تطوّرت الأزمة بين الرباط ومدريد إلى حين عبور ما يصل إلى 10 آلاف مهاجر إلى مدينة سبتة التي تُديرها إسبانيا (Bernat Armangue/AP)

الأزمة بين المغرب وإسبانيا وإن بدت في جوهرها أنها تدور حول إقليم الصحراء، إلّا أنها أخذت أبعاداً أخرى خلال الأسبوعين الماضيين، عنوانها مِلفّا الهجرة والحدود. فحينما وصل زعيم جبهة "بوليساريو"، إبراهيم غالي، إلى إسبانيا لتلقي العلاج، بطريقة "احتيالية" وبـ"جواز سفر مزوّر" حسب الرواية المغربية، ثارت الرباط في وجه مدريد، وضغطت بكل ما أوتيت من أوراق.

في الأيام التي تلتها، انخرط المغرب وإسبانيا في سجال دبلوماسي بشأن الصحراء، وكال كلّ طرف اتهامات للآخر، فيما تطوّرت الأحداث إلى حين عبور ما يصل إلى 10 آلاف مهاجر إلى مدينة سبتة التي تُديرها إسبانيا، تحت أنظار السلطات المغربية التي لم تتدخل لمنعهم، بحسب الرواية الإسبانية.

منذ ذلك الحين، باتت قضية الهجرة وأمن الحدود حاضرتين كأبرز ملفات الأزمة، على الصعيد الإعلامي على الأقل، وخرج سياسيون إسبان منتقدين المغرب وإدارته للحدود، ومهاجمين مغاربة سبتة ومليلية (تقعان فوق الأراضي المغربية وتخضعان للإدارة الإسبانية)، فهل يفسّر مِلفّا الحدود والهجرة -حقّاً- تصعيد المغرب-إسبانيا؟ أم تظلّ قضية الصحراء الملف الأساسي الذي، إن سُويّ، طويت معه باقي الملفات؟

كيف بدأت الأزمة بين الجارين؟

يستمع القضاء الإسباني، الثلاثاء، إلى زعيم جبهة "بوليساريو"، إبراهيم غالي، الذي رُفعت شكاوى في حقه بتهمتي "التعذيب" وارتكاب "مجازر إبادة". جلسة التحقيق هذه تعدّ محط اهتمام كبير في مدريد والرباط على حدٍ سواء، باعتبار أنّ اسم غالي كان الشرارة التي أطلقت أزمة بين الرباط ومدريد.

ففي منتصف أبريل/نيسان الماضي، استقبلت إسبانيا غالي، بشكل بدأ سرياً قبل أن تكشفه مجلة جون أفريك الناطقة بالفرنسية، وهو ما أكدت "بوليساريو" لاحقاً صحته، ما اضطرّ الحكومة الإسبانية إلى إعلانه، مُشيرة إلى "دوافع محض إنسانية" وراء استقبال غالي، رافضة إعطاء أي تفاصيل حول وضعه الصحي.

إبراهيم غالي دخل إسبانيا سراً بجواز سفر دبلوماسي وهوية مختلفة (AFP)

لاحقاً نقلت صحيفة إل باييس الإسبانية، عن مصادر دبلوماسية، قولها إنّ غالي السبعيني وصل إلى إسبانيا في 18 أبريل/نيسان على متن طائرة طبية تابعة للرئاسة الجزائرية، حاملاً "جواز سفر دبلوماسي"، قبل دخوله إلى مستشفى "لوغرونيو" تحت اسم مستعار "لأسباب أمنية".

وأوضحت المصادر للصحيفة الإسبانية أنّ غالي كان يواجه "خطر الموت" لدى وصوله، ولفتت إلى أن قرار استقباله اتُّخذ "على أعلى المستويات"، كخدمة للجزائر أبرز موردي الغاز إلى إسبانيا، ما أثار غضب الرباط التي طالبت بـ"تحقيق شفاف" حول ظروف وصول غالي.

في هذا الصدد، قال المدير العام للشؤون السياسية في وزارة الخارجية المغربية فؤاد يزوغ، خلال مؤتمر صحفي في الرباط، إنّ دخول زعيم جبهة بوليساريو إلى إسبانيا جرى "بشكل احتيالي وبوثائق مزورة وهوّية منتحلة"، وأضاف أنه "يتعين إجراء تحقيق، نأمل أن يكون شفافاً لتسليط الضوء على كافة ملابسات هذه القضية".

من جهتها، أكدت الخارجية المغربية أنّ استضافة إسبانيا لغالي "فعل جسيم مخالف لروح الشراكة وحسن الجوار"، مشددة على أنّ المملكة "ستستخلص منه كل التّبعات".

من هذه التّبعات ربّما، كان رفع السلطات المغربية يدها عن مراقبة ومنع تدفقّ المهاجرين نحو إسبانيا، إذ تستمر منذ أسابيع محاولات عدد من المهاجرين المغاربة والأجانب العبور إلى مدينة سبتة لينضمّوا إلى حوالي 6 آلاف اجتازوا الحدود في يوم واحد، في ظاهرة غير مسبوقة.

خلال الأزمة وقبلها: "دركي أوروبا" بات من الماضي

عام 2018، خصّص الاتحاد الأوروبي حزمة مالية قُدّرت بمبلغ 140 مليون يورو للتعامل مع أزمة الهجرة انطلاقاً من المغرب، فيما خصصت إسبانيا أيضاً دعماً إضافياً لجارها الجنوبي كي يستمر في لعب دور "دركي أوروبا"، وهو أمرٌ بات ثقيلاً ومرفوضاً، بصيغته القديمة على الأقل، في الرباط.

على الرغم من ذلك، مكّنت جهود السلطات المغربية من خفض أعداد المهاجرين في العام الموالي، إذ لم يصل منهم سوى نحو 28 ألفاً (مغاربة وأجانب) سنة 2019 إلى إسبانيا عبر البحر، ما يُمثّل انخفاضاً بنسبة 50٪ مقارنة بعام 2018، حسب وزارة الداخلية الإسبانية.

غير أنّ هذا الرقم سيتغيّر خلال عام 2020، إذ تمكّن نحو 23 ألف مهاجر قادم من إفريقيا جنوب الصحراء من الوصول إلى جزر الكناري (مع استثناء المغاربة وباقي الجنسيات، واستثناء النقاط الحدودية الأخرى)، أي ثمانية أضعاف العدد الذي سُجّل عام 2019. وخلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، بلغ عدد المهاجرين 4111 شخصاً في زيادة نسبتها 134٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الفائت، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

خلال الأزمة الحالية تعمّق هذا الأمر، فيما اتهمت السلطات الإسبانية المغرب بالسماح للمهاجرين بالعبور تحت أعين الأمن، كما اتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز، السلطات المغربية بسلوك اعتبره "هجوماً على الحدود الوطنية وغير مقبول".

بدورها، كانت إيلفا جوهانسون، المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية، قد دخلت على خط الأزمة قائلة: "الأهم الآن هو أن يواصل المغرب التزام منع العبور غير القانوني (للمهاجرين)، وأن يُعاد الأشخاص الذين لا يحقّ لهم البقاء، بشكل منظّم وفعال. الحدود الإسبانية هي حدود أوروبا"، في محاولة لتذكير الرباط بدور "الدركي".

في هذا الصدد، قال عبد الرحمن مكاوي، أستاذ العلاقات الدولية في "جامعة ديجون"، في تصريح لـموقع هسبريس، إن المغرب لا يمكنه الاستمرار في لعب دور "دركي الهجرة لأوروبا"، وإنّ على إسبانيا حماية حدودها.

ويضيف مكاوي أنّ إسبانيا تمتلك "إمكانيات عسكرية وأمنية ضخمة تمكّنها من حماية الثغرين (سبتة ومليلية)"، وتابع: "إذا لم تستطع إسبانيا حماية المدينتين المحتلتين فعليها تركها لمالكها الأصلي، وهو المملكة المغربية".

في المقابل، يرى العديد من المحللين الإسبان أن التعاون بين الرباط ومدريد في مجالات حيوية عدة بالنسبة إلى إسبانيا، مثل مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والهجرة غير القانونية، يمكن أن يتأثر بهذا الخلاف.

في هذا الصدد، يقول إيساياس بارينيادا، أستاذ العلاقات الدولية في "جامعة كومبلوتنسي" إنه في كل مرة يقع خلاف حول إقليم الصحراء "يزداد فوراً عدد المهاجرين الوافدين"، فالمغرب يعلم أنه لا غنى عنه لاحتواء تدفق المهاجرين، حسب تعبيره.

من جهته، يُعلّق إدوار سولير الخبير في شمال إفريقيا في "مركز العلاقات الدولية" في برشلونة، بالقول: "نلاحظ أنه حين تتدهور العلاقات (الثنائية) يتراجع تعاون المغرب خصوصاً على صعيد الهجرة".

هذا التحليل الإسباني، ربّما قد لا يوضّح الصورة الكاملة، فالمغرب بات رافضاً للعب أي دور يكون فيه "دركي أوروبا"، وهو ما كان واضحاً حتى قبل الأزمة الأخيرة، ويوضّحه تصريح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة الذي أكّد، مرة أخرى، أنّ المغرب يرفض أن يكون "دركي" الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالهجرة.

وقال بوريطة، في حوار مع وكالة الأنباء الإسبانية (إفي)، مطلع الشهر الماضي، إن "هذه القضية تحتاج إلى معالجة شمولية، وليس مالية فقط: "يجب أن نكون شركاء في الرؤية وفي صياغة الاستراتيجيات، وليس فقط في تنفيذها مقابل مبلغ من المال".

أُسُّ الملفّات.. "دوافع خفيّة مُعادية لقضية الصحراء"

حينما أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي، اعتراف بلاده بسيادة المغرب على إقليم الصحراء وفتح قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة، اعتبر المغرب هذا الاعتراف تتويجاً لحراكٍ دبلوماسي قوي بشأن ما يعتبره "قضيّته الوطنية الأولى".

هذا الاعتراف الأمريكي سيكون بمثابة ورقة قوة وضغط في يد الرباط، التي بدأ يعلو صوتها خصوصاً فيما يتعلّق بموقف من يعدّون "حلفاءها" أو "شركاءها" أو تربطها بهم علاقات جوار ودبلوماسية وتعاون اقتصادي وأمني.

من هذا المنطلق، بات المغرب يطلب من جارته إسبانيا، تحديداً واضحاً لموقفها بشأن إقليم الصحراء والسيادة المغربية. ففي حين تعتبر الرباط مدريد شريكاً إلّا أنها تتهمها بلعب دور مُعطّل في الإقليم، وهو ما عبّرت عنه الخارجية المغربية، الاثنين، بالقول: "جوهر المشكل هو مسألة ثقة قُوّضت بين شريكين. جوهر الأزمة هو مسألة دوافع خفية لإسبانيا معادية لقضية الصحراء".

غير أن إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، بذلت كل ما في وسعها لتبدو في موقف "محايد"، متجنبة خصوصاً دعم قرار الاعتراف الأمريكي، باتت اليوم ترزح تحت ضغط مغربي، إذ إن حلّ الملفات الأخرى وخصوصاً ملف الهجرة وأمن الحدود، بات مربوطاً ،في الرباط، بموضوع الموقف الإسباني من الصحراء.

في هذا الصدد، يوضح إينياسيو سيمبريرو، الصحفي الإسباني المختص في ملف الصحراء، أن "إسبانيا تدعم المغرب بمقدار كبير من الحذر"، و"ما يزعج السلطات المغربية" هو أنها لا تقوم بذلك علناً، لافتاً إلى أن وصول غالي إلى إسبانيا فاقم أزمة بين البلدين كانت أشبه بجمر تحت الرماد.

وبحسب رأيه، يشير سيمبريرو إلى أنّ غاية الرباط هي استخدام هذه القضية لإجبار إسبانيا على تغيير موقفها في شكل يحاكي المصالح المغربية.

من جهته، يُبدي برنابيه لوبيز، أستاذ التاريخ العربي المعاصر في "جامعة مدريد المستقلة" الرأي نفسه، واصفاً وجود الزعيم الانفصالي على الأراضي الإسبانية بأنه "هدية مثالية إلى المغرب"، وذريعة مثالية "لتبرير ممارسة مزيد من الضغط" على مدريد.

في المقابل، لا يبدو أن الضغط المغربي سيتوقّف قريباً، سواء حُلّ ملف الهجرة، أو ملف إبراهيم غالي مرحلياً، وهو ما يُظهره بيان الخارجية المغربية، الاثنين، الذي قال إنّ "الأزمة مع إسبانيا تطرح مسألة الاتساق في المواقف.. جوهر الأزمة هو مسألة دوافع خفية لإسبانيا معادية لقضية الصحراء"، مضيفاً أنّ مثول غالي أمام المحكمة العليا الإسبانية "يشكل بالتأكيد تطوراً يأخذ المغرب علماً به، لكنه لا يشكل جوهر الأزمة الخطيرة بين البلدين الجارين".

TRT عربي