في تحول لافت بدأت بكين تقديم مساعدات طبية وإنسانية إلى مؤسسات حكومية وخاصة لمكافحة فيروس كوفيد-19، ومن اليابان إلى البيرو ومن بلجيكا إلى جنوب إفريقيا تعيد الصين كتابة سردية الكورونا.

الجائحة التي بدأت في ووهان الصينية وأصابت ما يزيد على 400 ألف وقتلت قرابة 19 ألفاً في جميع أنحاء العالم، كانت انتكاسة موجعة للقيادة الصينية، ومثار سخط في الداخل وأسئلة في الخارج حول فاعلية الدولة الشيوعية وإدارتها الفاشلة القائمة على السرية والتعتيم، في بداية الأزمة قبل انتقالها إلى طور العالمية.

وتضررت صورة الصين في الخارج مع ما أثاره الوباء من موجة من كراهية الأجانب والعنصرية المعادية للصين في اليابان وفيتنام وأستراليا ودول في أوروبا، كما شككت التغطيات الإخبارية في جميع أنحاء العالم في معايير الصحة العامة في الصين.

وبعد أن أعلنت بكين قدرتها على كبح تزايد أعداد المصابين في ووهان نفسها، يعمل المسؤولون الصينيون على تصوير البلاد كرائدة العالم في مكافحة فيروس الكورونا، حتى إن دائرة الدعاية المركزية للحزب تعدّ كتاباً بعدة لغات يشيد بدور الرئيس الصيني في توجيه البلاد خلال الأزمة.

وبموازاة هذا انتقلت بكين خطوة أخرى إلى الخارج، وبينما أعلنت أنها ستقدم مليونَي قناع جراحي و200 ألف قناع متقدم و50 ألف مجموعة اختبار لأوروبا، عرض الملياردير الصيني جاك ما التبرع بـ500 ألف اختبار ومليون قناع للولايات المتحدة، وقالت مؤسسة السيد ما في بيان بأنها ستتبرع لعشرات البلدان، بما في ذلك جميع الدول الـ54 في إفريقيا.

مكاسب "دبلوماسية الأقنعة" هذه بدأت تظهر بشكل أكبر في حملات الدعم الصينية الموجهة نحو أوروبا وبعد حملة التوبيخ العالمية بدأت الصين تحوز على إشادات من أعلى المستويات في العالم.

وفي مقال مشترك لـشينغ لي مدير "مركز جين ثورنتون الصين" التابع لمعهد بروكينغز ومساعده ريان ماك إيلفين، لاحظ الكاتبان أن ظهور كورونا وما رافقه من حملات تعاطف يابانية مع الشعب الصيني ردت عليها الصين لاحقاً، مثّل تطوراً إيجابياً في الدبلوماسية الشعبية صدم العديد من المراقبين لأنه، على مدى أجيال، كانت العلاقات الصينية-اليابانية تعاني بسبب جذور انعدام الثقة المتبادل، والتوترات غير المحسومة حول القضايا الإقليمية، والمظالم التاريخية القديمة.

إيطاليا.. مساعدات ومكاسب استراتيجية

في مقالة افتتاحية بموقع بوليتيكو، اشتكى ماوريتسيو ساري الممثل الدائم لإيطاليا لدى الاتحاد الأوروبي من ضعف التجاوب الأوروبي مع بلاده قائلاً: "طلبت إيطاليا بالفعل تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي للحماية المدنية لتوريد المعدات الطبية لحماية الأفراد. ولكن للأسف لم تستجب أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي لدعوة المفوضية"، مضيفاً بعدها: "ردت الصين فقط على الصعيد الثنائي. بالتأكيد، هذه ليست علامة جيدة على التضامن الأوروبي".

مكاسب "دبلوماسية الأقنعة" هذه بدأت تظهر بشكل أكبر في حملات الدعم الصينية الموجهة نحو أوروبا، وبعد حملة التوبيخ العالمية بدأت الصين تحوز على إشادات من أعلى المستويات في العالم، ووصف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدحنوم غيبريسوس في تغريدة على تويتر، التعاون الصيني الإيطالي بأنه "مثال للتضامن الحميم"، ليرد عليه تشانغ جون سفير الصين لدى الأمم المتحدة قائلاً: "الصديق عند الحاجة هو الصديق حقاً".

وهكذا بدأت الصين بتلميع صورتها في الخارج، ولا سيما أن المواقف الأمريكية في هذه الأزمة حازت على سخط أوروبي وعالمي، بدءاً بمحاولة ترمب احتكار العلاج للشعب الأمريكي وانتهاء بقراره حظر السفر إلى أوروبا الحليف المفترض، الذي رفضهرئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في بيان رسمي، واصفاً إياه "بالأحادي الذي جاء من دون تنسيق".

ولم تكن إيطاليا المشتكي الوحيد من الاتحاد الأوروبي، إذ أعلن ألكسندر فوزيتش رئيس صربيا المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أن "التضامن الأوروبي غير موجود. كانت تلك حكاية خرافية"، واصفاً الرئيس الصيني "بالشقيق" ومؤكداً أن الصينيين "هم الوحيدون الذين يمكنهم مساعدتنا".

وهو فوز كبير لآلة الدعاية الصينية ونجاح لسياستها في دعم الرئيس الصربي غير الراغب في دخول النادي الأوروبي لأن ذلك، وفق مراقبين، سيهدد قبضته الحديدية على السلطة في البلاد، وهو أمر ترحب به الصين التي تعمل الآن على الترويج لنظامها السياسي الشمولي، الذي تلقّى قدراً كبيراً من النقد، من خلال تأكيد قدرته الفائقة على ضبط عشرات الملايين وعزل مناطق كاملة على عكس الأنظمة الديمقراطية التي تقف مرتبكة في محاولتها فرض حظر التجول على مواطنيها.

التبرع بالإمدادات الطبية يظهر أن الصين قوة عالمية مسؤولة وسخية كما أنها تروج لنجاحها في احتواء تفشي الفيروس التاجي للإشارة إلى أن نظام الحزب الواحد متفوق على الديمقراطيات المتعثرة في الغرب.

مينكسين بي، أستاذ الحوكمة في كليرمونت ماكينا بكاليفورنيا

وهذا ما أشار إليه مينكسين بي أستاذ الحوكمة في كليرمونت ماكينا بكاليفورنيا، موضحاً أن "التبرع بالإمدادات الطبية يظهر أن الصين قوة عالمية مسؤولة وسخية. كما أنها تروج لنجاحها في احتواء تفشي الفيروس التاجي للإشارة إلى أن نظام الحزب الواحد متفوق على الديمقراطيات المتعثرة في الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة".

دبلوماسية الأقنعة وسياسة الصديق عند الحاجة كما وصفها المسؤول الصيني تمنح الصين وفق مراقبين، فرصة لفتح جسور شراكات لاحقة مع الدول الأوروبية التي تخلت عنها بروكسل في محنتها، وهذا ما ستترجمه مستقبلاً إلى مكاسب جيوستراتيجية في دول ستكون أكثر انفتاحاً على الصين ومشاريعها، ولا سيما "مبادرة الحزام والطريق" التي تحاول بكين من خلالها السيطرة على شبكات الشحن العالمية، ونجحت في آسيا وإفريقيا، ولكنها واجهت صعوبات جمة في اختراق أوروبا.

وطريق الحرير الطبي، كما وصفه الرئيس الصيني في مكالمة مع رئيس الوزراء الإيطالي، سيزود دولاً أوروبية عديدة كفرنسا وبلجيكا والتشيك وإسبانيا واليونان بملايين الأقنعة الطبية، و50 ألف جهاز فحص طبي، وسيشارك خبراء صينيون خبراتهم مع نظرائهم الأوروبيين. وهو ما شكرته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير في تغريدة، قائلة: "اليوم نشعر بالامتنان لدعم الصين".

إفريقيا وترسيخ النفوذ

لم تقتصر حملة المساعدات الطبية الصينية على أوروبا بل امتدت إلى آسيا وإفريقيا، فيوم الأحد الماضي وصلت الدفعة الأولى من المعدات الوقائية والطبية التي تبرع بها الملياردير الصيني والشريك المؤسس لشركة علي بابا جاك ما إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لتوزيعها على الدول الإفريقية لاحقاً، إذ سجلت إفريقيا نحو 1436 حالة إصابة بكوفيد-19 في 43 دولة من أصل 54 دولة في إفريقيا. وأبلغت 10 دول في القارة عن وفيات بالمرض ليبلغ الإجمالي 46.

ويرى المحلل النيجيري المختص في الدبلوماسية الأمنية أوفيغوي يغويغو أن الصين تجد في هذه المرحلة فرصة لقيادة عالمية لمكافحة المرض، قائلاً: "كانت الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة لفترة طويلة، أكبر الجهات المانحة للصحة العامة العالمية. والصين لكونها قوة منافسة ترى غياب القيادة من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي في خضم الأزمة العالمية، وقتاً ملائماً لتعزيز مكانتها كقائد عالمي".

بالنسبة إلى إفريقيا يعد الحصول على الإمدادات الطبية الأساسية أمراً بالغ الأهمية لمنع انتشار فيروس COVID-19 والسيطرة عليه.

أوفيغوي يغويغو، محلل نيجيري مختص في الديبلوماسية الأمنية

وعن المنافع المتبادلة للطرفين في هذه الصفقة يرى يغويغو الكاتب في العلاقات الصينية-الإفريقية أنه "بالنسبة إلى إفريقيا يعد الحصول على الإمدادات الطبية الأساسية أمراً بالغ الأهمية لمنع انتشار فيروس COVID-19 والسيطرة عليه"، مضيفاً أن هذه المساعدة "تسمح باختبار أكثر قوة، والأقنعة وغيرها من العناصر تعني أيضاً أن العاملين الصحيين في الخطوط الأمامية يتمتعون بحماية أفضل أثناء قيامهم بوظائفهم".

وتعد الصين أحد أكبر المستثمرين في القارة السوداء، وتقدر مبادرة الأبحاث الصينية-الإفريقية في جامعة "جونز هوبكنز" أن العملاق الآسيوي قدم 143 مليار دولار من القروض لإفريقيا بين عامَي 2000 و2017، منها 80% على أقل تقدير من مؤسسات الدولة الصينية.

وفي منتدى التعاون الصيني-الإفريقي الذي عقد في بكين في سبتمبر/أيلول 2018، وضع الرئيس الصيني شي جين بينغ هدفاً للاستثمار وقرضاً بقيمة 60 مليار دولار إضافي لإفريقيا، في حين تشير تقديرات إلى أن 20% من الديون الخارجية للحكومات الإفريقية مصدرها الصين.

وعلى الرغم من هذا "فالصورة العامة للصين في إفريقيا مختلطة قليلاً" وفقاً ليغويغو، وبالتالي فهذه القدرة على تقديم المساعدة لإفريقيا في مثل هذه اللحظة الحاسمة يعني تحسين موقف بكين في أعين الأفارقة وقادتهم.

مستطرداً أنه "قد لا تأتي المساعدة الصينية بشروط سياسية ملحقة اليوم، ولكن من المحتمل أن يُشار إلى هذه المساعدة في المستقبل، إذ تعمل الصين والكيانات الصينية على تعزيز موقعها في إفريقيا"، خاتماً إفادته بأنه "لا يوجد غذاء مجاني في العلاقات الدولية".

المصدر: TRT عربي