لا زالت مآلات الأمور في تونس إلى هذه اللحظة يلفها الغموض، وذلك منذ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد، في إجراء صادم، تجميد عمل البرلمان وحل الحكومة بمقتضى الفصل 80 من الدستور، ما أثار اختلافاً وجدلاً واسعاً.

رغم زعمه بأن قراراته لم تتجاوز الشرعية الدستورية، فإن طيفاً واسعاً من السياسيين والشخصيات الوطنية في تونس أدان ما قام به الرئيس قيس سعيد، واعتبره إعداماً للديمقراطية وانقلاباً تام الأركان.

فبعد أن كان الكثيرون معتادين على شكل كلاسيكي للانقلابات، التي تكون بمحاصرة الدبابات لمؤسسات الحكم وافتكاك الجيش للسلطة من رئيس الدولة، وبقية رؤساء السلطة، يفاجأ الجميع بما أطلقه عليه البعض انقلاباً ناعماً، يقوده رئيس الدولة معتمداً على تأويله لفصل من الدستور لتبرير افتكاك السلطات الثلاث. وبين مؤيد ومعارض، انقسم الشارع التونسي وزادت حدة التوتر في الساعات الماضية وسط ترقب لما ستؤول إليه الأمور.

وفي الوقت ذاته أبدت بعض القوى الإقليمية مواقف متباينة ممَّا يحدث في تونس، بعد وقوفها على مسافة حذرة من جميع الأطراف، وتجنبها إبداء أي موقف في الساعات الأولى من إعلان الرئيس التونسي لقراراته الاستثنائية.

فيما وصفت وسائل إعلامية أجنبية، الإجراءات غير الدستورية في تونس وتجميد البرلمان مقابل تأييد جزء من الشعب لذلك، بانقلاب يحول ربيع تونس إلى شتاء.

إدانة دولية ودعوة للتهدئة

لطالما مثلت تونس في السنوات العشر الأخيرة نموذجاً صاعداً في المنطقة العربية، واعتبرت الديمقراطية الوحيدة الناجية في بلدان الربيع العربي التي افتكت منها الثورة وتعرضت تجاربها لإخفاقات وانقلابات، تداخلت فيها الأطراف الداخلية والإقليمية والأجنبية.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، حظيت تونس بدعم دولي متفاوت وإشادة بالنجاحات التي حققتها ولو نسبياً لإنجاح المسار الديمقراطي. إلا أن الانقلاب الدستوري الأخير مثل انتكاسة كبيرة للتجربة التونسية الفتية. واستقبل الرأي العام الدولي الخبر بمواقف مختلفة.

فكعادتها، تركيا الت انتصرت لثورات الربيع العربي ودعمت التجارب الديمقراطية فيها، كانت أول من أدان الانقلاب على الشرعية في تونس.

وقد أصدرت الخارجية التركية بياناً رسمياً أدانت فيه إجراءات قيس سعيد وقالت فيه: "نشعر بقلق عميق جراء تعليق عمل البرلمان الذي يمثل الإرادة الشعبية في تونس".

ومن جانبه كتب المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن في تغريدة له على حسابه الرسمي على تويتر "نرفض تعليق المسيرة الديمقراطية وتجاهل الإرادة الديمقراطية للشعب في تونس".

وفي السياق ذاته اعتبر رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة في تونس انقلاباً.

وأبدت دولة قطر أملها في أن تنتهج الأطراف التونسية طريق الحوار لتجاوز الأزمة، وفق ما ورد في بيان وزارة الخارجية.

وبدورها عبرت ألمانيا عن قلقها ممَّا يحدث في تونس ودعت إلى العودة في أقرب وقت إلى النظام الدستوري، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الألمانية في تصريح إعلامي: إن "الوضع في تونس يؤكد الحاجة الملحة إلى معالجة الإصلاحات السياسية والاقتصادية بسرعة، ولا يمكن أن ينجح هذا إلا إذا عملت جميع الأجهزة الدستورية معاً بشكل بناء"، مشددة على ضرورة استئناف عمل البرلمان في أقرب وقت ممكن.

أما المتحدّث باسم الاتحاد الأوروبي فقد صرح بأنه "ندعو كل الجهات الفاعلة في تونس لاحترام الدستور والمؤسسات الدستورية وسيادة القانون".

واتساقاً مع نفس الموقف الذي يدعو للتهدئة والعودة إلى النظام الدستوري، وعدم إهدار مكتسبات الثورة وهدم البناء الديمقراطي في تونس، عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها الشديد إزاء ما يحدث ودعت جميع الأطراف لاحترام المبادئ الديمقراطية.

وعقب اتصال هاتفي جمع بين الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، دعا بلينكن في بيان رسمي إلى الإبقاء على حوار مفتوح مع جميع اللاعبين السياسيين والشعب التونسي، والتقيد بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي هذا الإطار وإن لم تبد الولايات المتحدة جزماً قانونياً بتوصيف ما حدث على أنه انقلاب، فإن القانون المحلي للولايات المتحدة ينص على قطع المساعدات المباشرة التي تمنحها الولايات المتحدة للحكومات التي وصلت إلى السلطة عن طريق الإطاحة بالزعماء السياسيين المنتخبين عن طريق انقلاب.

والتزمت من جانبها بعض الدول الأجنبية الأخرى على غرار فرنسا وإيطاليا، بموقف التحفظ مكتفية بالدعوة إلى التهدئة ودراسة الموقف بعناية وتروٍ قبل إصدار أحكام أو اتخاذ أي مواقف رسمية.

فيما أدانت منظمات حقوقية دولية الإغلاق القسري لمكاتب إعلامية وإخلائها من الصحفيين، واعتبرت ذلك استهدافاً وتهديداً للحريات التي تعد من أهم مكتسبات ثورة يناير/كانون الثاني 2011.

جبهة وطنية مناهضة للانقلاب

يبدو وبشكل واضح أن قرارات قيس سعيد تستهدف النخبة السياسية بكل أطيافها. ولا يعد ذلك مستغرباً، فمنذ بداية توليه الحكم لم يتردد في إبداء العداء الصريح للأحزاب السياسية وعدم إيمانه بدورها، ودعوته لشكل مختلف تماماً للنظام السياسي.

ويبدو أن لحظة الانقلاب الدستوري أو التأويل التعسفي لفصول الدستور كما يصفها البعض، قد كانت لحظة استثمار في إخفاق الفاعلين السياسيين في إدارة الأزمة في تونس ،وفشلهم في احتواء الشارع ووصولهم إلى نهاية طريق مسدود، كما سبق أن صرح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

ورغم أن سعيد ادعى استشارته لرئيس البرلمان راشد الغنوشي قبل القيام بأي إجراء فإن الأخير رفض مزاعم سعيد، واعتبر ذلك انقلاباً دستورياً يتغطى بالدستور. وقال الغنوشي: "لا يجب أن نعطي أي وقت لهذه المحاولة الانقلابية، كل التجارب بينت أن تعطيل الدستور لفترة قصيرة هو تعطيله أبداً".

وفي سياق متصل قال عياض بن عاشور الأستاذ في القانون الدستوري الذي اعتبر بدوره إجراء سعيد إجراء انقلابياً: إن "اللجوء إلى الدكتاتورية الوقتية ربما قد يمهد لتأسيس دكتاتورية دائمة ستنزع عنا كل المكتسبات التي منحتنا إياها الثورة".

وتشديداً على استقلالية القضاء والنأي به عن التجاذبات السياسية أصدر المجلس الأعلى للقضاء بياناً رسمياً أكد فيه أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ويضطلعون بمهامهم في نطاق الدستور والقانون في حماية الحقوق والحريات، معتبراً أن النيابة العمومية التي أعلن قيس سعيد افتكاكها هي جزء من القضاء.

واتفاقاً مع نفس الموقف، اعتبر حزب العمال على لسان رئيسه حمه الهمامي أن ما قام به قيس سعيد يعد خرقاً دستورياً لا يمكن القبول به، وأن احتكاره للسلطات الثلاث خطر جسيم يهدد الديمقراطية في تونس.

ودعت أطراف سياسية على رأسها حركة النهضة، إلى ضرورة تشكيل جبهة وطنية تتألف من الأحزاب والأطراف السياسية والشخصيات الوطنية للتصدي لانقلاب قرطاج، وإنقاذ الديمقراطية واستكمال البناء السياسي.

ودعا المكتب التنفيذي لحركة النهضة إثر انعقاده إلى تكثيف المشاورات حول المستجدات الأخيرة التي عاشتها البلاد للعودة في أقرب الأوقات إلى الأوضاع الدستورية العادية. مشدداً على ضرورة وحدة التونسيين والتصدي لدعاوي الفتنة والإرهاب. وتناقلت في الوقت ذاته وسائل إعلامية وجهات رسمية حوارات ومفاوضات مستمرة طيلة هذه الساعات للتباحث حول تطورت الأمور والاتفاق على حل سياسي ينقذ التجربة التونسية، ويقي الجميع مزالق الدكتاتورية والفوضى والمواجهات الأهلية في ظل تصادم المواقف.

ويبدو قيس سعيد في الجهة المقابلة ماضياً قدماً في إنفاذ قراراته، ويفاجئ الجميع كل قليل بإجراء أو قرار إضافي، وسط غياب خريطة طريق للجميع بمن فيهم الرئيس التونسي، وترقب دولي وتشديد على الالتزام بمقتضيات الديمقراطية، التي لا يصلحها إلا مزيد من الديمقراطية وليس التخلي عنها.

TRT عربي