مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في فرنسا سنة 2022، يتصاعد النزاع بين معسكرَي اليمين واليسار، ويشتد الانتقاد لسياسات وتوجهات الإدارة الحالية من مختلف الفواعل السياسية.. إلا أن الرسالة التي تلقتها الرئاسة هذه المرة كانت بتوقيع عسكري.

أثار مقال "من أجل عودة شرف حكامنا: 20 جنرالاً يطالبون ماكرون بالدفاع عن حب الوطن" الذي كُتب بقلم الضابط العسكري السابق جان بيار فابر برناداك، ونُشر في عمود صحيفة Valeurs Actuelles "فالور أكتويل"الفرنسية يوم الأربعاء الموافق لـ21 أبريل/نيسان الجاري، حفيظة اليسار الفرنسي الذي اعتبر في هذا التصريح تلويحاً بالانقلاب على السلطة، وخاصة أنه حمل توقيع عشرين جنرالاً ومئة ضابط رفيع المستوى وأكثر من ألف عسكري آخرين.

وممَّا عزز اعتقاد الطبقة السياسية بترجيح فكرة الانقلاب، تزامن نشر المقال مع الذكرى الستين لمحاولة الانقلاب التي باءت بالفشل لأربعة جنرالات فرنسيين متقاعدين عارضوا استقلال الجزائر عن فرنساسنة 1961.

الرئيس الفرنسي يدعو إلى تفكيك تاريخ فرنسا

على وقع أحداث عنف متتالية وتصريحات متشنجة لمسؤولين في أعلى هرم في السلطة، وموجة واسعة من الاحتجاجات، تعيش فرنسا فترة حرجة، رجح فيها مراقبون ومحللون أن تنزلق الأوضاع إلى تهديد وزعزعة للأمن والسلم المجتمعيين، وممَّا فاقم الوضع سوءاً طرح مشاريع قوانين والمصادقة عليها بدعوى حماية قيم الجمهورية، وكان من بين هذه القوانين محاربة ما أطلقت عليه الدوائر الرسمية اسم محاربة الانعزالية.

ومع استمرار هذه الأجواء الساخنة، حل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الأحد 18 أبريل/نيسان الجاري ضيفاً على قناة CBS News، وفي مستهل حديثه عن قيم المساواة وجذور ظاهرة العنصرية التي تتأجج اليوم في فرنسا، أكد ضرورة طرح سياسات وتوجهات للقضاء على التمييز العنصري، وأن ذلك لن يكون إلا "بتفكيك التاريخ" على حد تعبيره.

قوبل رأي ماكرون بتنديد بعض السياسيين، وكان من بينهم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان، التي اعتبرت أن "التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية بشأن مشروعه "تفكيك تاريخ فرنسا" تبين أن هذه الانجرافات المدمرة لا تنتج عن لحظة تشتيت، وإنما عن اتجاه سياسي مدفوع باعتبارات إيديولوجية فاسدة بشكل أساسي".

إلا أن ما فاجأ الطبقة السياسية مقال ضابط عسكري فرنسي سابق نشرته صحيفة Valeurs Actuelles "فالور أكتويل"،عقب تصريحات الرئيس الفرنسي، يدعوه فيه إلى الدفاع عن الوطنية.

عشرون جنرالاً يحذّرون من تفكك فرنسا

"الساعة خطيرة، فرنسا في خطر، تهددها العديد من الأخطار المميتة.نحن الذين، حتى في حالة التقاعد، ما زلنا جنوداً لفرنسا، لا يمكننا، في الظروف الحالية، أن نظل غير مبالين بمصير بلدنا الجميل". بهذه الكلمات استهل بارناداك الضابط العسكري السابق رسالته إلى رئيس الجمهورية والحكومة الفرنسية، ووقع عليها عشرون جنرالاً ومئة ضابط رفيع المستوى وأكثر من ألف عسكري آخرين.

وندد العسكريون عبر رسالتهم المفتوحة بحالة التفكك التي تعيشها فرنسا على حد توصيفهم، التي تعود أسبابها بالأساس إلى سياسة معاداة العنصرية التي خلقت أجواء من الضيق والكراهية.

وفي السياق ذاته يرى محللون أن رسالة الجنرالات حملت في طياتها رسائل غير مباشرة يدفعها تحليل سياسي يميني، وتغذيها سرديات تاريخية متطرفة، فالإسلاموية وجحافل الضواحي برأيهم تقف من بين المخاطر التي يمكن أن تقوض فرنسا، ولا يعد ذلك بالجديد على خطابات منتسبي التيار اليميني، الذي ربط في أكثر من مناسبة أزمة الضواحي وأحياء الطبقة العاملة بالإسلاموية، بحيث إن فشل الجمهورية في تحقيق المساواة في السكن والتعليم والصحة والنقل وما إلى ذلك لا علاقة له بالتوترات في هذه المناطق، وإنما يرجع الفشل في ذلك بالأساس إلى خطب الأئمة هناك.

ويواصل العسكري السابق الحديث بإثارة قضية السترات الصفراء التي كشفت عن أزمة الدولة وزادت من حدتها، لافتاً إلى استخدام السلطات أجهزة الشرطة كعملاء مساعدين وككبش فداء في وجه الفرنسيين الذين يرتدون السترات الصفراء، ليضرب بذلك عصفورين بحجر واحد.

واختُتمت الرسالة بالتحذير من اندلاع حرب أهلية يمكن أن تتسبب في سقوط آلاف القتلى، هذا التهديد الصريح جعل طيفاً واسعاً من السياسيين والمحللين يرونه دعوة ضمنية للانقلاب والمواجهة والاقتتال.

لم يصدر عن الدوائر الرسمية أي تعليق على ما صدر في فحوى الرسالة أو على الجهة التي كتبتها، إلا أن الفرقاء السياسيين تلقفوها باهتمام بالغ، اختلفت وفقه المواقف والتصريحات.

مواقف الطبقة السياسية من رسالة الجنرالات

لم تتردد مارين لوبان، من أهم رموز اليمين المتطرف في فرنسا ورئيسة التجمع الوطني، في التفاعل مع رسالة العسكريين، فكتبت تعليقاً على ذلك "أدعوكم إلى الانضمام إلى عملنا للمشاركة في المعركة التي بدأت… وهي قبل كل شيء معركة فرنسا".

زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا تطالب العسكريين بالانضمام إليها في الانتخابات الرئاسية (Reuters)

أثار تصريح لوبان الذي أعقب رسالة الجنرالات جدلاً واسعاً، وعلقت على ذلك وزيرة القوات المسلحة فلورنس بارلي في تغريدة لها على تويتر قائلة: إن "كلمات لوبان تعكس سوء فهم خطير للمؤسسة العسكرية"، وأضافت: "إن تسييس الجيوش الذي اقترحته لوبان من شأنه أن يضعف أداتنا العسكرية وبالتالي فرنسا"، مؤكدة أن الجيوش ليست موجودة لإطلاق حملات بل للدفاع عن فرنسا وحماية الفرنسيين.

في حين اعتبر سياسيون يساريون ومسؤولون سابقون أن رسالة الجنرالات ورسالة لوبان دعوة صريحة للتمرد والتلويح بالانقلاب. حيث كتب ميلنشون زعيم فرنسا المتمردة في تغريدة له على تويتر "بلا شك، سيتولى مكتب المدعي العام النظر في الدعوة إلى إثارة الفتنة للجيش المنشورة في Valeurs Actuelles "فالور أكتويل" بتوقيع 100 جندي متقاعد".

واستدعى الرئيس السابق للحزب الشيوعي الفرنسي بينوا هامون في تغريدة على تويتر تاريخ انقلابات الجنرالات، مستنكراً صمت الجهات الرسمية.

تتزامن رسالة العسكريين الفرنسيين المتقاعدين مع فترة تشهد فيها فرنسا أزمة البديل وركود الجدل السياسي، وبوادر تمزق في النسيج الاجتماعي.. فهل يلقى خطاب الجنرالات صداه لدى العسكريين والسياسيين في فرنسا؟

TRT عربي