تمر الذكرى العاشرة على ثورة الشعب المصري في 25 يناير/كانون الثاني عام 2011 وما تلاها من لحظات صعبة أعقبت الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي من قبل وزير دفاعه آنذاك عبد الفتاح السيسي، الذي اعتقل عشرات الآلاف من المعارضين وهجّر مئات الآلاف منهم..

انقسم الشباب العربي والمصري، ما بين محبط بمخرجات الربيع العربي، ومن لا يزال مؤمناً بأن عهد ما قبله لم يكن كما بعده، وأن الأمل برياح التغيير لا يزال يلوح بالآفاق.

ممَّا لا شك فيه أن الساحة العربية طيلة العقد الأخير عاشت أقسى الأزمات والتحديات، منذ اندلاع الثورات العربية التي بات يختلف عليها الناس ما بين اعتبارها ربيعاً عربيّاً أو خريفاً مأساويّاً ذهب بخضرة الربيع ورونقه، ولم يجلب سوى مستقبل أصفر خاوٍ.

عقدٌ كامل من الزمن كان ولا يزال يمثل سنين عجافاً قاحلة، اختطفت أرواح مئات الآلاف، وشرّدت الملايين، وخلقت أزمات لجوء وجوع وفقر وتهجير وصراع لا تكاد تنتهي إلى الآن.

في خضم هذا العصف الذهني لجميع مفردات المأساة التي عاشتها الساحة العربية، نجد أنه لا يزال هناك بريق أمل لدى الكثير من الشباب خاصة، أما الذين قطعوا أشواطاً طويلة من هذا العمر فوجدوا أنفسهم فاقدين الأملَ إزاء مستقبل لامعٍ مع مرور الوقت.

لا يتعلق الأمر في الواقع بالكبار فحسب، بل هناك شريحة كبيرة من الشباب تختلف ما بين النظر بأمل أو تشاؤم محض، إننا نحتاج إلى سماع آراء شرائح عديدة من الشباب العربي سواء في الداخل أو في المهجر، حول نظرتهم الحالية نحو عشر سنوات خلت وخلفت وراءها الكثير من الندبات التي من الصعب طمسها أو تجميلها، حينما نطالع هذه الآراء ندرك حجم الاختلاف بين كلتا النظرتين للواقع الماضي، وماهية أسباب هذا الاختلاف ودوافعه.

فبينما ينظر جزء من شبابنا للربيع العربي على أنه كان مفتاح التغيير، وأنه كسر حاجز الخوف والصمت، وفتح الطريق أمام الثورة على الأنظمة التي ظلت تجثو عشرات السنين فوق ظهورهم، تجد أنّ جزءاً من الشباب أيضاً في المقابل يعتبرون أنّ معالم هذا الربيع سرعان ما تبدلت إلى خريف، وعلى الرغم من أنهم كانوا يؤمنون بالثورة وما صنعته من تغيير، فإنهم يستدركون ذلك نحو التركيز على لحظة الانعطاف التي أعادت الأنظمة القديمة ذاتها لكن بوجوه جديدة، بمعنى آخر يستذكرون الثورات المضادّة التي أعادت ترسيخ الأنظمة القديمة بصورة أشد عنفاً وبطشاً.

بالطبع لا يمكن اختصار الشباب العربي بهذين الصنفين، فهناك من تراه ناقماً على الربيع وثوراته، ويعتبر أنها المسؤولة عن الخراب والدمار والقتل والتهجير الذي حل، يتمنون لو أنّ الزمن عاد إلى الوراء لينسخ تلك المرحلة برمّتها وكأنها لم تحدث إطلاقاً. فضلاً عن فئة من الشباب أيضاً ظلت "وفيّة" للأنظمة القديمة وكانت ترفض فكرة الثورة عليها منذ البداية، بل تعتبرها مؤامرة وخيانة وطنية بالمفهوم السياسي أو فتنة ضالة بالمفهوم الديني.

جميع هذه الوجوه في الحقيقة تمثل شرائح شبابنا العربي، سواء في الداخل أو في بلاد المهجر، وليس من الغريب أن نجد أنفسنا أمام هذا الاختلاف الحاد، لأن العقد الذي مضى بسنواته العشر لم يكن سهلاً بوقعه وآثاره على أيّ أحد في هذه البقعة الجغرافية، لا سيما أنّ الأمر لا يقتصر على مجرد ثورات اشتعلت فحسب، بل صراعات دموية بين أبناء الوطن الواحد، وانقلابات وأزمات اجتماعية ومادية ونفسية كذلك.

حاولنا استقراء ما أمكن من آراء الشباب إزاء الربيع العربي، مع حلول الذكرى العاشرة، وهو من الصعب الإحاطة بآراء جميع الشرائح، فضلاً عن وجود قسم كبير منها مغيّب للأسف عن حالة الوعي بما جرى ويجري، ولا نلومه وهو انشغل إما بتحصيل لقمة عيشه، وإما بالكفاح ضمن معارك هذه الحياة القاسية التي لا تنتهي.

الشاب محمد سعدو وهو كاتب وناشط سوري، عرّف الربيع العربي بأنه "الحراك الثوري العظيم، الذي اندلع ليزيح طغمة ظالمة متسلطة على الشعوب ومتجبرة عليها ومتحكمة بها منذ عقود، إنه الربيع الحر الذي كسر حواجز الرعب والرهبة التي كانت تكبل المواطن العربي آنذاك عن قول ما يريد، أو أن يعبر عمَّا يتطلع لمستقبل بلاده".

ويرى سعدو أن الربيع العربي قد "علمّنا الكثير منذ انطلاقة شرارته الأولى، بعد أن أفسح لنا الطريق كاملاً كشباب عربي متحمس مصمم على إعادة مجد أمته وبناء أرضه وإحياء مبادىء العدل والمساواة والحرية والديمقراطية، التي تساعد في انتشال وطن كبير مليء بالإمكانات والطاقات البشرية التي أغرقها الفساد بكل أسف، واستولى عليها ثلة من المجرمين واللصوص والعملاء الذين أرهبوا أهلها بالحديد والنار، واستعبدوا البشر وهدموا الحجر".

ويصرّ سعدو على أنه ومن يمثله من الشباب العربي، لا يزالون "مؤمنين بالقضية إيماناً عميقاً من حيث كونها الخلاص الحتمي من هذا الظلام الدامس وهذا الحال القميء، في غد أفضل ربما لهو آتٍ لا محالة لمحو هذا البؤس والظلم".

ولم يغفل عن الفيض بمشاعره إزاء الثورة السورية التي وصفها بـ "الشامخة والصامدة بصمود أبنائها الى الآن، على الرغم من حالة الخذلان الدولي المؤلم، والمتحدّية لجبروت المحتل الروسي وفظائعه المرتكبة بحقنا، وبطش النظام السوري المتهالك بطاغوته اللعين القابع في دمشق. هذه الثورة التي رسمت خريطة لمستقبل سوريا الجديدة المتنوعة والمتعددة بأيديولوجياتها وأطيافها ومكوناتها التي وحدتها القضية، ولوّن لوحتها الحرة العزيزة الشعبُ بدمائه الذكية وتضحياته فداء لوطنه ودفاعاً عن مطلبه بالعيش الكريم".

أما عن الأمل في مستقبل أفضل، فلا يزال الشاب السوري محمد مؤمناً بغد جميل بعد عشر سنوات عجاف، "نظرة الأمل دائماً موجودة في يوم جميل قادم بإذن الله، يجعلنا أكثر ثقة وعزيمة وروحاً ثورية نضالية مشتعلة دائماً لا تهدأ، توظّف كل ما يلزم في خدمة الوطن وفي سبيل رفعة وتحرير أفراده وبنائه كما ينبغي وكما يجب أن يكون".

وعلى نقيض هذا الطرح والرؤية، يعبّر الشاب والناشط التونسي فارس بن سعيد، عن حالة شبيهة باليأس من "تبعثر الأحلام وتغيير بوصلتها، وعن المفاجأة التي أعادت الأنظمة القديمة ذاتها لتجثو من جديد على صدور الشعوب العربية عبر الثورات المضادة".

يقول الشاب التونسي فارس: "قد أوهمونا بأنها ثورة، لكنها في الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً، يصفونها بالربيع العربي وأنا أعتبرها اليوم قد تحولت إلى نكبة عربية، لا أستطيع تجميل الألفاظ وأنا أشاهد ما آل إليه الحال في عالمنا العربي من حروب أهلية، وقتل للأبرياء، وأزمات مجاعة ونهب للثروات والمقدّرات، فضلاً عن الصراعات السياسية القائمة".

وفي محاولة لتلخيص الحكاية منذ البداية يقول فارس: "الحكاية بدأت في أولها انتفاضة على حكام جائرين وظالمين، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية نحو الأسوأ كما كان عليه الحال آنذاك ولا يزال، سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أو سوريا أو اليمن، انتفضنا ضدّ حكامنا، وأسقطنا تلك الأنظمة الدكتاتورية، لنجد أنفسنا في مستنقع سياسي أبطاله فئة من أزلام النظام البائد، والوجوهِ القديمة العائدة من المنفى المتلهفة على المناصب والسلطة. لقد أوهمونا بأنهم سيصلحون ما أفسده النظام الهالك، أشبعونا بالوعود الانتخابية الزائفة لنجد أنفسنا أمام حالة أسوأ حتى من وضع النظام البائد".

وفي النهاية لم يستطع الشاب التونسي فارس إلا أن يعبّر عن "الثورة" بأنها "كانت مجرّد لعبة قذرة لقلب الموازين السياسية والاقتصادية للشعوب العربية الضعيفة، لمصلحة قوى خارجية استعمارية لا غير، لم تكن يوماً في مصلحتنا".

وما بين الشاب الثوري الذي لا يزال يحمل بريقاً من أمل، والشباب الذي أصيب بخيبة أمل جارحة جعلته يكفر بمفردة الثورة والربيع، نجد الشابة المصرية فاطمة تعيش في حالة من الأسى على تبدّل الحال وضياع المكاسب التي حققتها ثورة25يناير، وهي التي غادرت وطنها كرهاً لا طوعاً، لكنها لا تزال تحمل شيئاً من الأمل علها ترجع ذات يوم لا تراه قريباً.

تقول فاطمة: "لا زلت مؤمنة بالثورة والربيع، لكنني حزينة على ضياع ثمار ذلك الربيع، ليس من السهل أن تتذوق طعم الحرية لوقت قصير ثم تشعر فجأة أنك قد فقدتها دون بصيص أمل لاسترجاعها في وقت قريب. لقد سرقوا منّا ليس حاضرنا فحسب بل مستقبلنا كذلك، لقد بخل أصحاب الثورة المضادة علينا بهذا القدر القليل من المتنفّس، ونحن الذين فقدناه طيلة الحقب الماضية".

وعن الثورة المصرية تقول فاطمة: "إن التجربة التي عشناها في مصر تختلف عن حالة أي بلد من بلدان الربيع العربي، على خلاف كل تلك الدول نحن قد نجحنا حقّاً في البداية في كسر جميع الحواجز، وأسقطنا النظام القديم، وجرّبنا الحرية وحق التصويت، إلا أن ذلك كان بمثابة رؤيا قصيرة سرعان ما استيقظنا منها على أصوات الرصاص ودبابات العسكر، لنجد أنفسنا في ساحة من الدماء، وفقدٍ لمئات الآلاف ما بين شهيد أو معتقل مغيّب في السجون تحت شتى أنواع التعذيب".

لكنها مع ذلك تعتبر أنها لا تزال مؤمنة بالثورة، ولا تزال تحتفظ ولو بقدر قليل من الأمل، فلا حال يدوم، والأيام تتقلب، وهذه سنّة الحياة.

TRT عربي