لا يزال تجار الأسلحة الخفيفة في أوروبا هاجساً يهدد الأمن والسلام الأوروبي والإقليمي، خاصة مع تمدد نشاطهم خلال السنوات الأخيرة، ولعبهم دوراً كبيراً في تغذية الصراعات والنزاعات في عدة دول حول العالم.

على غرار مناقشة التحديات الأمنية الكبرى والتهديدات العسكرية التي تشكلها عدة قوى إقليمية لبلدان أوروبا، يناقش قادة الاتحاد خلال الآونة الأخيرة تهديداً لا يقلّ خطورة عن ذلك، وهو انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تملك عنها معلومات أقل بالمقارنة مع الأسلحة النووية. وتتمثل أساساً في البنادق الهجومية والمسدسات والرشاشات الثقيلة والمتفجرات.

وتشير التقارير إلى أنّ تجارة هذه الأسلحة بطريقة غير مشروعة وحيازتها بطرق غير قانونية، قد نمت بشكل مروّع خلال السنوات الماضية، ولعبت دوراً كبيراً في ساحات المعارك والصراعات لدول أوروبا وبلدان أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

ولا يزال هذا الانتشار المخيف الذي لم تظهر أية إرادة سياسية حقيقية لإيقافه، يُلقي بتداعياته، إلى اليوم، على دول المنطقة، ولا تزال الحقائق في ذلك تنكشف تِباعاً، وسط مطالبات المنظمات الدولية، بمحاسبة التجّار الأوروبيين للأسلحة الخفيفة وكشف مسمياتهم، وإلزام دولهم باحترام المواثيق والمعاهدات التي تنظّم تجارة هذا النوع من الأسلحة.

الأسلحة الخفيفة الأوروبية.. تأثير عالمي

كشفت عدة دراسات وتقارير استقصائية، تورّط تجّار الأسلحة الصغيرة في أوروبا في تقويض الأمن والسلام والاستقرار السياسي في عدة بلدان، وذلك بدعم المنظمات الإرهابية حول العالم، وتزويد عصابات تهريب المخدرات في أمريكا اللاتينية بالبنادق والرشاشات، لاستخدامها بشكل عشوائي أثناء المواجهات مع رجال إنفاذ القانون من عناصر الأمن والشرطة.

ووفق ما جاء في تقرير نشره مؤخراً المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، فإنّ ما بين عامي 2010 و2020، استُخدمت الأسلحة الأوروبية الصغيرة في أكثر من 85 ألف هجوم إرهابي على مستوى العالم، ما أودى بحياة ما لا يقل عن 193 ألف شخص.

وتُشير الإحصائيات في السياق ذاته إلى أنّ ما يقارب 50% من نسبة الوفيّات الناجمة على العنف في العالم بين عامي 2010 و2015 كانت في الأساس باستخدام الأسلحة الصغيرة والخفيفة.

وقد كانت الأسلحة الأوروبية الخفيفة، في قلب النزاعات الدولية، طيلة السنوات الماضية، ولعل أبرز دليل على ذلك، ما أماطت عنه اللثام عدّة تقارير أمنية، لا تزال طور التحقيق والمتابعة، ويكشف تورّط فرنسا على سبيل المثال، إما بصفة قانونية أو غير قانونية، في تزويد الميليشيات المتقاتلة في ليبيا بالأسلحة الخفيفة وذلك عبر إسقاطها جواً، واستخدامها كذلك في قتل المدنيين خلال حرب اليمن، وبيعها كذلك لتنظيم "داعش" الإرهابي الذي نفّذ بها عملياته وجرائمه المروعة في سوريا.

وعلى الصعيد ذاته، فقد تحدّثت تقارير لعدة دول ومنظمات، عن تورط الشركة الألمانية المصنّعة والمنتج الأبرز للأسلحة "Heckler & Koch" ببيع بندقيات من طراز "G36" لعناصر الميليشيات المسلحة في ليبيا، والجهات الجورجية غير الحكومية، كما بيعت للمكسيك التي تخضع لحظر التصدير بسبب اتهامات بالفساد تطال عناصر الشرطة فيها. وقد نفت الحكومة الألمانية علمها بمقتضيات هذه الصفقات وطرق شحنها ووصولها إلى هذه الوجهات.

وإن كانت دول العالم، وخاصة الدول الإفريقية وبلدان الشرق الأوسط، تقف في فوهة البنادق الأوروبية، فإنّ هذه الدول المنتجة للسلاح، والتي ساعدت على انتشاره بصفة قانونية أو غير قانونية، هي أول ضحاياه. حيث أعلنت تقارير أمنية، أنّ هجمات باريس عام 2015 على سبيل المثال كانت باستخدام الأسلحة الصغيرة الأوروبية التي وقعت بأيدي الإرهابيين.

وبينما تشكو بلدان الاتحاد الأوروبي تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين من بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا، فإنها تعي جيداً، أنها السبب الرئيسي في ذلك بتزويدها العصابات والميليشيات بهذا النوع من الأسلحة لقتل المدنيين وارتكاب الفظائع الإنسانية.

إجراءات وتحديات

أكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السّلام عام 2017 أنّ أرباح تجارة الأسلحة الخفيفة قد بلغت 95 مليار دولار سنوياً، ويحتلّ المصنّعون الأوروبيون المراتب الخمس الأولى في الترتيب العالمي لتصدير هذا النوع من الأسلحة.

ولا تزال إلى اليوم علاقة الاتحاد الأوروبي مع هذه الشركات والجهات المصنّعة والمصدّرة غير واضحة وشفافة.

ويؤكد خبراء وإخصائيون، أنّ سبب انتشارها يعود أساساً إلى سهولة تهريبها وسهولة إخفائها. ووفقاً لما جاء في تقرير لمسح الأسلحة الصغيرة فإنّ أكثر من مليار سلاح ناري موجود اليوم في أيدي جهات فاعلة غير حكومية.

واستجابة للضغط الداخلي والدولي، صادق الاتحاد الأوروبي عام 2018 على استراتيجية مكافحة التراكم والتجارة غير المشروعة للأسلحة الصغيرة. كما صادق أيضاً على اعتماد وتمويل "iArms" و"iTrace"، وهي أدواة التعقّب الدولية التي تُحدد مهربي الأسلحة وتتتبّع نقل الأسلحة التي حُوّل مسارها.

ومع تكثيف الإجراءات ومحاولة الإحاطة بهذا التهديد الأمني، تطفو مشكلة إضافية على السطح، وهي مصانع الأسلحة الأوروبية الموجودة على أراضٍ خارج حدودها. حيث يؤكد مسؤولون أنّ تقنيات المراقبة الداخلية التي اعتُمدت لن تكون فعّالة بالنسبة لهذه المصانع والشركات.

وبالرغم من هذه الجهود، إلا أنّ الجميع يكاد يتّفق على أنّ الاتحاد الأوروبي لا يزال بحاجة إلى اتخاذ المزيد من التدابير لمكافحة انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة، التي تقوّض الأمن والسلام العالمي وتسيء بدرجة كبيرة إلى سمعة البلدان الأوروبية. وعند ذلك ستنكشف حقيقة ما إذا كانت هذه البلدان تملك الإرادة السياسية الحقيقية لوقف هذا الانتشار الخطير حول العالم.

TRT عربي