تنسب قيادات نهضوية نجاح حركة النهضة في الحفاظ على تماسكها واستمرارية وجودها في السلطة منذ 2011، إلى رئيس الحركة راشد الغنوشي.

تونس ـــ لم يكن مشهد اعتلاء رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي منصة البرلمان لترؤُّس أولى جلساته، مقابل "استجداء" نائبة سليلة نظام المخلوع بن علي لنقطة نظام، بهيّن لدى أنصار الحركة والطيف المحسوب على القوى الثورية، وهي ذات التي توعدت منذ أشهر خلال حملتها الانتخابية بإعادة قيادات الحركة للسجون، واجتثاثهم من المجتمع.

فالحركة ذات المرجعية الإسلامية، التي حكمت منذ خمس سنوات ماضية، وستحكم لخمس سنوات أخرى بعد تَصدُّرها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، تخوض اليوم مفاوضات شاقة وعسيرة مع باقي الأحزاب والمنظمات الاجتماعية، لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة رئيسها المكلَّف الحبيب الجملي الذي حاز ثقة "مجلس شورى" النهضة.

نجاح حركة النهضة في الحفاظ على تماسكها واستمرارية وجودها في السلطة منذ 2011، تنسبه قيادات نهضوية إلى رئيس الحركة راشد الغنوشي، الذي يُقِرّ طيف واسع منهم، بمساهمته في تجنيب الحركة سيناريوهات مأساوية على غرار ما حدث مع الإخوان المسلمين بمصر، بفضل تمرُّسه وحسن إدارته المعارك السياسية مع خصومه، وتجربة التوافق التي كانت ديدنه في الحكم.

نهج التوافق

شيخ الحركة، كان قد كشف بنفسه لأول في مقال مطوَّل نشره عبر صفحته الرسمية على فيسبوك في 15 أغسطس/آب 2018 عن أسرار ما بات يُعرَف بـ"لقاء باريس" الشهير الذي جمعه بالرئيس السبسي في 2013 والذي كان اللبنة الأولى لنهج حكم التوافق بين الرجلين، والذي جنّب حزبه -كما يقول- "محرقة كانت تُعَدّ له" وحمى البلاد الفتنة والانقسام، وهيَّأ للثورة التونسية أسباب النجاح بعد انهيار أغلب تجارب الربيع العربي.

وينسب القيادي بحركة النهضة فتحي العيادي في حديثه لـTRT عربي في شهادة قال إنها للتاريخ، فضل زعيم الحركة في الحفاظ على مسار الانتقال الديمقراطي في تونس مقارنة بتجارب عربية أخرى، سواء من خلال "الترفُّق" بالتجربة، أو في تقديرات الموقف السياسي، والأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الموجودة في البلاد.

ويشدد العيادي على أن حركة النهضة بشكل عامّ وزعيمها بشكل خاصّ كان يدرك جيداً أن نجاح التجربة التونسية ستكون له ارتدادات على باقي التجارب العربية، ولو بأقدار مختلفة، وكان يبحث بكل السبل عن إنجاح التجربة الديمقراطية التونسية عبر سياسة التوافق والحوار بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية في البلاد.

ولا يُخفِي القيادي في الحركة ابتهاجه كغيره من القيادات النهضوية لترؤُّس الغنوشي لرئاسة البرلمان، في مشهد يصعب حتى مجرد تخيله قبل عشر سنوات ماضية، ويُعَدّ تغيُّراً هائلاً في معادلات الحياة السياسة، بعد أن كانت قيادات الحركة تصارع حكم الرئيس المخلوع بن علي وتئنّ بين عذابات السجون ومرارة المنافي.

حفاظ النهضة على تماسكها كجسم سياسي مهيكل لعقود، كان أيضاً أمراً لافتاً لعديد من الملاحظين، مقارنة بأحزاب أخرى وكتل سياسية اندثرت ولم يعُد لها أي وجود أو وزن سياسي على غرار تكتُّل "الجبهة الشعبية" و"آفاق تونس" و"نداء تونس" و"الوطني الحر" و"الحزب الجمهوري"، رغم حجم الضغوط التي تُمارَس عليها محليّاً ودوليّاً تحت ذرائع آيديولوجية.

صدمة الليبراليين

دخول الغنوشي للبرلمان مثّل أيضاً صدمة حقيقية ويوماً حزيناً لنخب فكرية محسوبة على التيار الليبرالي بتونس، ممن يجاهر بعدائه لأي حركة أو تنظيم ذي مرجعية إسلامية، إذ خصّص مؤسّس مجلة "جون أفريك" البشير بن يحمد مقالاً صدر منذ أيام للهجوم عليه دون هوادة، واصفا إياه بـ"الداهية والمسيطر".

وقال بن يحمد في مقال حمل عنوان "راشد الغنوشي الاختيار السيِّئ"، إن بورقيبة وبن علي يتقلبان في قبريهما بعد انتخاب راشد الغنوشي على رأس البرلمان، مُقِرّاً باستعمال الرئيسين الراحلين شتى الطرق وحتى غير الديمقراطية منها لإبعاد الغنوشي عن السلطة.

أوان التغيير

وإذ لا يجادل كثيرون حتى من ألدّ خصوم النهضة حول رمزية الغنوشي السياسية والتاريخية، ودوره طوال عقود في تماسك الحركة، وإدارة معاركها السياسية والآيديولوجية بذكاء، فإن أصواتاً من داخلها بدأت تدقّ أجراس الإنذار وتدعو لأوان التغيير في الجسم والقيادة النهضوية، بالتزامن مع اقتراب مؤتمرها القادم، الذي سيُعَدّ مفصليّاً في تاريخ الحركة، خصوصاً أن القانون الداخلي يمنع الغنوشي من الترشح لعهدة جديدة.

ويرى القيادي المستقيل حديثاً من حركة النهضة زبير الشهودي، في تصريح لـTRT عربي، أن النهضة لا يمكن أن تُختزل في شخص الغنوشي، لافتاً إلى أن نجاح حركة النهضة منذ 2011 في الخروج من منطق الصدام الذي طبع الحالة السياسية في تونس، كان الفضل فيه أولاً لمؤسسات الحركة التي أحسنت قراءة التوازنات المحلية والدولية وأخذت العبر من دروس الماضي.

ويُقِرّ الشهودي بتأثير تجربة الانقلاب العسكري في مصر وما حصل لتنظيم الإخوان المسلمين بمباركة عربية ودولية، في تغيُّر استراتيجية الحركة وتنفيذها مراجعات جذرية، واصفاً ما حدث بـ"الضربة القاصمة لحالة التطوُّر للربيع العربي التي انتبه لها العقل النهضوي الجمعي واستشعر مخاطرها باكراً".

وذكّر القيادي المستقيل بمواقف قال إنها "عقلانية ومتوازنة" صدرت عن قيادات في الحركة ومؤسسة "مجلس الشورى"، خصوصاً في إدارة "اللحظة الثورية"، على خلاف ما أظهره زعيمها الغنوشي آنذاك من مواقف وصفها بالراديكالية والمتقلبة، في ما يتعلق بالتعامل مع النظام القديم.

ووصف الشهودي لحظة ترؤُّس الغنوشي البرلمان فيما كانت ممثلة النظام القديم عبير موسي "تستجدي" نقطة نظام منه، بأنها حالة رمزية بكل المقاييس، متسائلاً في المقابل عن ثمن تلك اللحظة الذي دفعها الرجل من وحدة النهضة وشعبيتها وتنازلها أحياناً عن مواقف مبدئية.

المصدر: TRT عربي