تطرح تساؤلات عن أبعاد سحب الثقة من حكومة الدبيبة والأطراف التي تقف وراءه وعن مستقبل العملية الانتخابية (Mahmud Turkia/AFP)

بينما لا يزال الخلاف متصاعداً بين مؤسسات الحكم الليبية حول عدة ملفات وقضايا، أهمها الخلاف حول القانون الانتخابي، تعلن رئاسة مجلس النواب في طبرق شرقي البلاد، سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً وتقرر بالتالي تحويلها إلى "حكومة تصريف أعمال". وصدر قرار المجلس خلال جلسة عامة، حضرها 89 نائباً من أصل 113 نائباً صوتوا جميعهم لصالح سحب الثقة.

وفي الوقت الذي فاجأت فيه الخطوة الجميع وأثارت جدلاً واسعاً في الشارع الليبي، الذي لا تزال تفصله ثلاثة أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل، اعتبر المتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى للدولة القرار باطلاً وذلك لمخالفته الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي.

وتطرح في الأثناء تساؤلات عن أبعاد هذا الإجراء، والأطراف التي تقف وراءه وعن مستقبل العملية الانتخابية في ظل هذا الانقسام.

خلاف حول القانون الانتخابي

رغم أن الوقت المحدد للانتخابات بدأ يدهم الجميع، إلا أن مكونات المشهد السياسي في ليبيا فشلت في الوصول إلى اتفاق واضح على القوانين الانتخابية والأساس الدستوري الذي ينظم المعايير القانونية للانتخابات التشريعية والرئاسية.

ففي 8 سبتمبر/أيلول الجاري، صادق عقيلة صالح رئيس مجلس النواب في طبرق، على قانون انتخابات مثير للجدل يحدد شروط ترشح رئيس الدولة ومهامه، وذلك دون أن يعرضه للتصويت خلال الجلسات العامة المجلس، وأحاله إلى المفوضية العليا للانتخابات وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا وجهات الاختصاص في البلاد.

وبينما رفض خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، الخطوة أحادية الجانب لعقيلة صالح، والتي تعتبر تجاوزاً للإجراءات القانونية الواجبة، وخرقاً للاتفاق السياسي المبرم عام 2015 والذي يقضي بضرورة حصول توافق بين الجسمين التشريعيين في البلاد حول القاون الانتخابي، فقد أعلن في الوقت ذاته، عقب جلسة عقدت بالعاصمة طرابلس يوم الأحد 19 سبتمبر/أيلول الجاري، عن اعتماد مشروعي قانون انتخاب الرئيس، وانتخاب مجلس الأمة المكون من غرفتين للنواب والشيوخ، مشترطاً في ذلك أن لا يكون المترشح من أفراد المؤسسة العسكرية، أو أن يكون قد مضى على الأقل مدة عامين على انتهاء خدمته، وهي نقطة الخلاف الأساسية مع عقيلة صالح في القانون الانتخابي. إضافة إلى اعتماد مشروع القاعدة الدستورية التي ستُجرى على أساسها الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تعرض القوانين الثلاثة على مجلس النواب، يفاجئ الأخير الجميع، بإعلان قرار حجب الثقة على حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة منذ مارس/آذار الماضي، تحت إشراف الأمم المتحدة لإدارة الفترة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة.

سحب الثقة.. خرق قانوني

أثار قرار رئاسة مجلس النواب بسحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية رفضاً وإدانة لدى الأوساط السياسية والحكومية في ليبيا. وعقب لقاء جمعهم بالدبيبة، أصدر 39 عضواً من مجلس النواب بياناً عبروا فيه عن رفضهم للقرار، الذي جرى، على حد تعبيرهم، بطريقة تضليلية لا تعبر في الواقع عن إرادة المجلس وإنما ستساهم في افتعال أزمة دستورية.

وأكد النواب الموقعون على البيان، أن العدد الحقيقي للنواب المصوتين على القرار لا يتجاوز 73 نائباً، وهذا العدد لا يكفي لسحب الثقة من الحكومة، إضافة إلى أن ظروف انعقاد الجلسة تمت وسط خرق لعدة فصول وقوانين منظمة للعملية.

ومن جانبهم أصدر عمداء البلديات الليبية أيضاً بياناً يدينون فيه بدورهم الخطوة التي أقدم عليها عقيلة صالح، معتبرين أنه لا يملك الحق من الناحية القانونية والسياسية، في سحب الثقة بشكل أحادي. مشددين على أن الحكومة تعتبر لبنة توافق سياسي كبير جرى خلال ملتقى الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة، كما أنها تحظى بشرعية شعبية واسعة في كل مناطق ليبيا، وتضطلع بدور مهم في تنفيذ خارطة الطريق، ولا يجب بالتالي على أي طرف أن يعرقلها عن أداء وظيفتها.

وضم المجلس الأعلى للدولة الليبية صوته إلى جميع الأطراف المنددة بالقرار، معتبراً أنها خطوة باطلةً لمخالفتها الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي، وبالتالي فإن كل ما يترتب عليها يعتبر باطلاً.

فيما أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، تمسكه باستكمال مهامه لإنجاح خارطة الطريق، قائلاً في كلمته التي وجهها إلى طلاب الجامعات الليبية خلال حفل لدوري كرة القدم للجامعات في مدينة الزاوية غرب طرابلس: "شعارنا منذ البداية لا للحرب أو الانقسام، ونعم للانتخابات، ونحن مع ما يختاره الليبيون.. من يريد الحرب فنحن أبرياء من دماء شعبنا، ولن نخوض مع الخائضين، ولن نكون مع أي جهة ترغب في دمار الوطن".

وبينما تؤكد غالبية الأطراف الداخلية والدولية شرعية حكومة الوحدة الوطنية وترفض قرار رئاسة مجلس النواب بحجب الثقة عنها، يبدو أن عقيلة صالح يسعى في الأثناء إلى التلاعب بالقوانين الانتخابية وممارسة الضغط على جميع الأطراف لتحسين شروط ترشح حليفه العسكري الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، الذي أسس في وقت سابق مليشيا عسكرية موازية للجيش الليبي، وسيطر بذلك على عدة مناطق في شرقي البلاد، وينازع إلى اليوم مجلس الدولة في سلطته.

وبدوره ولضمان فرص ترشحه للانتخابات المقبلة، بدأ حفتر مؤخراً بتصفية قادة المليشيا العسكرية التابعة له والمتورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي الوقت الذي يمضي فيه عقيلة صالح بشكل مواز لمساعي حفتر، قدماً في خروقاته القانونية من مصادقة على قانون انتخابي إلى سحب الثقة من الحكومة، دون استشارة أي طرف، يبدو أن تنظيم الانتخابات المقبلة بشكل نزيه وبإحراز توافق بين جميع الأطراف، حلم صعب التحقيق في الوقت الراهن.

TRT عربي