ظلت مخرجات الانتخابات في دورها الثاني، الذي جرت أطواره الأحد، مشابهة لما أتى به الدور الأول قبل أسبوع (DPA)

فيما لا تفصح هذه الانتخابات المحلية عادة هويَّة من منهم سيسكن الإليزيه، فإنها تمنح الدفعة اللازمة للفائزين بها، وتعزّز حظوظهم في غمار المحطَّة التالية.

من ناحية النتائج، ظلت مخرجات الانتخابات في دورها الثاني، الذي جرت أطواره الأحد، مشابهة لما أتى به الدور الأول قبل أسبوع، حيث المقاطعة سيدة الموقف، كما تكرَّست إعادة انتخاب نفس الأسماء المنتهية ولايتها.

في المقابل، سجَّلت اندحاراً تاماً لحزب الرئيس إيمانويل ماكرون، وخرجت منها اليمينة المتطرِّفة مارين لوبان خالية الوفاض، على عكس كزافييه بيرتراند، مرشَّح اليمين التقليدي للرئاسيات القادمة، الذي يعزّز فوزه برئاسة جهة أوت-دو-فرانس (شمال) أكثر طموحه في رئاسة الجمهوريَّة.

مجدداً.. العزوف هو الفائز الأول!

مرَّة أخرى، العزوف كان سيِّد اللَّحظة خلال الانتخابات المحليَّة الفرنسية، الذي بلغ في دورها الثَّاني نحو 66%، أي إن فرنسيَّين من كل ثلاثة مسجلين لم يلبوا نداء صناديق الاقتراع.

كما يعني أن الناجحين فيها لا يملكون إلا شرعيَّة الـ33% المتبقيَة، والتي عرفت ارتفاعاً طفيفاً على ما سبق خلال الدور الأول، ومردّ ذلك إلى التعبئة الوطنية من أجل سد الطريق أمام اليمين المتطرف لتحصيل مقاعد.

وحتى في المناطق التي رُجِّح فيها فوز التجمُّع الوطني، لم يأخذ الناخبون عناء الإدلاء بأصواتهم، كما في بروفانس-ألب-كوت دازور (جنوب شرق)، التي كانت قاب قوسين من أن ينتهي مجلسها لصالح حزب لوبان، فلم تتغير فيها نسبة المشاركة عن سابقتها في الدور الأول.

أو منطقة لوار (غرب)، حيث كان التنافس الانتخابي الأكثر تشويقاً، بين مرشَّح تحالف اليسار الذي يضم الاشتراكي الفرنسي وحزب الخضر وحركة فرنسا الأبيَّة، وخصمه من اليمين الجمهوري. أما أدنى نسبة مشاركة فسُجِّلت في إيل-دو-فرانس، التي تضمُّ العاصمة باريس، حيث لم تتعدَّ 32%.

في قراءة لهذا العزوف عن المشاركة في الانتخابات، يوضح جيريمي مواليك، عالم الاجتماع الفرنسي، أنه: "راجعٌ إلى تنامي الإحساس لدى الناخب بأن أصواته لن تغيّر السياسات القائمة ولا الوجوه المعتاد تصدرها المشحد السياسي".

ويضيف: "بطبيعة الحال هم منتخبون شرعيون، لكن عندما تصبح نسبة العزوف هي الغالبة، يصبح السؤال الصحيح ليس (لماذا لم يصوت الناس؟)، بل (لماذا ذهبوا أساساً للتصويت؟)"، بما أن "النظام الانتخابي يُقصي الطبقات الاجتماعية الأوسع والتي يمثِّل الشبابُ أغلبها، ينتهي بهم الأمر إلى تجاهل السياسة في مجملها".

"فنحن الآن أمام نتائج لا تمسّ سوى خيارات الأقليَّة، ولا تعكس مدى كفاءة الأسماء الفائزة بها يختم المتحدِّث. فيما، لم تكرِّس نسب المشاركة المتدنّية تلك، سوى نتائج الدور الأول للانتخابات، بل ونتائج الانتخابات التي سبقتها، إذ إن الفائزين هم في غالبيَّتهم أسماء انتُخبت لولاية أخرى.

اليمين الجمهوري يكتسح

الانتخابات أعادت الثقة بالنخب المنتهية ولايتها، وبالتالي أعادت الأحزاب التقليدية، من اليمين واليسار الفرنسيين، إلى الواجهة مجدداً، بعد أن أزاحهما من ساحة النقاش العام الاستقطاب الكبير الذي عرفته ولاية ماكرون، بينه وبين لوبان، وبين الاثنين واليسار الراديكالي الممثَّل في فرنسا الأبيَّة.

بالتالي، إن كان للنتائج المتحصَّل عليها عنوان، غير العزوف، فسيكون عودة ثنائية الحزب الجمهوري والحزب الاشتراكي إلى المشهد.

وتُظهِر النتائج الأوليَّة اكتساحاً لليمين المحافظ، الذي أسقط التجمع الوطني المتطرف بروفانس-ألب-كوت دازور، كما فاز مرشَّحه كزافييه بيرتراند بأوت-دو-فرانس (شمال).

بيرتراند المرشَّح الرئاسي لاستحقاقات 2022، الذي تظهر استطلاعات الرأي تموقعه كثالث خيار، وراء كل من لوبان وماكرون، زاد هذا الفوز حظوظه في تعمير الإليزيه.

هكذا حوّل خطاب انتصاره لما يشبه مهرجانا خطابياً سابقا لأوانه لحملته الرئاسية، إذ قال: "الآن أدرك الجميع أن الانتخابات الرئاسية سباق ثلاثي. لقد أُسقِطَ السباق الثنائي، وهذا الفوز يمنحني القوَّة للذهاب إلى مقابلة كلِّ الفرنسيين".

وأضاف بيرتراند في نفس السياق أنه "لأجل تقويم البلاد، أمر واحد أساسي: إعادة النظام العامّ إلى سابق عهد احترامه، فانعدام الأمن ينخر الجمهوريَّة ويغير وجهها، مستهدفاً الناس العاديين كضحايا. وأنا لن أدع أي أحد لينقص أو يقسّم فرنسا"، في إشارة إلى مَن قال عنهم "الذين يكرهون فرنسا"، ترديداً لنفس الخطاب المشكك في الجاليات المسلمة بالبلاد.

وأتبع في وعوده الانتخابيَّة بأن "هدفي هو أن تتحسَّن ظروف العمال المعيشية، وأولوية هم الطبقات المتوسِّطة، وأولائك الذين صفقنا لهم إبان الحجر الصحي الأول، وقبل أن يطالهم النسيان". قبل أن يختم قائلًا: "سواء أدليتم بأصواتكم أو لا، نحن بحاجة إليكم، فرنسا بحاجة إليكم، بحاجة إلى وطنيَّتكم، وتطلعكم إليها بأن تبلغ مصافّ دول المقدِّمة".

ماكرون ولوبان: صفر مقعد!

في ذات السياق، انتهت الانتخابات على سقوط مدوٍّ للحزب الحاكم وغريمه التجمع الوطني على أقصى اليمين، إذ لم يحرز كلاهما أي مقعد، وخرجا منها خاليَي الوفاض، إذ أقرت حركة "الجمهورية إلى الأمام"، مع توالي عمليةالفرز، بأنها لم تحصل على أي مقعد، فيما اعتبر رئيس كتلتها البرلمانيَّة ستانيسلاس جيميني، بأن "الأمر مخيِّب لآمال الأغلبية الحكوميَّة كلها".

أما مارين لوبان، اليمينية المتطرِّفة، فهي الأخرى خرجت دون أي من المقاعد المتبارَى عليها، هي التي كانت تمنّي النفس بحصد جهة بروفانس-ألب-كوت دازور، بعد أن تقدّمها مرشَّحها رونو موزولييه في الدور الأول، خطف منه غريمه الجمهوري الفوز في آخر الللحظات.

وكانت لوبان تراهن على هذه الانتخابات من أجل تعزيز شعبيتها للرئاسيات القادمة، قبل أن ينتهي بها الأمر في سقوط حر، علَّقت عليه بالإقرار بدءاً بأنه "هذا المساء، لن نفوز بأي منطقة". قبل أن تضيف متحدثة عن "أزمة عميقة للديمقراطية المحلية"، مشددة على أن "التعبئة هي مفتاح الانتصارات في المستقبل"، في إشارة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً