لا يخلو المشهد السياسي في تونس من التلويح المستمر بالمغامرات السياسية التي تستهدف منظومة الحكم القائمة والدستور. لتتواصل بذلك حالات التجاذب والصراع بين الفاعلين السياسيين كافة وصولاً إلى مؤسسات الحكم.

من جديد، تُسبب تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد جدلاً واسعاً، يجعله مرة أخرى في مرمى اتهامات معارضيه بقيادة مشروع "انقلابي" في تونس. حيث صرح الأمين العام للاتّحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، يوم الجمعة 18 يونيو/حزيران خلال لقاء تلفزيوني، أن رئيس الجمهورية اقترح خلال اللقاء العودة إلى دستور سنة 1959 بعد إدخال تنقيحات عليه وعرضه على استفتاء، إضافة إلى تغيير النظام السياسي وتعديل القانون الانتخابي لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة.

وفي السياق ذاته كان قيس سعيد قد صرح، عقب لقاء جمعه برئيس الحكومة هشام المشيشي، بأنه يرفض المشاركة في الحوار الوطني الذي تدعو إليه عدة أطراف، إلا أنه في الوقت ذاته مستعد للمشاركة في حوار جدي يمهد لمرحلة انتقالية بنظام حكم جديد ودستور جديد، ليفصح خلال لقائه مع الطبوبي عن تصوره لشكل الدستور الجديد بصورة أوضح، وهو دستور شبيه بدستور 1959.

واعتبر عدة سياسيين أن مواقف سعيد في الوقت الحرج والأزمة الخانقة التي تمر بها تونس والانسداد الحكومي الذي تعاني تبعاته، قد تتسبب في مزيد من تأزيم الأوضاع التي وصلت إلى نقطة الانفجار.

"انقلاب على دستور الثورة"

بعد أن وعد ناخبيه بحماية دستور الثورة التونسية وعدم تجاوزه، وفاز حينها في الانتخابات الرئاسية بدعم قوى الثورة، تتراجع وعود قيس سعيد اليوم مرة أخرى، حين عبر عن موقفه الرافض لعدة فصول في الدستور في أكثر من مناسبة.

وفي كل مرة يعتمد قيس سعيد على خلفيته الأكاديمية باعتباره خبيراً في القانون الدستوري، لتأويل بعض الفصول في انحياز لمواقف معينة ضد خصومه. وتعليقاً على مواقفه الجدلية، لفت مقال نشر في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن قيس سعيد ربما يكون يمهد الطريق "لتصفية خصومه والإعداد لانقلاب دستوري هادئ".

مواقف سعيد وتصريحاته الأخيرة دعمت مزاعم "الانقلاب الدستوري" رغم أن سعيد فندها وأنكرها معبراً عن انحيازه للشرعية ولمكتسبات الثورة. ففي الذكرى الـ65 لعيد قوات الأمن الداخلي أعلن الرئيس التونسي عن تغيير جوهري في صلاحياته الممنوحة له من الدستور، ليصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية والمدنية، في سابقة تعد الأولى من نوعها. بينما الدستور التونسي في الأساس قد حاول عبر فصوله توزيع الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة لإحداث توازن بين قوى السلطة، إلا أن سعيد استخدم تأويله لفصول الدستور لتوسيع صلاحياته.

وقبل ذلك، أعاد قيس سعيد قانون انتخاب المحكمة الدستورية الذي أجريت عليه عدة تعديلات لقراءة ثانية في البرلمان وعرضه على التصويت، مغتنماً صلاحيات الاعتراض على القوانين وردها التي منحه إياها الدستور، إلا أنه تجاوز ذلك وأعلن رفض انتخاب المحكمة الدستورية قبل تعديل الدستور، وهي في الأساس مهمة القانون الدستوري.

سبب ذلك كله حالة من التجاذبات الحادة بين مكونات المشهد السياسي، ليفاجئ الجميع مرة أخرى بالدعوة إلى العودة إلى دستور سنة 1959 الذي وضعه الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة وعزز به حكمه الفردي.

مقترح قيس سعيد.. عودة إلى الوراء

وفي حين كانت القوى السياسية تدعو إلى إطلاق حوار وطني شامل لا يستثني أحداً، للوصول إلى حل للأزمة التي يكابدها الشعب التونسي، يبدو أن لدى الرئيس سعيد مساراً آخر، برز عبر إثارته من جديد قضية تغيير الدستور والنظام الحالي، والذي هو عبارة عن ثمرة تفاهمات وحوارات موسعة وتفاعل مجتمعي، إبان ثورة 2011.

وفي هذا الإطار قال الناطق الرسمي باسم حركة النهضة فتحي العيادي في تصريح إعلامي له بأن "حركة النهضة لا ترى أن من المناسب الآن الخوض في النظام السياسي وفي تعديل الدستور"، وأضاف أن "هذه القضايا ليست من أولويات التونسيين في هذه المرحلة".

واستطرد العيادي قائلاً بأن "دستور 1959 ألغته الثورة وانتهى، وهو الآن في حكم العدم. وبالتالي الحديث عن العودة إليه هو حنين إلى تجربة استبدادية سابقة لو كان فيها الخير لتمسّك بها التونسيون".

من جانبه قال الخبير الدستوري رابح الخرايفي، إن توجه قيس سعيد إلى تغيير الدستور يحمل مخاطر كبرى قد تقود البلاد إلى الفوضى، بخاصة وأن هذه الفكرة ليست مطلباً متفقاً عليه من جميع التونسيين.

ويتسق حزب قلب تونس في موقفه مع غالبية الفاعلين السياسيين، إذ صرح الناطق الرسمي باسم الحزب محمد الصادق جبنون، بأن "دستور 2014 واضح وقد جرت المصادقة عليه إثر أعمال المجلس التأسيسي وإثر مسار شاق قدمت فيه تونس الشهداء والتضحيات الكبيرة والجسام".

وبذلك يبدو تصريح قيس سعيد بخصوص الرجوع إلى دستور 1959 توجهاً عكس التيار، تواجهه فيه أغلب مكونات المشهد السياسي في تونس التي ترى في الحوار الوطني السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل من أهم استحقاقات المرحلة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً