يُقدَّر عدد الأحزاب في تركيا بنحو 108 أحزاب سياسية تمارس فعالياتها وأنشطتها ضمن قانون الأحزاب في دولة تعرف التعددية منذ أكثر من 70 عاماً، ويحتضن البرلمان التركي من تلك الأحزاب 5، تُعتبر الأكبر والأبرز، إذ تشكّل بدورها الحكومة والمعارضة على حد سواء.

تمارس المعارضة في تركيا كامل حقوقها المشروعة، ويضمن لها القضاء ذلك دون أدنى عائق أو مانع، إذ تترشح للانتخابات وتقيم حملاتها الانتخابية بكل حرية، وأقرب دليل على ذلك هو فوز الشعب الجمهوري المعارض ببلديتي أنقرة وإسطنبول، وهما أكبر وأهمّ بلديتين في تركيا.

لا أحد يعاني من صعوبة العمل السياسي في تركيا، فعندما توجد 108 أحزاب، جلّها محسوب على المعارضة لا على الحكومة، لم تقم الحكومة التركية بإغلاق أيّ منها أو حتى مجرد الدعوة إلى ذلك، بل على العكس نجد أن حكومة العدالة والتنمية كافحت بشدة من أجل الوقوف في وجه إغلاق أي حزب سياسي، لأن العدالة والتنمية كحزب عانى من الحظر المستمرّ، ليس لأجل مخالفته القوانين أو خروجه على الدولة، على العكس، بل لأجل الوصاية العسكرية أو اللائكية.

تركيا كدولة قانون، تؤمن بالديمقراطية وضرورة الإيفاء بحقوقها والقيام بواجباتها، لذا لا يوجد أي حزب سياسي فيها يعاني من عوائق تقف أمام ممارسته العمل السياسي، لكن حينما يتعلق الأمر بدعم حزب ما للإرهاب، والتعاون مع تنظيم إرهابي بشكل علني وصريح، فإن للقضاء التركي كلمته العليا هنا، التي لا تخضع لتوصية من حكومة، ولا تدخُّل من معارضة.

رفع الإدعاء العامّ التركي دعوى قضائية إلى المحكمة الدستورية، من أجل إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي، بسبب دعم الأخير لتنظيم PKK الإرهابي، الذي قام بقتل المئات من المدنيين والجنود الأتراك.

تَقَدّم الادّعاء العامّ بلائحة اتهام ضد الحزب، تتضمن اتهامات بعيدة كل البعد عن الممارسة السياسية، أو الممارسات التي تجري في نطاق القانون والحقوق وإطار الممارسة الديمقراطية.

بل إن لائحة الاتهام تلك، أشارت بوضوح إلى أن أعضاء الحزب يستهدفون وحدة الدولة والشعب، سواء من خلال التصريحات أو الممارسات التي تصدر عنهم، فضلاً عن أن الحزب وأعضاءه على علاقة وثيقة مع تنظيم PKK الإرهابي.

يشير العديد من الأدلة والوثائق إلى الوسائل التي يقوم بها الحزب للتغرير بالشباب كي يلتحقوا بصفوف PKK الإرهابي، ولأجل ذلك يواجه الحزب اعتصاماً صارماً ظل صامداً منذ أكثر من سنة ونصف، أمام مقر الحزب في ديار بكر، تحتشد فيه أكثر من 200 عائلة، تطالب بأولادها الذين اختطفهم الحزب كي يسلمهم قرباناً لـ PKK الإرهابي.

لم يتوقف الحزب عن تهديد وحدة تركيا وشعبها، فتورط أكثر من مرة بدعم PKK الإرهابي والتعاون معه بشكل علني، وعثرت قوات الأمن التركي أكثر من مرة على صور أوجلان داخل مقرات هذا الحزب. فماذا تفعل صورة زعيم إرهابي سفك دماء مئات المدنيين في مقر حزب سياسي معارض؟

علاوة على ذلك قام حزب الشعوب الديمقراطي مرات عديدة، بحضور جنازات إرهابيين رفعوا السلاح في وجه الدولة، بل ولم يتوانَ الحزب عن مناصرة هؤلاء الإرهابيين وتقديم الدعم لهم بكل السبل، لكن في وجه مَن يفعل؟ في وجه الدولة التي أتاحت له فرصة التنظم السياسي!

فإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، فسنستذكر كيف قام صلاح الدين دميرتاش بتحريض الشباب بشكل علني، للنزول إلى الشوارع في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014، كي يحتجّوا على دخول داعش الإرهابي إلى عين العرب كوباني شمال شرق سوريا، إلا أن هذه الاحتجاجات تحولت إلى أعمال عنف وشغب وتخريب مؤسسات الدولة، واعتداء على المدنيين، مما أسفر عن مقتل 37 مواطناً تركيّاً، بسبب تحريض الشعوب الديمقراطي.

الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب، بل إن الشعوب الديمقراطي يتضامن مع تنظيمات PYD/YPG الإرهابية، الذراع السياسية لـPKK في سوريا، التي لا تتوقف عن تهديد أمن تركيا ووحدة أراضيها، ومع ذلك لم يقُم حزب الشعوب الديمقراطي يوماً ما بالتنديد بالهجمات التي شنّها ضد تركيا، بل على العكس كان الحزب يبارك تلك الهجمات ويدعمها بكل ما أتيح له من وسائل.

لكن ما يتم تناوله من معطيات لم يحدث خلال الأسابيع الأخيرة أو خلال فترة وجيزة، بل منذ تأسيس حزب الشعوب الديمقراطي عام 2012 إلى اليوم، مع مزيد من هذه الممارسات اللا قانونية، وذلك على الرغم من جميع التحذيرات والتنبيهات.

صحيح أن الشعوب الديمقراطي حزب سياسي وبرلماني أيضاً، إلا أن ذلك لا يُعتبر صكّاً يعطيه الإذن المطلق للخروج على القانون أو المطالبة بالانفصال أو دعم الإرهابيين الذين يرفعون السلاح بوجه الدولة. وهو ما ألمح إليه نائب رئيس اللجنة الدستورية علي أوزكايا، إذ أكّد بالقول: "لا تملك الأحزاب حقوقاً غير محدودة"، مشيراً إلى أن "الشعوب الديمقراطي لم يألُ جهداً في تعطيل النظام العامّ"، كما أكّد أن القرار الآن بيد القضاء التركي.

رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون يدعو لاحترام قرار القضاء التركي (AA)

ما قام به الشعوب الديمقراطي لا يمكن أن يحدث سواء في تركيا أو أوروبا أو في أي دولة ديمقراطية ذات سيادة. وكان قد تابع الجميع قرار الاتحاد الأوروبي مطلع مارس/آذار الجاري الذي قضى برفع الحصانة البرلمانية عن 3 نواب "انفصاليين" من إقليم كاتالونيا ذاتيّ الحكم، إذ أعلنوا انفصال الإقليم عن إسبانيا عام 2017. هؤلاء النواب لم يرفعوا السلاح، بل أعلنوا الانفصال فقط، ولم يطالبوا بانفصال إحدى مقاطعات إسبانيا، بل بانفصال إقليم ذاتي الحكم في النهاية.

إلا أن حزب الشعوب الديمقراطي يناصر مَن يرفع السلاح بوجه الدولة، فضلاً عن كونه يطالب بالانفصال عن تركيا.

يقف القرار الآن بيد القضاء التركي، وعلى الجميع احترام القضاء التركي المستقلّ، أيّاً كان القرار. وهذا الشيء قد أكّده عديد من المسؤولين الأتراك، على رأسهم رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون، إذ طالب جميع الأطراف "باحترام القضاء التركي المستقلّ، والاعتماد على نظامنا القانوني لتحقيق العدالة، فإذا كانت هذه العلاقة تستدعي إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي أو إخضاعه لإجراء عقابي آخَر، فهذا سؤال يمكن للمحكمة الدستورية وحدها الإجابة عنه".

TRT عربي
الأكثر تداولاً