تتصاعد مخاوف المجتمع الغربي من زيادة اختراق الجواسيس الروس لفضاءات ومؤسسات كشفت عن بعضها التحقيقات لاحقاً، وذلك ضمن حرب استخباراتية لموسكو ضد خصومها.

أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" ينس ستولتنبرغ يوم الخميس 7 أكتوبر/تشرين الأول في مؤتمر صحفي أن الحلف قرر سحب أوراق اعتماد ثمانية أفراد من البعثة الروسية في بروكسل، وذلك بعد اكتشاف أنهم ضباط مخابرات روسيين غير معلنين.

وندد ستولتنبرغ عقب المؤتمر مما سماه الأعمال الخبيئة والمشتبه بها التي لأجهزة الاستخبارات والجواسيس الروس في البلدان الأوروبية، وشدد على ضرورة اتخاذ الحلف إجراءات ردعية وحازمة حيال ذلك.

وتشير تقارير ومصادر إعلامية إلى أن قرار الناتو جاء على خلفية بعض الحقائق التي كشفت عنها التحقيقات في وقت سابق عن ضلوع الجواسيس الروس في استهداف عدة مسؤولين ومؤسسات.

وإن كان الكرملين نفى هذه الادعاءات واعتبر قرار الناتو الأخير تقويضاً لأي أمل في عودة العلاقات إلى طبيعتها واستئناف الحوار، فإن عدداً من المنظمات وقادة المجتمع الدولي لا تزال مصرة على اتهامها مشككة في مصداقية ما صرحت به موسكو.

الاستخبارات الروسية.. حرب باردة

تتصدر الاستخبارات الروسية منذ فترة طويلة عناوين الأخبار في وسائل الإعلام العالمية، وذلك على خلفية اشتباهها بتنفيذ عدة عمليات سرية في بلدان أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لضمان وجود نفوذها في تلك البلدان.

وقد اتهمت الحكومات الأوروبية في وقت سابق من وصفتهم بالجواسيس الروس بتنفيذ محاولات اغتيال وتخريب مستودعات الأسلحة واختراق المؤسسات السياسية. وفي السياق ذاته قال أنتي بيلتاري، مدير جهاز الأمن والاستخبارات الفنلندي : "لطالما كانت الاستخبارات الروسية تشكل للدول الأوروبية تهديداً مستمراً". وأيده في ذلك أرنولد سينيسالو، رئيس جهاز الأمن الداخلي في إستونيا الذي قال في تصريح إعلامي سابق: "لقد سقطت الأقنعة.. أجهزة الاستخبارات الروسية أصبحت تتجاهل اليوم حتى مجرد التظاهر باحترام القانون الدولي والأخلاق فيما تنفذه من أفعال سرية في أوروبا".

وبالرغم من أن قادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" تسعى مؤخراً إلى خفض التصعيد والتهدئة مع روسيا، إلا أن العلاقات لا تزال متوترة وتنذر بمزيد من الصراع، مع تواتر الأخبار التي تكشف عنها أجهزة الاستخبارات تباعاً فيما يتعلق بضلوع عدة أشخاص تابعين للاستخبارات الروسية ارتكاب عدة جرائم.

ففي أبريل/نيسان الماضي ادعت جمهورية التشيك، بأن لديها أدلة وحقائق تكشف تورط عميلين روسيين في التفجيرات التي وقعت في مستودع ذخيرة في فربتيتشي شرقي البلاد عام 2014 وأسفر ذلك عن مقتل شخصين، وثبت بعد ذلك تورطهما أيضاً في تسميم العميل الروسي المزدوج سيرجي سيكريبال وابنته بغاز أعصاب، في مدينة سالزبوري الكاتدرائية الإنجليزية عام 2018، وفق ما أشارت إليه التحقيقات.

وبناء على ذلك طردت براغ العشرات من الدبلوماسيين الروس وموظفي السفارة من التشيك، مما أدى إلى توتر حاد في العلاقات بين البلدين اعتبرت فيه موسكو بأن "التشيك دولة غير صديقة".

ولم تمض فترة قصيرة، حتى ادعت بلغاريا كشف تحقيقاتها عن تورط بعض الشخصيات الروس في سلسلة التفجيرات في مستودعات أسلحتها بين عامي 2011 و2020.

ودعمت هذه الادعاءات تقارير استقصائية اتهمت الاستخبارات الروسية بزعزعة الاستقرار السياسي في مولدوفا عام 2016، كما أعلنت وكالات الاستخبارات الإسبانية في وقت سابق رصدها عميلاً روسياً خلال مظاهرات استقلال كاتالونيا عام 2017.

وفي السياق ذاته فقد وجهت بداية السنة الحالية، كل من ألمانيا وإيطاليا وبولندا وبلغاريا، اتهامات لعدة أشخاص على خلفية تورطهم في تمرير رسائل سرية إلى روسيا.

وكانت أكثر القضايا إثارةً للضجيج الواسع، زعم الولايات المتحدة الأمريكية تلاعب الاستخبارات الروسية بالانتخابات الرئاسية عام 2016 واختراقها الرسائل الإلكترونية، الأمر الذي لا تزال تداعياته تلقي بظلالها إلى اليوم على العلاقات بين البلدين وبين موسكو والحلف الذي تقوده واشنطن.

وبدورها كشفت المخابرات الخارجية الإستونية ومن ثم صحيفة لوفيغارو الفرنسية في تقرير سابق عن وجود مجموعة تدعى الوحدة "54777" تابعة لجهاز الاستخبارات الروسي، مسؤولة عما وصفته بعمليات "الحرب النفسية" والتأثير على الرأي العام الأجنبي. وذلك عن طريق "استهداف القادة السياسيين والعسكريين وعائلاتهم والسكان المدنيين وبعض الجماعات المحددة، مثل الأقليات العرقية أو الدينية، أو المجموعات المعارضة أو أصحاب المصالح التجارية في بلدان صديقة أو محايدة أو معادية".

نفي روسي

بينما توجه أجهزة الاستخبارات العالمية وقادة الدول الغربية أصابع الاتهام بجزم قاطع إلى موسكو في استخدامها الجواسيس التابعة لأجهزة استخباراتها في التسلل إلى مؤسساتها وإلحاقها الضرر بعدد من المسؤولين والقادة والشخصيات البارزة، وبالتالي الإضرار بمصالح هذه الدول واستقرارها، تنفي روسيا بشكل قاطع هذه الاتهامات وتعتبرها تندرج ضمن إطار الحملة الشرسة لتشويه سمعة البلاد على المستوى الدولي وتقويض فرص تعاونها وحوارها مع حلف شمال الأطلسي.

ورغم الموقف الحاد لبلدان الاتحاد الأوروبي ودعواتها المتجددة إلى وضع حد لموسكو، اختارت دول أوروبية أخرى اللجوء إلى التهدئة وخفض التصعيد. وكان من بينها حكومة المجر، التي حافظت على علاقات ودية مع الكرملين، وتعرضت بسبب ذلك لانتقادات حول غضها الطرف عن بعض أنشطة الاستخبارات الروسية داخل حدودها.

فيما اعتبر خبراء ومحللون أن اختيار عقاب طرد الممثلين الدبلوماسيين وبعض الأشخاص الروس رداً على هذه الاتهامات قد لا يفيد شيئاً، بخاصة أننا في عصر رقمي يبدو فيه التسلل والاختراق أسهل من أي وقت كان.

TRT عربي
الأكثر تداولاً