ما زال برنامج تلفزيون الواقع "لـ دي زاد إن دبي" (الجزائريون في دبي) يثير الجدل في الجزائر رغم مرور عدة أيام من الإعلان عنه، بالنظر إلى التخوفات التي ما زالت تلازمه من أن يكون نسخة من برامج معروفة عالمياً، لا تمُت بأي صلة للعادات والتقاليد الجزائرية.

ومع استمرار الضجة التي أحدثها هذا العمل الذي سيجمع عدداً من الفنانين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، يتساءل المتابعون إن كان الجزائريون مستعدين لتقبل هذا النوع من البرامج، خاصة إن كان بالشكل الموجود في فرنسا، أم أن كل ما وجه من انتقادات لهذا الإنتاج التلفزيوني مجرد حكم مسبق على مادة إعلامية لم يجرِ الاطلاع عليها.

سابقة

يشكل "الجزائريون في دبي" سابقة في البرامج الموجهة إلى الجزائريين، بالنظر إلى أنهم لم يعتادوا هذا النوع من الإنتاجات التلفزيونية الموجهة إليهم، فحتى برنامج المواهب الغنائية "ألحان وشباب" الذي بثه التلفزيون الجزائري الحكومي في السنوات الماضية كان يحرص على مراعاة عادات وتقاليد البلد المسلم المحافظ، ولا يسمح بظهور المشاركين في وضعيات تنافي قيم المجتمع الجزائري.

وحسب ما تسرب للصحافة، فإن برنامج "الجزائريون في دبي" الذي يصور بالمدينة الإماراتية سيشارك فيه عدد من الفنانين الجزائريين الشباب المعروفين محلياً ودولياً، كمغني الراب سولكينغ ونجم أغنية الراي "كادير الجابوني"، والمغنية كامليا ورد التي ستحل ضيفة على البرنامج وتؤدي أغنية شارته، إضافة لشهيناز بلعيد ومهدي بيكا، وغيرهم من الفنانين وعارضي الأزياء الذين يحظون بمتابعات قياسية على مواقع التواصل الاجتماعي.

عدد من الفنانين الجزائريين الشباب المعروفين محلياً ودولياً يشاركون في برنامج DZ in Dubaï (Others)

ويبنى البرنامج على مواجهة المشاركين وهم 12 متسابقاً جزائرياً تحديات في دبي، وهو تجسيد لفكرة الإعلامية أمينة وسام، ومن إخراج صهيب رجيمي المعروف باسم ستيفان رجيمي الذي شارك سابقاً في تصوير إحدى كليبات المغنية الأمريكية الشهيرة "كاردي ب".

وفور الإعلان عن هذا العمل، تبادر إلى ذهن الجزائريين برامج تلفزيون الواقع الفرنسية الجريئة التي لا تمت بأي صلة لعادات الجزائريين كـ "Les Marseillais" ( المرسيليون) نسبة لعاصمة الجنوب الفرنسي مرسيليا، و"Les Anges" (الملائكة)، وهي برامج مبنية على مغامرات الشباب والعلاقات الحميمة التي تنشأ بينهم خلال فترة عيشهم في مكان واحد.

وأوضح الأستاذ الجامعي بكلية الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر سمير بوترعة لـTRT عربي أن إنجاز برنامج تلفزيون الواقع الموجه إلى الجزائريين سببه أن برامج الواقع أصبحت "موضة" في كبريات القنوات التلفزيونية في الآونة الأخيرة، كون الجمهور أصبح يريد معرفة كل شيء عن الشخصيات العالمية والمشاهير.

وأردف يقول "إن نجاح هذه البرامج التلفزية الضخمة في مجتمعات كبرى راجع إلى تركيزها على ظاهرة اجتماعية أو نشاط بشري معيّن، أو تتبع يوميات مجموعة من المشاهير وتصويرهم".

حملة مقاطعة

رغم إعلان المشاركين في البرنامج أنه سيكون مختلفاً عن النسخ الغربية والفرنسية بالتحديد، إلا أن هذا التبرير لم يقنع الجزائريين الذين عبروا عن استهجانهم لهذه الخطوة الإعلامية غير المسبوقة، بالنسبة لهم.

وأطلق نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حملة لمقاطعة برنامج "الجزائريون في دبي"، و تم فتح صفحات وحسابات تدعو إلى مقاطعة هذا البرنامج، ومنه صاحب صفحة " Boycott Les Dz In Dubaï Official" الذي قال إن هذا البرنامج" معيب ويحمل قلة احترام لخلق الجزائريين، وقلة احترام لقيم الجزائريين والمغاربة بشكل كامل"، مضيفاً أن "برامج تلفزيون الواقع مرادفة للسلوك غير الأخلاقي وانعدام الشرف والكرامة والتمييز، لأنها قادمة من برامج فرنسية سيئة السمعة"، ودعا في هذا الإطار إلى حذف كلمة جزائريين من عنوان هذا البرنامج حتى لا تجري الإساءة إليهم.

ومن منطلق تعليقات الرفض لـبرنامج "دي. زاد في دبي"، لا يستبعد الأستاذ بوترعة أن يكون هذا الإنتاج "فاشلاً إن بث تلفزيونياً، بحكم أنه لاقى انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي منذ الإعلان عن الشريط الترويجي الخاص به ".

وقال بوترعة لـTRT عربي لقد "اطلعت على عدد من المنشورات وردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فكانت في مجملها رافضة لمضمون البرنامج وللشخصيات التي ستصوّره، كما أن المتفاعلين أكدوا أن الجزائر ليست شخصيات وترويج وأرقام متابعين".

ولم يستبعد أستاذ الإعلام تواصل "حملات على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاطعة البرنامج وعدم بثه في الجزائر"، مذكراً في الإطار أن الجمهور الجزائري قد رفض سابقاً "تجارب تلفزيون الواقع العربية لخصوصيتها والرسائل المنافية لتقاليد وأعراف المجتمع الجزائري"، واستدل في حديثه بـ"تجربة برنامج ستار أكاديمي الفني الذي رفضه المشاهد الجزائري وجرى إيقاف بثه عبر التلفزيون العمومي بداية الألفية الحالية بسبب المشاهد الفاضحة التي لا تتماشى مع قيم المجتمع".

غير أن الكاتب الصحفي حسان مرابط يوضح لـTRT عربي أن هذا البرنامج قد لا يبث في قناة جزائرية، وبذلك فإن بثه يحتكم لمعاير إنتاجية تخضع لمنطق العقود الموقعة والأموال التي رصدت له، لذلك قد لا تؤثر حملات المقاطعة عليه كثيراً، بما أنه أنتج خارج البلاد، ويخضع لقوانين الدولة التي أنتج بها.

حكم مسبق؟

انتقدت عارضة الأزياء التونسية سارة فريزو التي ستكون ضيفة برنامج "الجزائريون في دبي" الآراء المسبقة الصادرة في حقه قبل عرضه، فقد خاطبت عبر "إنستغرام" المنتقدين قائلة "أنتم لا تعرفون شيئاً عما تم تصويره. لا توجد فتاة بملابس السباحة، ولا أي قصة عن زوجين. كفوا عن التخوف والكلام قبل أن تشاهدوا البرنامج".

وبدورها، أكدت الإعلامية أمينة وسام أن هدف البرنامج يتمثل في جمع مساعدة ستوجه إلى جمعية خيرية بالجزائر.

غير أن الأستاذ الجامعي سمير بوترعة يعتقد أن اعتماد "فكرة العمل التطوعي لصالح جمعيات عبر برنامج "دي زدا في دبي" ما هي إلا واجهة من أجل استمالة الجمهور، لكنها ستلقى الرفض لدى الجزائريين".

وأضاف: "معروف أن برامج تلفزيون الواقع لديها خصوصية في تصوير الجانب الغامض من التجارب، أي أنه يمكن إخضاع أشخاص للمراقبة بالكاميرا على مدار الساعة ولأسابيع طويلة، وهنا تكون مشاهد يرفضها الجمهور الجزائري".

وعن القيم التي يجب احترامها في البرنامج الموجه إلى الجزائريين لإمكانية تقبله، قال بوترعة لـTRT عربي إن "ذلك سيكون أكبر تحدٍّ يواجهه برنامج "دي. زاد في دبي" بخاصة وأن المشاهد الجزائري لا يتقبّل سلوكيات مقلّدة وكذا الانسلاخ عن القيمة المجتمعية".

لكن الكاتب الصحفي حسان مرابط يوضح في حديثه مع TRT عربي أنه يرفض "الحكم على برنامج تلفزيوني من خلال البرومو الدعائي، وقبل بثه أيضاً، فالحكم هنا قاس نوعاً ما وخارج المهنية والاحترافية، سواء بالنسبة لهذا البرنامج أو غيره".

وأردف قائلاً إن "برامج تلفزيون الواقع تتضمن أنواعاً ومضامين مختلفة، لذلك درجة الجاهزية مقترنة بما سيقدمه برنامج تلفزيون الواقع على صعيد المحتوى، فإذا كان المضمون ملائماً ومناسباً فلا إشكال إن شاهدته العائلات الجزائرية وهذا أمر طبيعي وعادي، وسيكون غير متقبل إن خالف ربما الأعراف والتقاليد بتقديم مضامين لا تناسب قيم العائلة الجزائرية المحافظة."

وذكر حسان مرابط أنّ "الجزائر شهدت تقديم برنامج تلفزيون الواقع قبل سنوات قدمته الفنانة الجزائرية سلمى غزالي، خريجة ستار أكاديمي، تحت عنوان "عيش براري" وهو النسخة العربية من أشهر برنامج أمريكي "سورفايفر"، وجرى تصويره بمدينة القالة بولاية الطارف شرق الجزائر، وضم طاقماً من الجزائر وجنسيات عربية."

ورغم الحملة الواسعة الرافضة لـ"الجزائريون في دبي"، إلا أن أستاذ الإعلام بجامعة الجزائر سمير بوترعة لا يستبعد في حديثه مع TRT عربي نجاح البرنامج عبر الوسائط الإلكترونية حتى وإن لم يُبث في الجزائر، لأن هذه الدعائم الافتراضية "أصبحت حبل نجاة لكبريات البرامج، التي حصدت أرقاماً خيالية من المنصات رغم رفضها مجتمعياً"

TRT عربي