المقر الرئيسي لجهاز المخابرات السرية (MI6) في فوكسهول كروس بوسط لندن. (Toby Melville/Reuters)
تابعنا

أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا أواخر شهر فبراير/شباط تشكيل المشهد الاستخباراتي الغربي بشكل عام، والبريطاني بشكل خاص. فبعد أن كانت السرية والاحتفاظ بالأسرار ركيزة عملها، أظهرت المخابرات البريطانية - مع اقتراب غزو أوكرانيا، سلوكاً نحو الخروج من الظل وتصدر الواجهة من خلال أخبار العالم بما تعرفه من معلومات عن القوات الروسية المهاجمة، فضلاً عما يخطط له قادة الكرملين.

ولعدة أشهر كانت الاستخبارات البريطانية، ومعها الاستخبارات الأمريكية أيضاً، تدقان ناقوس الخطر وتحذران بشكل علني من أن الغزو الروسي قادم لا محالة، وسط إنكار روسي، وفي وقت كانت فيه أجهزة الدول الأخرى تستخلص استنتاجات مختلفة، إما بسبب التمني أو التشكك.

صدق توقعات الاستخبارات البريطانية بشأن الغزو جعل منهاً مرجعاً للأحداث التي يتوقع حصولها على ساحة الصراع الأوكرانية، الأمر الذي انعكس على ازدياد قراءات تحديثات تويتر المتكررة لوزارة الدفاع البريطانية حول الحرب على نطاق واسع.

ولا يقتصر دور المخابرات البريطانية في الحرب الدائرة على نقل المعلومات وسرد رواية سلبية لضرب معنويات الجنود الروس وحسب، بل تمدد لتسير عمليات استخباراتية حساسة وخطيرة ضد روسيا نفسها، كان آخرها محاولة سرقة مقاتلة روسية والهبوط بها في أوكرانيا، لكن جهاز الاستخبارات الروسي تمكن من كشف العملية وإحباطها.

أسباب الخروج من الظل

أحد الأسباب الرئيسية التي كانت وراء خروج المخابرات البريطانية من الظل والعمل في العلن، هي محاولة لتشكيل الرواية وكسب حرب المعلومات مع الكرملين. خصوصاً وأن استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في عام 2014 كان بمثابة مفاجأة كبرى لحلف الناتو، الذي فشل أكثر في الصيف الماضي أثناء الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، حيث بالكاد جرى ذكر فكرة استيلاء طالبان على السلطة أو مناقشتها حتى سقوط كابول.

وحسب البروفيسور مالكولم تشالمرز الذي نقلت عنه صحيفة "الجاردين" البريطانية قوله: "إنها طريقة مختلفة تماماً عن الماضي، عندما كانت المعلومات الاستخباراتية تخضع لحراسة مشددة. ما تعلمته بريطانيا والغرب من أزمة أوكرانيا الأخيرة في عام 2014 هو أنك إذا لم تستخدم ذكاءك بنشاط لتشكيل السرد، فإنك ستفقد قوتك لصالح روسيا".

كما أن عصر وسائل التواصل الاجتماعي، المليئة بالمحللين والمعلقين الذين يصدرون أحكامهم الخاصة حول صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت، لم يجعل من الصمت والعمل بسرية خياراً، وبالأخص عندما تصبح الاتصالات ومساحة المعلومات واحدة من تلك المجالات التي يجب عليك التنافس عليها.

آخر المعارك الاستخباراتية

أعلن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، يوم 25 يوليو/تموز، أنه كشف عن عملية بدعم من المخابرات البريطانية لجذب الطيارين الروس إلى أوكرانيا مقابل مليوني دولار ومنحهم وعائلاتهم جوازات سفر إحدى دول الاتحاد الأوروبي.

ونشرت قنوات تلفزيونية ووكالات ومواقع إخبارية روسية تفاصيل العملية المزعومة. وشملت رسائل الهاتف المحمول ومقاطع صوتية، يُزعم أن ضباط المخابرات الأوكرانيين يحاولون إقناع ما يصل إلى عشرة طيارين روس بالقيام بالانشقاق والهبوط بطائراتهم في المطارات الأوكرانية وتسليم طائراتهم.

وحسب خبراء، فإن الهدف من العملية هو سرقة مقاتلة "Su-24M" الروسية، وربما إرسالها إلى بريطانيا لتفكيكها وحل شيفراتها، فضلاً عن الترويج لدعاية تستهدف معنويات القوات الروسية، مفادها أن الجيش الروسي ينهار وجنوده يهربون.

من جهته، شدد مكتب الأمن الفيدرالي على أن العملية المضادة الروسية تمكنت من "الحصول على معلومات ساعدت في إلحاق أضرار بنيران عدد من المنشآت العسكرية الأوكرانية"، ما يعني أن العملية الاوكرانية بإشراف بريطاني انتهى بها الأمر إلى كونها "خطأ فادحاً" أضر عن غير قصد "بالعشرات من ضباط الاستخبارات الأوكرانية وأساليبهم في العمل وأصولهم السرية.

توقع المشهد العام

رجح رئيس المخابرات البريطانية السرية (SIS) المعروف باسم MI6، ريتشارد مور، في كلمة أمام منتدى آسبن الأمني في كولورادو يوم الخميس، أن يبدأ الجيش الروسي وقفة عملياتية من نوع ما في أوكرانيا في الأسابيع المقبلة، مما يمنح كييف فرصة رئيسية للرد. وقال: "أعتقد أن تقييمنا هو أن الروس سيجدون بشكل متزايد صعوبة في توفير الموارد البشرية خلال الأسابيع القليلة المقبلة"، وأضاف: "سيتعين عليهم التوقف بطريقة ما، وهذا سيمنح الأوكرانيين فرصاً للرد".

وبالعودة إلى الفترة التي سبقت الغزو وفي الأشهر التي تلت ذلك، كانت هناك تكهنات واسعة النطاق بأن بوتين مريض، وربما مصاب بالسرطان، حيث جرى تصويره على أنه غريب الأطوار وغير عقلاني. ومع ذلك، نفى مور الشائعات القائلة بأن الرئيس الروسي مريض ، قائلاً "لا يوجد دليل على أن بوتين يعاني من اعتلال صحته بشكل خطير".

وحسب خبراء، فإن نجاح المخابرات البريطانية وإتقانها فنون حروب الاستخبارات العلنية أعطى بريطانيا ورئيس وزرائها المخلوع جونسون القدرة على المناورة بشجاعة وفرض سياسة خارجية ناجحة أكثر ندية للروس، خصوصاً وأن قرار جونسون المبكر بتقديم مساعدة عسكرية إلى كييف قد أتى ثماره في إحباط تقدم القوات الروسية وإسقاط العاصمة الأوكرانية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً