لا يكاد يحل المساء حتى تصبح العائلات غير آمنة في بيوتها. هي فقط حالة مدينة في الريف الشرقي للعاصمة دمشق تحولت بعد الحرب إلى مكان تنتشر  فيه الدعارة والسرقة، وهذا شأن العاصمة التي أحالها الفقر وانتشار العصابات إلى موطن للجريمة.

التقرير الذي أصدره موقع Numbeo Crime Index المتخصص بمؤشرات الجريمة حول العالم وضع سوريا في رأس قائمة الدول العربية بارتفاع الجريمة والتاسعة عالمياً، فيما احتلت دمشق المرتبة الثانية بعد مدينة كابول الأفغانية بمعدلات عالية من الجريمة باختلاف أصنافها.

في مشروع دمر الذي يعتبر من الضواحي الراقية في العاصمة قتلت سيدة سبعينية وأحرقت جثتها ثم سرق القتلة أموالها ومجوهراتها، وذلك حسب ما أوردته قناة RT الروسية.

وحول ذلك يعزو الدكتور درغام سفان في حديثه إلى TRT عربي حالات العنف لدوافع نفسية منها: افتقاد الشباب منذ الطفولة للقدوة الجيدة نتيجة التفكك الأسري وغياب الحاضنة الاجتماعية، فتعم الفوضى وتغيب معايير الصواب والخطأ وتهيمن التناقضات في ظل مجتمع قاسٍ مفكك لا مجال فيه لحكم الضمير أو الرادع الأخلاقي أو الديني، ذلك بسبب الضغوط الاجتماعية الكبيرة وظروف المعيشة الضنكة وتفشي البطالة والفقر والدعارة وغياب العلاقات الاجتماعية الإيجابية وهيمنة القيم السلبية القائمة على التنمر والتنافس والغش والإيقاع، والعنف والقتل والعقاب وغياب القانون.

الصحفي إياد الجعفري مدير تحرير موقع اقتصاد وهو أحد مشاريع شبكة زمان الوصل يرى أن هذا النمط من الجرائم الفردية لأسباب اقتصادية، يقول لـTRT عربي: "ازدادت معدلاتها مع التدهور المعيشي إلى مستويات غير مسبوقة، بخاصة في 2020، وذلك بإقرار الإعلام الموالي لنظام الأسد، وكمثال على ذلك، سُجلت 5 جرائم في الأسبوع الأول من يوليو/تموز 2020، بعضها كانت جرائم عنيفة غير مُعتادة في المجتمع السوري. حتى إن نشطاء إعلاميين أطلقوا على يوليو/تموز 2020 شهر الجرائم.

اغتصاب واعتداء على الطفولة

نمط آخر من الجرائم لم يكن معتاداً في المجتمع السوري بدأ يطفو على السطح مثل اغتصاب الأطفال وقتلهم وهو مدان دينياً واجتماعياً، وأبشع ما حصل في مدينة حماة في منطقة دير الصليب، حيث قام أحد المجرمين باستدراج الطفلة (هيا) التي تبلغ 13 سنة إلى بناء مهجور واعتدى عليها ثم أحرقها يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 وفق بيان صادر عن وزارة الداخلية التابعة للنظام السوري.

تعليقاً على ذلك يقول الدكتور درغام سفان بحديث لـTRT عربي إن هذه الحوادث تعود إلى اضطراب نفسي.. وإن هذه الفئة من المجتمع مؤلفة من أشخاص لديهم ما يسمى (اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع) وهو اضطراب نفسي يظهر منذ الطفولة له تربة وراثية، وتساهم في ظهوره البيئة الأسرية المفككة، وهؤلاء لديهم استعداد مسبق للانحراف بكل أشكاله من سرقة وتجاهل للقواعد الاجتماعية وعدم القدرة على ضبط العدوان، بالإضافة إلى افتقادهم الشعور بالندم أو تأنيب الضمير، لكن هذه الشخصية العدوانية تحتاج غالباً لتعبِّر عن نفسها إلى بيئة عدوانية.

سوق للمخدرات.. برعاية النظام

كانت سوريا قبل عشر سنوات مصنفة من دول عبور المخدرات، ولكن تحولت في السنوات الأخيرة إلى أكبر مصادر الإنتاج والتهريب، فضلاً عن السوق الداخلية، ويشرف النظام وحزب الله على إدارة مصانع الحبوب المخدرة في منطقة القصير، وكذلك عبر وضع المنافذ البرية في خدمة الشحنات المخدرة التي جرت مصادرة بعضها في مصر وإيطاليا.

لكن كيف أصبحت المخدرات سلاحاً بيد النظام للسيطرة على مقاتليه ودفعهم إلى الجريمة والحرب؟ وكيف أثر عليهم ليكونوا أداة في الحرب ضد أبناء بلدهم؟

الدكتور سفان وله تجربة مع متعاطي الكبتاغون يشرح لـTRT عربي تفاصيل عن أثر الكبتاغون المخدر على العسكريين من عناصر النظام: "ساهمت أطراف أمنية متنفذة في إدخال المخدرات إلى البلد وتسهيل تعاطيها خصوصاً بين العساكر لتنفيذ الأعمال القذرة في غياب العقل والرادع الأخلاقي، وأقصد تحديداً (حبوب الكبتاغون)، وهو عقار خطر يسهّل العنف والجريمة، ويشعر متعاطيه بازدياد الدافع الجنسي واليقظة، وغياب العقل بوجود الهلوسات السمعية والبصرية، باختصار كانت هذه الحبوب الخطرة تعطى (للعسكر) حتى لا يحسوا بالخوف، وبالتالي يسهل عليهم القتل والتدمير من دون رادع أو وازع".

المخدرات تحولت من وسيلة لدفع المقاتلين إلى القتل، وذلك بارتكاب جرائم منظمة تحقق أرباحاً كبيرة للنظام المتهاوي اقتصادياً إلى تجارة مربحة لقوى محلية مرتبطة بالخارج، وهذا ما يدلل عليه إياد الجعفري في حديثه لـTRT عربي: "أبرز نشاطات الجريمة المنظمة التي وصلت إلى مراحل متقدمة من التنظيم والتشبيك بين أطراف محلية وأخرى خارجية، هي تجارة المخدرات، فأصبحت سوريا ممراً رئيسياً لهذه التجارة لصالح حزب الله ومليشيات محلية متحالفة معه، بخاصة في منطقة القلمون، حيث تمر إحدى أبرز طرق نقل المخدرات داخل الأراضي السورية. ومن سوريا تُصدّر المخدرات القادمة من إيران عبر العراق، إلى أوروبا -عبر البحر-، أو إلى الخليج عبر الأردن".

اقتصاد أمراء الحرب

انتهاء المعارك بمناطق سيطرة النظام أفرز بنى اقتصادية جديدة فقادة المليشيات التي حاربت مع النظام تحولوا إلى تجار لهم سطوتهم على مفاصل الحياة الاقتصادية، وهذا ما ساهم في إفقار السوريين وجرفهم إلى بدائل غير قانونية كالسرقة والقتل.

إياد الجعفري يفصل لـTRT عربي كيف تحول هؤلاء المجرمون إلى قادة اقتصاد متداع: "أبرز مؤشر على تفاقم الجريمة المنظمة في سوريا ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد هو تحول بعض أمراء الحرب ومتزعمي المليشيات المحلية إلى رجال أعمال وواجهات استثمارية، من أبرزهم خضر طاهر -أبو علي خضر-، المعروف بـ"أمير المعابر"، الذي جمع ثروته من الترفيق والترسيم خلال سنوات الصراع المسلح، ويُعد مقرباً من ماهر الأسد، ولاحقاً من أسماء الأسد، وكذلك حسام قاطرجي الذي أدار سابقاً تجارة القمح والنفط بين تنظيم "الدولة الإسلامية" وبين نظام الأسد، ويدير نفس التجارة اليوم بين ميليشيات PYD وبين نظام الأسد الذي يمتلك مليشيا ضخمة وقوافل من الصهاريج المخصصة لنقل النفط".

عصابات الموالين للنظام

شكل آخر من العصابات المسلحة ظهر بعد انفراط عقد الفصائل العسكرية التي شكَّلها النظام أثناء الحرب، وهؤلاء باتوا خارج منظومة النهب وانقطعت أرزاقهم، وهذا ما دفع هؤلاء إلى تشكيل عصابات تعتدي على أملاك المواطنين وأرواحهم.

آخر هذه الجرائم التي ارتكبها هؤلاء ما نشرته صفحة وزارة داخلية النظام عن إلقاء القبض على عصابة لترويج المخدرات والحشيش وترتكب جرائم السرقة والنهب وترويع المواطنين في مدينة طرطوس.

(س.ج) مواطن من مدينة طرطوس قال لـTRT عربي حول انتشار الجريمة في مدينته: "طرطوس كانت تعتبر خزاناً بشرياً للموالين للنظام في سوريا وهؤلاء باتوا يشكلون عبئاً على المدينة بعد انتهاء الحرب في كثير من المناطق وباتوا يحاربون الناس في أموالهم ولا يرون في القتل معضلة فقد اعتادوا عليه، ولذلك تشهد المدينة عنفاً غير مسبوق منذ عدة سنوات ولا يستطيع أحد محاسبة هؤلاء فأغلبهم من عائلات ذات صلات قوية مع المخابرات".

وانضم إلى هذه التشكيلات العصابية الكثير من الشباب العاطل عن العمل بسبب تردِّي الأوضاع الاقتصادية وانشغال النظام بضبط الحالة الأمنية على حساب الوضع الاقتصادي المنهار كما يقول الصحفي الاقتصادي إياد الجعفري لـTRT عربي: "مع انهيار سعر الصرف وانكفاء نظام الأسد عن دعم المواد الأساسية وتقديم الخدمات الرئيسية للمواطنين، ناهيك بقصور القبضة الأمنية عن تحمل مسؤولياتها حيال ضبط الأمن لصالح المواطن وتركيزها بدلاً من ذلك على توفير الأمن للنظام ولرموزه ومصالحه، تفاقمت الجرائم الفردية لتسجل أرقاماً كبيرة، وصلت في أحد شهور 2020 إلى أكثر من 50 جريمة مسجلة لدى داخلية نظام الأسد.

هكذا هي حال البلاد التي تتحمل الآن وزر حرب النظام على الشعب، وباتت سوريا كما يراها البعض (شيكاغو ثانية)، وهنا لا تتوقف الجريمة، فالفساد مؤشر آخر على الانهيار المتسارع بعد أن أصبح الولاء حامياً للفاسدين الكبار من المحاسبة وأصبحوا ضمانة بقاء النظام، وأما الناس فيحملون في ذاكرتهم صوراً مفزعة للموت الذي استحال حدثاً يومياً يؤرق حياتهم التي يحاصرها الغلاء والفقر.

TRT عربي