتها.

شهد ميناء أم قصر تسريب معلومات استخباراتية خطيرة حصلت عليها قيادة العمليات الخاصة حول عمليات التهريب للمخدرات إلى داخل البلاد، حيث تحدث بهذا الصدد مع TRT عربي حسين التميمي، وهو ضابط برتبة عميد في قيادة العمليات الخاصة، قائلاً: "بعد تعقبنا لشهرين لمهربين إيرانيين كانوا يتعاونون مع عناصر أمنية ينتمون إلى فصائل مسلحة عراقية، استطعنا ضبط كميات كبيرة من الحبوب المخدرة والتي يعود مصدر نشأتها إلى إيران، وقد دخلت العراق عن طريق سفن كبيرة لنقل البضائع، برفقة جنرالات تابعين للحرس الثوري الإيراني يرتدون زياً مدنياً، ويبرزون هوياتهم كلما عبروا نقاط التفتيش العراقية".

وأضاف التميمي: "يدخل العراق سنوياً أكثر من 30 مليون حبة من المخدرات، وآخرها تلك الشحنات العملاقة التي كانت مخزونة في حقائب مدرسية تم حشوها بحبوب مخدرة من نوع (الكبتاغون) في منفذ الشلامجة وميناء أم قصر، وبحسب التقديرات يصل سعرها إلى 500 مليون دينار عراقي أي ما يقارب 60 مليون دولار".

كما تابع العميد في قيادة العمليات الخاصة قوله بالتأكيد أن "الأجهزة الأمنية على دراية بكل عمليات تهريب وبيع المخدرات الإيرانية وإدخالها أراضي العراق، ولكن المليشيات المسلحة تحمي عمليات التهريب، وتبتز الشرطة وتهدد موظفي هيئة المنافذ الحدودية، بل وصل الأمر إلى قيامها بتعطيل أجهزة السيطرة النوعية التي تفحص البضائع، كي تُهرّب المخدرات دون رقابة".

طريق ومدن تجارة المخدرات

وحسب محامٍ من مجلس القضاء الأعلى فضل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية فقد أعلن قضاة متخصصون في مكافحة المخدرات، القبض على أكثر من 525 متهماً بتجارة وترويج المخدرات في العاصمة بغداد، فيما أشاروا إلى صدور أمر بالقبض بحق 100 آخرين ما بين متعاطٍ ومروج وتاجر خلال عام 2021 بمحافظات جنوبية عديدة، وحذّر القضاة من تزايد هذه الظاهرة، مشيرين إلى أن أغلب المتعاطين يتحولون خلال فترة قصيرة إلى مروجين، لما لهذه التجارة من رواج يحقق أرباحاً لا سيما للعاطلين عن العمل، كما أكد القضاة تسجيل حالات للتعاطي والترويج للمخدرات في بعض المناطق الشعبية.

وفي السياق ذاته تحدث مدير دائرة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية العراقية مازن القريشي لـTRT عربي بالقول: "إن المحافظات التي تشهد أكثر انتشار للمخدرات هي البصرة وميسان والنجف، بالإضافة إلى العاصمة بغداد، حيث أصبح العراق ممراً ومستقراً للمخدرات"، مشيراً إلى أنه خلال خلال الفترة الممتدة من 1/1/2020 إلى 30/11/2020 تم إلقاء القبض على أكثر من 6 آلاف متهم بتعاطي وتجارة المخدرات بينهم نساء.

وأشار القريشي إلى أن "الإحصائيات شهدت ارتفاعاً في نسبة المخدرات خلال عامي 2019 و2020، وأكثر مادة مخدرة دخولاً إلى العراق هي مادة "الكريستال"، وتأتي على الغالب من إيران إلا أنها تُزرع في بداية الأمر بأفغانستان".

وحول نوعية المخدرات التي تدخل العراق على اختلاف مناطقه، أكد القريشي "من سوريا تدخل المخدرات التي تسبب خللاً للمؤثرات العقلية كالحبوب، وتأتي عن طريق استغلال الصحراء الغربية ومنها إلى النجف ثم السماوة وإلى البصرة، ومنها يُهرَّب بعضها إلى دول الخليج" بحسب القريشي.

بالأسماء مليشيات تهرِّب المخدرات

في وقت سابق أقر السفير الإيراني لدى العراق بأن المخدرات تُهرَّب من بلاده إلى العراق من خلال شبكة تجار خارجين عن القانون، وأن العراق يُهرَّب منه نحو الأراضي الإيرانية الخمور، وأكد السفير ايرج مسجدي بأن المخدرات التي تُهرَّب من إيران إلى العراق مصدرها أفغانستان وباكستان، فيما ادعى قيام مهربين عراقيين بتهريب الخمور والأسلحة إلى الأراضي الإيرانية.

السفير الإيراني لدى العراق إيرج مسجدي، يتهم مهربين عراقيين بتهريب الخمور والأسلحة إلى الأراضي الإيرانية. (Others)

وبخصوص هذا الملف الحساس، تحدث القاضي في المحكمة الاتحادية العراقية العليا فاروق الدليمي لـTRT عربي بالقول: "يُعد الجنوب العراقي المكوَّن من محافظات أبرزها البصرة وميسان وذي قار والمثنى وواسط ميداناً استثمارياً لمادة الكريستال، المنتشرة في أغلب المقاهي والأسواق الشعبية، جراء ترويجها من قبل تجّار محترفين يتعاونون مع مليشيات دينية مسلحة تتمتع بعلاقة عقائدية مع إيران ذات النفوذ الحدودي الواسع مع شريط البوابات والمنافذ العراقية".

وعزا الدليمي أسباب انتشار المخدرات في الجنوب في تصريحه إلى أن "تلك المليشيات العراقية ذات الولاء العقائدي لإيران، تحاول فرض هيمنتها على عقول السكان وإبعادهم عن المطالبة بحقوقهم بالخدمات البسيطة، حيث تقوم تلك الجماعات المسلحة بحماية مستثمريها من تجّار المخدرات لخلق توازٍ بين سطوتيها الأمنية والاقتصادية معاً".

وفي هذا السياق كشف المحقق في جهاز مكافحة الإرهاب جاسم الأسدي لـTRT عربي، أن "توريد المخدرات يأتي دائماً عبر منفذ الشلامجة الحدودي بين البصرة العراقية والأهواز الإيرانية، بالإضافة إلى منفذ مهران الحدودي بين محافظتي واسط العراقية وكرمنشاه الإيرانية، وبذلك يُعد من المنافذ الرئيسية التي منها تدخل مادة الكريستال".

كما أضاف الأسدي أن "قيادات وسطى في فصائل مسلحة، أبرزها فصيل سيداء الشهداء، وفصيل سرايا الخراساني، وفصائل صغيرة كالجهاد والبناء ومنتظرون، هي المتهمة بالاستيراد من الجار الشرقي للعراق"، موضحاً أن "تلك المجاميع المسلحة تستثمر وجودها الأمني والاستخباري عبر تلك المنافذ، لتسهيل عمليات التهريب".

أسباب ضعف الرقابة الأمنية

من جانبه يسرد الخبير الأمني في مجلس الوزراء العراقي علي المخزومي ويقول لـTRT عربي بأن "أحد أبرز أسباب انتشار المخدرات في العراق هو تهرّب كبار التجار من العقوبة بسبب الفساد في الأجهزة الأمنية والتهديدات العشائرية، وضعف المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بتجارة المواد المخدرة".

لافتاً إلى "وجود أسباب أخرى كتقليص صلاحيات منتسبي المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وقلة الكادر الأمني المتخصص والدوريات والسيطرات على حدود المدن مع قلة الكلاب البوليسية وأبراج مراقبة الحدود الدولية، إذ يستغل تجار المخدرات النقاط الهشة للحدود المفتوحة ولا سيما مع إيران لتهريب بضاعتهم، مع البطء في حسم قضايا المخدرات في جميع المحافظات".

كما أشار المخزومي إلى "افتقار الأجهزة الرسمية العراقية إلى أجهزة فحص المتعاطين للمخدرات، ما يؤثر على سير مكافحة المتهمين بالتعاطي، من ناحية تأخير حسم موقفهم، واحتمالية التلاعب في نتائج فحوصاتهم، وكل هذه المشاكل الرقابية والأمنية تعتبر أسباباً مباشرة لاستمرار تجارة المخدرات في العراق".

إحصائيات عن عدد المدمنين وكميات التهريب

بحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من 7000 حالة إدمان في العراق، منها حالات إدمان على الحبوب المخدرة، ووفق تصريحات عقيل الصباغ مدير الصحة النفسية لـTRT عربي فإن "الحبوب المخدرة أُسيء استخدامها من قبل بعض الشباب فتعاطوها كمواد مخدرة رخيصة الثمن يسهل الحصول عليها، فالمدمنون يستخدمون الحبوب المخدرة بدلاً من المشروبات الكحولية، حيث يأتي بها المهربون وتجار المخدرات عبر الحدود وتُباع في الأسواق الشعبية الفقيرة بطريقة سرية".

وأضاف الصباغ "إن رجال عصابات سرقة السيارات، التي عاودت أنشطتها في الآونة، هم الأكثر في تعاطي الحبوب، فهم يستخدمونها في تخدير ضحاياهم من سائقي السيارات الحديثة داخل المدينة وعلى الطرقات الخارجية، فقد استطاعت وزارة الصحة برفقة السلطات الأمنية في بغداد ضبط 75كغ من المخدرات في المناطق الصحراوية من المدن، بالإضافة إلى ضبطها لأكثر من 40كغ في مدينة بابل، أما الكميات الكبرى فتوجد في البصرة بمعدل يتجاوز 120 كيلوغراماً في منقطة سفوان الحدودية مع إيران".

قانون لا تلتزم به الأحزاب ولا المليشيات

بحسب مراقبين في الشأن الحقوقي هناك قوانين صارمة في الدستور العراقي لكبح عمليات تجارة المخدرات، ولكن لا وجود لتحركات جريئة من قبل مجلس النواب والأجهزة الأمنية نحو تنفيذ القوانين بطريقة حازمة.

وبهذا الصدد تحدث النائب بدر الزيادي عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية لـTRT عربي قائلاً: "شرّع مجلس النواب العراقي قانوناً لمكافحة المخدرات بدلاً من قانون سابق يعود إلى عام 1965، ونصت المادة (27) من القانون الجديد على عقوبة "الإعدام أو السجن المؤبد لكل من استورد أو صدر موادّ مخدرة أو مؤثرات عقلية أو سلائف كيميائية، بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي نص عليها القانون، ومن أنتج أو صنع موادّ مخدرة أو مؤثرات عقلية بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون، ومن زرع نباتاً تُنتَج منه موادّ مخدرة أو مؤثرات عقلية، أو استورد أو صدر نباتاً من هذه النباتات في أي طور من أطوار نموها، بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون"، إلا أن أحكام الإعدام القليلة الصادرة بحق مدانين بتجارة المخدرات لم تنفذ لغاية الآن".

كما تابع الزيادي: "القانون الجديد يُلزم وزارة الصحة بتأسيس هيئة وطنية عليا لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، كما يُلزم وزارة الداخلية بتأسيس مديرية لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية. إلا أن القانون ما زال حبراً على ورق والأجهزة الأمنية ما زالت عاجزة عن مواجهة الأحزاب السياسية المسيطرة على الأجهزة الرقابية والأمنية، علاوةً على قيادة هذه الأحزاب لجماعات مسلحة تُهيمن على المنافذ الحدودية وتغتال كل من يعترض طريقها".

لم يُعرَف في سنوات ما قبل عام 2003 أن سجّل العراق حالات مرتفعة في نسبة تعاطي المخدرات بين مواطنيه، وتمكنت الأحكام القضائية آنذاك من الحد من ترويج المواد المخدرة، لكن استفحال هذه التجارة بات واضحاً لدى المنظمات الإنسانية التي تراقب المشهد خلال الأعوام القليلة الماضية، ما أدى إلى استنفار الأجهزة الحكومية نحو تفعيل الدور الأمني لمراقبة عمليات تجارة المخدرات، ولكن هذه التحركات الأمنية ما زالت تصطدم بسطوة الجماعات المسلحة والمليشيات التي تتحكم بمنافذ العراق الحدودية وتمارس أنشطة بيع وتهريب المخدرات بحماية وترويج من إيران.

TRT عربي