لم يكن تعدد الحكومات في تونس منذ 2011 إلى يومنا هذا فوضى ما بعد الثورات أو قصوراً في التخطيط ممَّن تصدر المشهد السياسي، كما لم تكن خلافات على كعكة الحكم وتقاسم السلطة بقدر ما كانت مخاض ثورة مستمرة تقاوم أعداء كثراً كثرة ألوانهم وأشكالهم وروائحهم.

ثورة تقاوم من أجل البقاء، وقد أجهزت الثورة المضادة في الوطن العربي على أحلام شعوبها المتطلعة للحرية والكرامة..

تنازع صلاحيات

بعد دستور الحزب الواحد والرئيس الواحد اجتمع المشرعون التونسيون على دستور الثورة الجديد الذي صدر سنة 2014. حدد الدستور صلاحيات المهام السيادية ووزع السلطات العليا إلى ثلاث رئاسات، رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، بمضامين أقرب ما تكون إلى النظام البرلماني، لتنزع بذلك من مؤسسة الرئيس الذي اتخذ من البلاد رهينة طيلة عقود من الزمن بعض الصلاحيات المهمة وتعطيها إلى رئاسة الحكومة.

صلاحيات حاول مراراً الراحل الباجي قايد السبسي الاستحواذ عليها واستخدامها ضد حكوماته، إلا أنها كانت سبباً في اندثار حزبه وتمرد رئيس الوزراء الذي اختاره بنفسه عليه. ثم مع مجيء السيد قيس سعيد استعمل نفس رقعة الشطرنج بفرض بعض العناصر في الطاقم الحكومي أيام السيد الفخفاخ ثم هشام المشيشي. ومع نجاحه في الأولى والتي لم تستمر لأكثر من ستة أشهر، فسقطت لشبهات فساد وتضارب مصالح طالت رئيسها، إلا أن الكش مات في رقعة الشطرنج الثانية ولم تنجح خطة الرئيس.

لقد أصر المشيشي على أن يكون رئيساً للوزراء، وليس وزيراً أول لدى رئيس الجمهورية كما كان الحال قبل الثورة.

وبين هذا وذاك راود قيس سعيد رئيس البرلمان السيد راشد الغنوشي ليتقوى به في العمل على عدم إسقاط الحكومة عند مرورها لنيل ثقة البرلمان، مقابل تنازلات لمصلحة حزب حركة النهضة وحلفائها، إلا أن الغنوشي رفض الاستجابة للطلب خاصة أن الرئيس هو نفسه من اختار السيد المشيشي لتشكيل الحكومة، ثم عمل رئيس البرلمان على تسريب المعلومة فزادت هذه الحادثة الشقة والجفوة الحاصلتين أصلاً بين رئيس الدولة ورئيس البرلمان.

ثم جاء التحوير الوزاري الذي كان منتظراً ومتوقعاً من كل من الوسطين السياسي والشعبي، وأهم من كان ينتظر تفاصيله هو رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي أجبر المشيشي على قبول بعض الأسماء التي لا يريد من الأخير تغييرها، فهي تضمن له يداً عليا في بعض الثنايا المهمة في الحكومة تجعله إضافة إلى قيادته للقوات المسلحة مسيطراً على الأجهزة الأمنية الداخلية.

قابل المشيشي ذلك بتغيير مؤلم للرئاسة إذ أقدم على عزل وزير الداخلية مستغلاً خطأ مهنياً بعدم الرجوع إلا إليه في بعض التعيينات المهمة داخل الوزارة. ثم لحقه بعد ذلك تغيير واسع رحل بكل الأسماء التي اقترحها سعيد على المشيشي، ليصبح الأخير رئيساً للوزراء كامل الصلاحيات والنفوذ، وقد نفض عن نفسه غبار قصر قرطاج.

تنسيقيات واحتجاجات وحياد رئاسي

قبل الحملة الانتخابية الرئاسية لسنة 2019 وفي أثنائها، أسس قيس سعيد والمحيطون به ما سمي فيما بعد بـ"تنسيقيات دعم قيس سعيد". تنسيقيات نشطت بجد في الأوساط الشبابية في جميع أطراف الدولة التونسية وعمقها، وكان يتردد سعيد عليها في أماكن وجودها تحفيزاً وتحميساً، مبشراً "بدولة العدل العمرية" وبالقضاء على الخصاصة والتهميش والبطالة، وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

ثم سرعان ما خفت صوتها بعد نيله الأغلبية وتقلده الرئاسة، لتظهر نشاطاً مكثفاً وضجيجاً مزعجاً في أوقات تحريك عناصر رقعة الشطرنج بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة أو رئاسة البرلمان، لتتولى حملات تشهير وترذيل لخصوم الرئيس السياسيين مدافعة عن خيارات الرئاسة ومواقفها. ولئن ظهر بوضوح كبير وجود التنسيقيات في الاحتجاجات العنيفة الأخيرة وفي عمليات التشهير والنيل من السياسيين ومع كل ما حصل ويحصل من إرباك للمشهد الاجتماعي، باسم صفحات دعم الرئيس قيس سعيد على منصات التواصل الاجتماعي أو تنسيقياته، إلا أن الرئيس نأى بنفسه عن تبنيها، وإن صمت عن التنديد بها أو الإشارة إليها.

احتجاجات مطلبية وأخرى لا عنوان لها

لا بد من الاعتراف أولاً بفشل حكام تونس بعد الثورة في تغيير المشهد التنموي والاجتماعي وذلك لأسباب بعضها ذاتي والآخر موضوعي، وقد زادت جائحة كوفيد 19 من تعقيد الوضع ممَّا عجل بموجة من الاحتجاجات المطلبية وكثّفها، ومن ضمنها احتجاجات الجنوب التونسي في أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني وبداية شهر ديسمبر/كانون الأول التي كانت المطالب فيها واضحة، وتتمثل أساساً في نيل شباب جهة الإنتاج حقوقهم من العمل والعيش الكريم، فالثروة تخرج من مناطقهم ويتمتع بمزاياها غيرهم في حين يعيشون البطالة والفاقة. خرج المحتجون لقطع الطريق أمام إنتاج وتوزيع الغاز الذي يزود كامل الجمهورية ويعتبر عنصر حياة رئيسياً، لتنتج عن ذلك أزمة غاز خنقت كل بيت في البلاد. أزمة نجح رئيس الوزراء المشيشي في نزع فتيلها بإبرام اتفاق بينه وبين أبناء الجهة يضمن لهم بعض الامتيازات والحقوق. حقوق رأت باقي الجهات ضيماً لها في التسليم بها للبعض دون الآخر.

بداية الشهر الحالي اندلعت جملة من الاحتجاجات الليلية. ولئن كان من المنتظر أن تعبّر الاحتجاجات عن الضيم الذي لحق الشباب من الاتفاق المبرم بين الحكومة والمحتجين في الجنوب، وحصول البعض على حقوق على حساب البعض الآخر، و مطالبتها بالحصول على حقوقها، إلا أنها استهدفت أساساً المحلات التجارية الكبرى ومكاتب البريد والبنوك نهباً وسرقة وتكسيراً وحرقاً.

انونيموس الاحتجاجات والأيادي الخفية

لم يظهر للمحتجين وجه يعبر عنهم ولا صوت يمثلهم ولا مطالب لهم، كما لم يستغلوا حرية التعبير والاحتجاج السلمي المكفولة بالقانون والتعبير عنها بوضوح نهاراً في شوارع المدن، ممَّا زاد من تعقيد الموقف لتتخذ الحكومة إجراءات صارمة تجاه ما يحصل من تدمير للممتلكات العامة والخاصة. ولئن اعترفت الحكومة بمشروعية الاحتجاجات وأسبابها إلا أنها بقيت صارمة في كيفية التصدي للممارسات التي صاحبتها، فعمدت إلى حملة اعتقالات غير مسبوقة منذ الثورة طالت ما يزيد على الألف شاب ليتولى القضاء الفصل فيها.

انونيموس الاحتجاجات كان مقصوداً ولم يكن عفوياً، خاصة إذا فهمنا الخريطة السياسية التونسية. فقد تمركزت في تونس بعد الثورة قوى وعناصر بدأت تتموقع في مفاصل الدولة والأحزاب، مدفوعة من جهتين معلومتين في الوطن العربي والإسلامي علاقتهما متلازمة ومصالحهما واحدة والأولى معبرة عن الثانية وعاكسة لها.

تتمثل الأولى في قوى الثورة المضادة من داخل البلاد، ويعبر عنها أساساً ما يسمى في تونس بجرحى الثورة، وهم الحرس القديم فاقدو حصانة الاستبداد والفساد السياسي. وتتمثل الثانية في العامل الخارجي، وهو النظام العربي الاستبدادي المتحصن بالبترودولار، والذي استمرأ خنوع الشعوب وصمت أهل الحقوق، وتعود على استعباد الشعوب لمصلحة رغد عيش من تطاله بوصلة الثورات العربية في المحصلة النهائية، المشروع الصهيوني، بعد القضاء على الأنظمة الوظيفية التي تحكم المنطقة بالوكالة.ولا شك لدى التونسيين والعارفين في الوطن العربي والإسلامي أن رأس حربة هذه الانظمة الاستبدادية الحاكمة بالوكالة هي دولتا الإمارات العربية المتحدة ونظام الانقلاب العسكري المصري.

ومعلوم لدى قوى الثورة في تونس أن لهذه الجهات تمظهرات، منها بعض الاحتجاجات التي تهدف إلى إرباك المشهد الاجتماعي والسياسي في البلاد، وتعمد إلى خلط الأوراق لصنع واقع رمادي يختلط فيه الاحتجاج المطلبي بالعنف الشديد، وتتداخل فيه المطالبة بالحقوق بالاعتداء على رموز السيادة والسلم الاجتماعي. كما هو معلوم أن نجاح هذا التكتيك يمر عبر غبش الموقف وضبابية المشهد..

TRT عربي