في اليوم التالي لإعلان حركة طالبان استعادة السلطة في أفغانستان، احتدم نقاش في الساحل الإفريقي، عما إذا كانت الجماعات المسلحة ستتمكن من الاستيلاء على السلطة في مالي إثر مغادرة القوات الفرنسية المقرر عام 2022 المقبل.

أثار خبر اجتياح طالبان لمدن ومناطق أفغانية في وقت قصير، وتمكنها من استعادة السلطة، صدمة للمجتمع الدولي، وقلقاً حيال إمكانية تكرار نفس السيناريو في الأقاليم والمناطق التي تنتشر فيها القوى الدولية، على غرار مالي. بخاصة وأن السلطات الفرنسية أعلنت مؤخراً على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن قرارها في بدء الانسحاب تدريجياً وإغلاق المقرات العسكرية في شمال مالي.

ونشرت في السياق ذاته صحف محلية وأجنبية، أن على الجميع استخلاص العبر والدروس من التطورات الأخيرة في أفغانستان. فيما أشار خبراء ومحللون أن الجماعات المسلحة في العالم وفي الساحل الإفريقي على وجه الخصوص، بدأت تشعر وكأن أجنحتها بدأت تنمو من جديد إثر انتصار حركة طالبان، على حد تعبيرهم.

صدمة ومخاوف في مالي

في وقت لا يزال الماليون يعيشون على وقع مواجهات مستمرة بين الحكومة بدعم من القوات الفرنسية، والحركات المسلحة، يباغت الجميع بخبر سيطرة طالبان من جديد على الحكم في وقت قصير وذلك بعد انسحاب القوات الأمريكية.

شكل الخبر حسب توصيف التلفزيون الفرنسي، صدمة كهربائية، في مالي، في وقت تنتهي فيه عملية برخان، بقيادة فرنسا في منطقة الساحل، بداية عام 2022.

واستثارت التطورات الأخيرة في أفغانستان، ذاكرة الماليين، حيث إنهم عايشوا سيناريو مماثلاً له عام 2012، حين تمكن المتمردون من السيطرة على ثلثي الأراضي المالية، إلى أن تمكنت عملية سيرفال بمنعهم من المزيد من التقدم. ويخشى الماليون بذلك، أنه اليوم وبعد مرور نحو 9 سنوات على الحادثة، أن تتمكن الجماعات المسلحة من جديد من السيطرة على مدن في وسط وشمال مالي، ولا يستبعد أن يجري اجتياح باماكو بمجرد مغادرة القوات الفرنسية، التي يرى الماليون أنها لن تختلف كثيراً في موقفها عن الولايات المتحدة، بعد أن تناقلت وسائل إعلامية عالمية مشاهد صادمة لتشبث الأفغان بالطائرات الأمريكية أثناء مغادرتها كابل.

تعليقاً على ذلك يقول المحامي المالي الشهير الشيخ عمر كوناري في تصريح لصحيفة لوموند الفرنسية: “مثل الأمريكيين الذين فروا من أفغانستان، فإن الفرنسيين وقوات حفظ السلام الموجودة في مالي سوف يفرون يوماً ما ويتركوننا وجهاً لوجه مع الغول الإرهابي”.

وبالتالي تنادت وارتفعت العديد من الأصوات داعية السلطات المالية، إلى ضرورة استخلاص العبر والدروس من الحالة الأفغانية، والمباشرة بإجراء إصلاحات، في وقت يستشري فيه الفساد في مالي ويعجز الجيش المالي عن مجابهة المخاطر والتحديات بالرغم من الدعم الدولي الذي حظي به لفترة طويلة، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي وغياب الدولة في جميع أنحاء البلاد.

ولكن إحراز التقدم بالنسبة للسلطة المالية، يبدو صعباً في الوقت الحالي، إذ عصفت بالبلاد انقلابات عسكرية متتالية انعدم نتيجتها الأمن والاستقرار، ناهيك على العمليات المسلحة التي تتعرض إليها بشكل مستمر.

وبالتالي يرى محللون أن إعلان فرنسا انسحابها في الوقت الحالي، وإغلاقها قواعد كيدال وتيساليت وتمبكتو في الشمال بحلول عام 2022، قد يكسب التمرد والحركات المسلحة زخماً.

هل تنتصر القوات المسلحة في مالي؟

على غرار بقية القوات والفصائل المسلحة في العالم، أشادت جماعة “دعم الإسلام والمسلمين”، الفرع الساحلي لتنظيم القاعدة بما أسمته انتصار طالبان، ولم تخفِ على لسان رئيسها إياد أغ غالي، نيتها في الاستيلاء على الحكم في مالي، مستثمرة الغضب الشعبي المتصاعد من القوات الفرنسية والحكومة المالية.

وفي هذا السياق، يقول الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية بمركز جسور، عباس شريفة، في تصريح خاص ل TRTعربي بأنه: ”لا شك أن انتصارات طالبان في أفغانستان وانسحاب القوات الأمريكية سيبعث حتماً برسائل شد عصب لكل الجماعات المسلحة والمتمردة في العالم بأن إمكانية تحقيق انتصارات وتحقيق السيطرة على الأرض، ممكنة في المقاييس الدولية والإقليمية”.

ويرى شريفة، أن السؤال الذي يجب أن يطرح في هذا السياق، هو إلى أي مدى ستكون هذه الجماعات قادرة على أن تحدث مراجعات سياسية، بحيث تفتح مجالاً لعقد تفاهمات إقليمية ودولية، وإلى أي مدى ستكون قادرة على إجراء تغييرات بنيوية، لتتحول إلى حالة وطنية قادرة على الإمساك بزمام الأمور، وقادرة على إعطاء طمأنة للدول بقدرتها على استلام السلطة.

وأضاف شريفة: الحركات المسلحة بحاجة إلى إعادة إنتاج نفسها كقوة ترغب في أن تكون ضمن المجتمع الدولي وتفتح علاقات مع الدول وتعيد تعريف نفسها كحركات قُطرية محلية وليست إيديولوجيا عابرة للحدود تسعى إلى قلب النظام العالمي.

ومن جانبها أكدت صحيفة لوموند الفرنسية في تقريرها الذي صدر مؤخراً بعنوان “صدى انتصار طالبان يتردد في منطقة الساحل”، أن فرنسا لن تبتعد على منطقة الساحل، وأن خفض عدد جنودها وإغلاق بعض القواعد العسكرية، ينضوي ضمن خطة استراتيجية جديدة للوجود العسكري في مالي.

TRT عربي