تدخل أزمة التحوير الوزاري الأخير في تونس أسبوعها الرابع دون التوصل إلى حل ينهي حالة العطالة الطارئة على 11 وزارة منح البرلمان وزراءها الثقة يوم 26 يناير/كانون الثاني المنقضي.

تفاقمت الأزمة بعد ردّ الرئيس التونسي قيس سعيّد على مراسلة لرئيس الحكومة هشام المشيشي استفسر فيها عن موعد أداء اليمين للوزراء الجدد، اتهم فيها رئيس الحكومة والبرلمان بمخالفة الدستور، كما اتهم عدداً من الوزراء لم يسمّهما بالفساد.

ولا يزال الجدل مفتوحاً بين النخب السياسية وعموم المواطنين، حول الخلاف المستجد بين رأسَي السلطة التنفيذية، إذ يعتبره البعض خلافاً دستورياً بسبب عدد من الثغرات في نص دستور عام 2014، ويراه غيرهم مرحلة متقدّمة من خلاف سياسي حادّ بين الرئيس التونسي من جهة ورئيس الحكومة من جهة أخرى بمساندة عدد من الأحزاب البرلمانية.

ثغرة في الدستور

شهدت تونس خلال السنوات العشر التي تلت ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، تعاقُب 10 حكومات على تسيير شؤون البلاد، 4 منهم قبل سَنّ دستور عام 2014.

وينصّ الفصل 89 من الدستور على أنه في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، يكلّف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، تكوين الحكومة خلال شهر يجدَّد مرة واحدة. وفي صورة التساوي في عدد المقاعد يعتمد للتكليف عدد الأصوات المتحصَّل عليها.

وفصّل النصّ الدستوري في حالات تعثُّر تشكيل الحكومة في المدة المحددة، وحالات سحب الثقة والاستقالة، وسكت النصّ على ذكر مسألة التحوير الوزاري.

وهو ما كان مدخلاً لرئيس الجمهورية قيس سعيّد للشروع في الطعن في هذا التحوير، إذ أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس قيس سعيّد أكّد خلال إشرافه يوم الاثنين 25 يناير 2021 على اجتماع مجلس الأمن القومي، أن “التحوير الحكومي لم يحترم الإجراءات التي نصّ عليها الدستور، تحديداً ما نصّ عليه الفصل 92 حول ضرورة التداول في مجلس الوزراء إذا تعلق الأمر بإدخال تعديل على هيكلة الحكومة إلى جانب إخلالات إجرائية أخرى".

ونقلت رئاسة الجمهورية في بلاغ صادر عنها نشرته بصفحتها على موقع فايسبوك عن سعيّد، إشارته إلى أنّ "بعض المقترَحين في التحوير الوزاري تتعلق بهم قضايا أو لهم ملفات تضارب مصالح"، وتشديده على أنه لا يمكن لمن تعلقت به قضية أداء اليمين.

ويرى سعيّد أن منح الوزراء الجدد الثقة في التعديل الحكومي، استجاب للقانون الداخلي المنظم لعمل مجلس نواب الشعب الذي اعتبره رئيس الجمهورية ليس قانوناً من قوانين الدولة.

وذكر سعيد في نصّ مراسلة وجهها إلى رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي يوم 29 يناير/كانون الثاني 2021، أن النظام الداخلي نصّ لتنظيم عمل المجلس ولم يرد فيه كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر القوانين ما هو معلوم ومألوف منذ عقود أن هذا النصّ يطبَّق كقانون من قوانين الدولة.

أزمة النظام السياسي

ويرى النائب حاتم المليكي في حديث لـTRT عربي، أن الأزمة الحالية هي أزمة متكررة عاشتها البلاد في السنوات الماضية، والسبب في هذه الأزمة هو النظام السياسي الذي أُقِرَّ في دستور عام 2014، فالنظام السياسي التونسي لا يمكن تفعيله وتطبيقه، لأن الشخص الذي يمتلك أكبر قدر من الشرعية هو رئيس الجمهورية، في حين أن الشخص الذي لا يملك أي شرعية انتخابية يمتلك الصلاحيات الكبرى في النظام السياسي، وهو رئيس الحكومة.

وأضاف المليكي: "اليوم حكومة هشام المشيشي وأياً كان التقييم لها لم تعُد يتوافر لها الظروف الطبيعية للعمل والنجاح، ويمكن أن تستقيل وتواصل العمل كحكومة تصريف أعمال إلى حين إجراء حوار وطني ينهي هذه الأزمة".

وأكّد المليكي أن جانباً كبيراً من الخلاف بين رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس الجمهورية قيس سعيّد يتعلّق بتنكُّر رئيس الحكومة لوعوده التي قطعها رئيس الجمهورية حين تكليفه تشكيل الحكومة، إلا أن المشكل هيكلي يتعلّق بالنظام السياسي، وكذلك بعلاقة التفاهمات السياسية يجب أن لا تكون بمعنى التسوية السياسية، بما يسمح للأطراف السياسية بأن تجد أرضية للاتفاق في علاقة بتقاسم السلطة ومنافع التعيينات وتوزيع المناصب، بخاصة أن البلاد تحتاج إلى عملية إصلاحات.

أزمة منذ التشكيل

يبدو للوهلة الأولى أن الخلاف بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي، الذي وصل إلى هذه الدرجة، يأتي بسبب صراع متوارَث لعقود بين طرفين حزبيين مختلفين فكرياً وآيديولوجياً، إلا أن الحقيقة أن المشيشي دخل هرم السلطة عبر أروقة قصر قرطاج من مستشار قانوني لم يقابله الرئيس سوى مرات قليلة قبل أن يقترحه سلفه نادية عكاشة، المديرة الحالية لديوان رئيس الجمهورية، لينتقل إلى تقلُّد وزارة الداخلية في حكومة إلياس الفخفاخ.

وبعد استقالة هذه الحكومة ورغم تقديم الأحزاب عدداً من الأسماء، فإن قيس سعيّد اختار المشيشي من خارج كل المقترحات المقدمة، واضعاً البرلمان بين خيارَي التصديق على حكومته، والحلّ.

إلا أن قيس سعيّد سرعان ما سحب دعمه للمشيشي، بل ويذكر بعض الأطراف المقرَّبة من الرئيس سعيَهُ لإفشاله قُبيل منحه الثقة في البرلمان، وذلك إثر رفض المشيشي تعهده الأول الذي كان شرط تكليفه، أي الانضباط الكلي للرئيس وخياراته، وقبول القصر اختيار معظم أعضاء الحكومة.

ويذهب عدد من المتابعين إلى أن المشيشي اتجه عكس الاتجاه الذي يتبناه الرئيس في رفضه للمشهد السياسي الحالي بأحزابه، إذ لا يزال يواصل التبشير بنظام سياسي مختلف يقطع مع المشهد الحالي.

وما فاقم هذا الرفض هو دعم حزب قلب تونس الذي يترأسه نبيل القروي، الذي يقبع في السجن حالياً، بتهم فساد، وسبق أن نافس سعيّد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية نهاية عام 2019.

في المقابل يرى النائب الحبيب بن سيدهم أن الأزمة الحالية هي أزمة سياسية بامتياز، سببها مراهقة سياسية خاصّة من رأسَي السلطة التنفيذية في تونس، لأن غياب المحكمة الدستورية غذّى هذه الأزمة، وبغيابها استأثر الرئيس قيس سعيّد بالأحقية في تأويل نصّ الدستور وفق رغباته.

وأضاف بن سيدهم أن رئيس الجمهورية رفض قبول الوزراء الجدد بحجّة وجود وزراء فاسدين، إلاّ أنه لم يخرج إلى العلن إلى اليوم من أجل الكشف عن أسمائهم، لكن الحقيقة أن الخلاف سببه أن هشام المشيشي استقلّ بنفسه وأن حكومته لم تبقَ حكومة للرئيس بل أصبحت حكومة قائمة بذاتها وفق ما ينصّ عليه دستور البلاد، فالأزمة إذاً أزمة سياسية بامتياز، وما الخلاف الدستوري إلا حجة لتبرير تعطيل الرئيس لعمل الحكومة.

TRT عربي