القضاء الفرنسي يفتح تحقيقاً حول لافتات شبهت رئيس البلاد إيمانويل ماكرون بالزعيم النازي أدولف هتلر (AA)

أيام عصيبة عاشتها السياسة الخارجية الفرنسية في الأسابيع الأخيرة حيث اتسعت دائرة خلافاتها خارج الخصوم والأعداء التقليديين إلى مجموعة من الحلفاء أيضاً، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما يجري في أروقة صناعة تلك السياسة في باريس.

حليف من الدرجة الثانية

شهد سبتمبر/أيلول الماضي انفجار أزمة بين الحلفاء على ضفتي الأطلسي حيث أعلنت باريس أنها تشعر بـ"طعنة في الظهر" وبـ"معاملة غير لائقة" إثر إطلاق تحالف "أوكوس" بين واشنطن ولندن وكانبيرا.

ومن الأخيرة بدأت أولى ترددات هذه الهزة حيث أعلنت أستراليا إلغاء "صفقة القرن" الفرنسية مع باريس، والتي قدرت قيمتها في البداية بخمسين مليار دولار عام 2016، ثم ما لبثت قيمة التقييم أن صعدت إلى 89 مليار دولار، مقابل شراء أستراليا 12 غواصة فرنسية، ومن كل هذه الأرقام الضخمة ستكون قيمة التعويضات بضعة مئات من ملايين الدولارات تحصل عليها باريس بعد خسارتها لأكبر صفقة عسكرية في تاريخها.

طرح تفاجؤ فرنسا بهذا الإلغاء وبإعلان "أوكوس" وتعاقد كانبيرا على شراء غواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية عوض الفرنسية التقليدية، العديد من التساؤلات حول كفاءة السياسة الخارجية وأجهزة الاستخبارت الفرنسية، ومع ضخامة الخسارة المادية والمعنوية التي وصفها وزير الخارجية الفرنسية لودريان بـ"صفعة على الوجه" انتقلت باريس إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية تضمنت استدعاء سفيريها في واشنطن وكانبيرا للتشاور، وهو ما قابله البيت الأبيض بالتعبير عن "أسفه" للخطوة الفرنسية.

ورغم إعادة السفيرين الفرنسيين إلى واشنطن وكانبيرا لاحقاً ضمن محاولات رأب الصدع، فإن الإجراءات الفرنسية لم تستطع أن تصلح الضرر الذي أصاب ليس قطاع الصناعات العسكرية الفرنسي فقط بل سمعة فرنسا وهيبتها أيضاً، حيث إن أهم ما أبرزته الأزمة الحجم الحقيقي لفرنسا "كبلد صغير لا يمكنه أن يأخذ مكانه على المستوى العالمي دون الاتحاد الأوروبي المضعضع أصلاً"، وفق تعبير أستاذ الفلسفة السياسية خلدون النبواني.

توتر على طرفي المانش

وفي إطار تداعيات تحالف أوكوس خاضت فرنسا أزمة أخرى مع جارتها الأوروبية اللدود بريطانيا الضلع الثالث في التحالف المذكور، حيث وصفت الخارجية الفرنسية دخول لندن في هذا التحالف بأنه يعبر عن "الانتهازية الدائمة لبريطانيا" ، في حين سخر بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني من الغضب الفرنسي مصرحاً بأن "حب بريطانيا لفرنسا لا ينضب".

وصعدت فرنسا احتجاجاتها إثر "صدمة" صفقة الغواصات حيث تم بطلب فرنسي إلغاء اجتماع كان مقرراً أن يجمع كلاً من بن والاس وزير الدفاع البريطاني ونظيرته الفرنسية فلورانس بارلي في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي.

كما أصبح في مهب رياح التوتر بين البلدين برنامج صواريخ قررت لندن وباريس سابقاً إنجازه، وكان يُنظر إليه باعتباره جوهرياً في تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية.

حيث تعمل كل من باريس ولندن في إطار اتفاقيتي لانكاستر هاوس الموقعتين عام 2010 اللتين أرستا التعاون الفرنسي البريطاني في مجال الدفاع، على برنامج هدفه تطوير جيل جديد من الصواريخ المضادة للسفن بحلول 2030 لتحل محل صواريخ "إكزوسيت" التي تجهز البحرية الفرنسية، وصواريخ "هاربون" الأمريكية الصنع التي تجهز البحرية الملكية، وتطوير صواريخ كروز لتحل محل صواريخ "سكالب" و"ستورم" التي طورتها مجموعة "إم بي دي إيه" الأوروبية للبلدين.

ورغم محاولة لملمة الخلاف بين الطرفين، فإنه لا يمثل حالة معزولة بل حلقة جديدة في سلسلة ضمت العديد من المحطات في رئاسة ماكرون والتي عبرت عن التنافس بين البلدين على الريادة الأوروبية، وكان من أبرزها مؤخراً الموقف من البريكست حيث كان الرئيس الفرنسي من أشد المعارضين لتقديم تسهيلات للندن، وما تزال فرنسا حتى الآن تعارض أي تغيير في البروتوكول المتعلق بجزيرة آيرلندا وهو ما يثير حساسية لندن.

كما بلغ التوتر بين البلدين ذروة غير مسبوقة في مايو/أيار الماضي، إثر تحريك لندن سفنها الحربية نحو جزيرة جيرسي البريطانية القريبة من السواحل الفرنسية، لتمنع أكثر من 60 سفينة صيد فرنسية من الاقتراب من الجزيرة أو الصيد في مياهها، بموجب اتفاق البريكست.

التهديد البريطاني بالتدخل العسكري قابلته فرنسا بتحريك سفنها البحرية قرب الجزيرة مهددة بقطع الكهرباء عنها، ليرد دبلوماسيون بريطانيون بأنه حتى عندما احتل الجيش النازي الألماني الجزيرة لم يقطع عنها الكهرباء.

ومع الجزائر أيضاً..

وأدخلت تصريحات للرئيس الفرنسي مؤخراً بلاده في أزمة مع الجزائر، حيث تطرق خلال لقائه عدداً من أحفاد أفراد كانوا فاعلين في الحرب الجزائرية إلى نقاط حساسة أدت إلى سحب الجزائر سفيرها من فرنسا للتشاور.

وقال ماكرون في تصريحات نشرتها اللوموند ولم تنفها الرئاسة الفرنسية: إن "تاريخاً رسمياً للجزائر أعيدت كتابته بالكامل"، واصفاً إياه بأنه "لا يستند على حقائق"، بل "على كراهية فرنسا"، متسائلاً "هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟".

كما تطرق إلى "النظام السياسي العسكري" في الجزائر موضحاً أنه "منهك" نتيجة الحراك الاحتجاجي في عام 2019، في حين رأى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون "عالق في نظام شديد التصلب".

لم تكتف الجزائر بسحب سفيرها في فرنسا، بل اتهمت باريس بالتدخل في شؤونها واصفة التصريحات "بغير المسؤولة"، وأضافت في بيان أن هذه التصريحات تحمل اعتداء غير مقبول على ذاكرة شهداء الجزائر.

ذهبت الجزائر إلى مدى أبعد بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية، ما يعني إعاقة الأخيرة عن الوصول إلى مالي حيث تقوم قواتها بمهام ضمن "مكافحة الإرهاب"، وهو ما سيفرض على باريس اتباع طرق أخرى أكثر كلفة ومشقة، كما أنه يهدد بفقدان حليف محوري أمنياً وعسكرياً ضمن هذه المهام.

وقد عاشت العلاقات الفرنسية الجزائرية في الفترة الأخيرة توترات مستمرة تشابك فيها التاريخي بالراهن، وهو ما ربطه محللون باقتراب الانتخابات الفرنسية وانحياز خطاب الرئيس الفرنسي نحو اعتماد لغة يمينية لسحب البساط من تحت أقدام القوى اليمينية التي يزداد حضورها في الشارع السياسي في بلاده.

وأخيراً مالي

آخر التوترات في العلاقات الخارجية الفرنسية كانت مع مالي، حيث قررت فرنسا سحب قواتها المشاركة في عملية برخان لمكافحة الإرهاب في شمال مالي، ما فُسّر بأنه محاولة من باريس لمعاقبة قادة الانقلاب العسكري في مالي.

وممّا زاد الأمور تعقيداً رغبة قادة باماكو في التعاقد مع شركة فاغنر الروسية، وهو ما يهدد بالتأثير على التوازنات الجيوستراتيجية في المنطقة وإضعاف النفوذ الفرنسي الذي يواجه تحديات من أكثر من طرف.

وفي هذا الإطار اتهم رئيس وزراء مالي شويغويل مايغا أواخر سبتمبر/أيلول الماضي فرنسا بالتخلي عن بلاده "في نصف الطريق" في خضم محاربة الإرهاب، وهو ما اعتبرته فرنسا إهانة دفعت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية إلى الرد بغضب واصفة التصريحات بأنها تحمل "كثيراً من النفاق وكثيراً من سوء النية والفحش".

ولم تنته الأزمة عند هذا الحد إذ هاجم ماكرون مايغا بشدة على تصريحاته كما أكد دعوته إلى "عودة الدولة" بمالي في إشارة إلى المجلس العسكري في البلاد، وهو ما ردت عليه الأخيرة باستدعاء السفير الفرنسي وإبلاغه الاحتجاج ورفض بيان الخارجية المالية "التصريحات غير الودية والمهينة" التي أطلقها ماكرون.

كما أعلن رئيس الوزراء المالي ترحيب بلاده بالتعاون مع أنقرة، في مجال الصناعات العسكرية، وهو ما التقطته تركيا التي ردت على اتفاق الشراكة الاستراتيجية الفرنسي اليوناني الموقع منذ أسبوعين، واعتبرته محاولة لعزلها في شرق المتوسط، كما جدد البرلمان التركي تفويضه بمشاركة قوات بلاده في مهام خارجية في مالي لمكافحة الإرهاب.

ليس كل ما ذكر إلا الجزء الأكبر من أزمات خارجية متتابعة خاضتها باريس مؤخراً، وتمثل وفق كثيرين محاولة من الرئيس الفرنسي لمواجهة تحديات كبيرة تواجهه في الداخل مرتبطة بالبطالة والاقتصاد وفشله في تحقيق وعوده الانتخابية، ولذا فهو يتبع سياسة تصدير الأزمات والهروب إلى الأمام من خلال إثارة ملفات متعددة تدغدغ مشاعر الناخبين الفرنسيين مع اقتراب الانتخابات المزمع عقدها في أبريل/نيسان 2022.

TRT عربي