يختلف النظر إلى الثورات العربية التي انطلقت من تونس نهاية 2010 من كونها حدثاً جيوسياسياً عابراً، أو كونها صيرورة انطلقت ومساراً لم يكتمل ولم يَبح بأسراره ولا بنتائجه بعد.

وبالتالي يكون سؤال "الما بعد" سؤالاً ملتبساً ومعقداً لا يتوقف عند فكرة الحصيلة أو الاستشراف ولا يتمايز من حيث المبدأ عن منطق التفكير الرغبوي والاصطفاف الما قبلي ضمن خنادق المع أو الضد عند انطلاقة هذه الثورات أو وقوفاً عند الحصيلة الحالية. لئن توافقت الثورات العربية في انطلاقتها زمنياً فإنها تباعدت بعد ذلك ضمن سياقات قُطرية ودولية حكمت الصيرورة والمآلات. لقد كانت هذه الثورات بزخمها الشعبي انتفاضة للهامش ضد الدولة وضد منوالها في العالم العربي الذي عجز عن الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعن الحفاظ على إرث الاستقلالات العربية كما عجز عن الاستفادة من الموارد المتاحة وريع الموقع الذي يمنح العالم العربي انفتاحاً على كل القارات وعلى حوض المتوسّط. لقد كشفت الثورات ذروة أزمة منوال الدولة الراعية وخطورة الاستمرار في الرهان على الاقتصادات الريعية وأعادت إلى الواجهة الحديث عن الأدوار الاجتماعية التي تخلت عنها تدريجياً.

مهما قيل عن الثورات العربية وعن الاختراقات الأجنبية والمخابراتية التي شابتها فهذا لا ينزع عنها زخمها الشعبي ومطالبها التي رفعتها الاحتجاجات السلمية وربطت بين المطالب الاجتماعية والمطلب السياسي في "رحيل" الأنظمة القائمة. ولم تكن الدولة هي المستهدفة في العمق وإنما منوالها الرّيعي والمنحاز إلى أقلية فاسدة وعاجزة وتابعة تحتكر مقدرات بلدانها ولا تستجيب لتطلعات الشعوب في العيش الكريم والرفاهية الاجتماعية والسيادة الوطنية والإنصاف الترابي. ولقد اختلفت السياقات القُطرية في التعاطي مع الأحداث وتجذير المطالب الثورية في تغييرات جوهرية في علاقة المجتمع بالدولة كما اختلفت استجابات النخب الحاكمة ومعها هياكل الحكم والدولة والمجتمعين السياسي والمدني. ففي حين اختارت تونس تجربة التأسيس الدستورانية وما يعرف بالانتقال الديمقراطي اختارت المغرب الجمع بين الانفتاح السياسي المحسوب وقمع احتجاجات الهامش كما في أحداث "الحسيمة". وتلافت مصر تجربة التأسيس وتوسيع دائرة المشاركة السياسية واكتفت بتحويرات جزئية للدستور، فواجهت الثورة استعصاء الهياكل وبخاصة منها الأمنية والعسكرية وكان ما كان. وعرفت اليمن وليبيا وسوريا تطوراً درامياً نحو الحرب الأهلية لا تزال تبعاتها على الوحدة الوطنية وعلى كيان الدولة قوية ومدمرة ماثلة للعيان. ولقد استدعت هذه الحروب الأهلية وبصرف النظر عن حجم التدخلات الخارجية كل التناقضات القديمة التي رافقت تشكُّل الدولة الوطنية فظهرت الصدوع والفجوات الترابية والاجتماعية إلى السطح من جديد.

لئن اختلفت أنظمة الحكم العربية بين الملكية والجمهورية فإنها تتفق في مركزيتها واحتكارها لوظائف الإنتاج والرعاية طيلة عقود. وظائف بدا منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنها أضحت عاجزة عن الاستمرار في تأمينها وظهرت عليها ملامح التهاث واضح بلغ ذروته في انفجار التحركات الاجتماعية المرتبطة بمطالب اجتماعية مباشرة ومنها أحداث الخبز في تونس في 3 يناير/كانون الثاني (جانفي) 1984 وأحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 بالجزائر. ارتبطت هذه الأحداث بتفاقم العجز في ميزان المدفوعات وتراكم مشكل المديونية وانسداد آفاق التمويل الخارجي وتعثر مشاريع التنمية الوطنية وتصاعد الحديث عن تراجع الدعم وحتمية المرور إلى إصلاحات هيكلية تطال أدوار الدولة الكبرى. لم تكن الدول العربية بمعزل عن سياق عام لأزمة شاملة في النظام الاقتصادي العالمي استحثت المرور سريعاً إلى ما بات يعرف بالعولمة وجوهرها تعميم لعبة السوق وتراجع دور الدولة لصالح القطاع الخاص والشركات الكبرى ومحاولة استيعاب ما لم يقع استيعابه في السابق عبر السوق.

دخلت الدول العربية المعنية في إصلاحات هيكلية بعد اختبار ردّات فعل الشارع عقب محاولة رفع الدعم كلياً عن المواد الأساسية، وذلك ضمن ما يعرف ببرنامج التكييف الهيكلي للاقتصاد. وهي وصفة معممة من صندوق النقد الدولي لتدارك التنمية الضائعة ولاستئناف سداد الديون الخارجية. توزعت هذه الإصلاحات على النحو التالي: على مستوى الاقتصاد الكلي نصت على تجميد الأجور والأسعار والخصخصة التدريجية، وعلى مستوى الاقتصاد الجزئي أكدت تأهيل المؤسسات لخوض غمار المنافسة العالمية والوطنية بالعودة بها إلى مستوى النجاعة الاقتصادية. كما ألحت هذه الإصلاحات على ضرورة توخي مسارات ذاتية نحو الديمقراطية المحسوبة والمرافقة. فكانت نهاية الثمانينيات مرحلة مهمة لتداول سياسي على رأس أغلب الأنظمة العربية من دون تغييرات جوهرية في الواقع.

دشنت هذه المرحلة الجديدة نهاية ما يعرف بنمط الدولة الراعية (Welfare state) ونسختها المشوهة في البلدان العربية والنامية عموماً. تسارع نسق "اللبرلة" الاقتصادية في صيغتها المعولمة بتثمير الامتيازات المقارنة كاليد العاملة ذات الأجور الزهيدة وفتح الأسواق أمام الاستثمارات والتوريد، وطال ذلك قطاعات استراتيجية كانت الدولة تحتفظ بها لنفسها وبدواعي تشغيل اجتماعي أحياناً. وتراجعت فعلياً الأدوار الإنتاجية وأدوار الرعاية والدعم الاجتماعية من دون أن يصحب ذلك توسيعاً لدائرة المشاركة في القرار، وجرى إجهاض سريع لتجربة "الدّمقرطة الذاتية" لعدة أسباب يطول شرحها. في ذات الوقت وعلى الرغم من استئناف مستويات نمو اقتصادي تفوق 3% بدأت تتعمق الفجوة الاجتماعية والمجالية بين الأقاليم وداخل الإقليم الواحد مما راكم الغبن والاحتقان وأحرج النخب الحاكمة أمام شعوبها، وهي لم تكن في الواقع تبالي وانخرطت في منظومة اقتصاد ريعي نفعي تداخل فيه الفساد مع آليات اشتغال الدولة اليومي، مما جعل تفكيك الفساد تفكيكاً للدولة ذاتها. لم تعد الدولة راعية ولم تتحول نحو الديمقراطية ولم تستفد فعلاً من فرص العولمة المتاحة فراكمت أزماتها وهيأت ظروف الانفجارات الاجتماعية اللاحقة، ما أصبح يعرف بثورات الربيع العربي منذ نهاية 2010.

طرحت الثورات العربية من جديد سؤال الدولة وبغض النظر عن المآلات القُطرية للأحداث. صيغت المسألة على النحو التالي: دولة أكثر أو دولة أقل أو دولة أفضل؟ وتعتبر تونس مخبراً حقيقاً لهذه المعادلة. فكل المطالب الاجتماعية والمناطقية تمر عبر تدخلات كبرى للدولة والحال أن المالية العمومية عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها مما يدفعها من جديد إلى الاقتراض ورفع خدمة الدين. وهذا ما يجعل المأزق الحالي لهذه الثورات هو مأزق إعادة إنتاج الدولة الراعية وقد تغيرت شروط قيامها وتحولها، كما يضع موضع سؤال الديمقراطية ذاتها ويجعلها قبالة أحد بدائلها الممكنة أي دولة قوية وتحقق النمو المرجو ولو بالتخلي عن الديمقراطية. مهما يكن من أمر فإن فصل الفساد عن القوة وإنضاج مبدأ المشاركة والالتقاء حول المشتركات الوطنية كلها شروط كفيلة بصناعة المنوال المنشود ولو بعد حين.

TRT عربي