رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الإله ابن كيران  (AFP)

"شيء ما يحضَّر في الخفاء" هكذا أعلن عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية السابق، في كلمة نشرها على صفحته بالفيسبوك، لا تقل إثارة للجدل عن مثيلاتها. قالها ولم يفسر ماهية هذا الشيء، فاتحاً المجال لجدل التأويلات كي يتوارد، وزخم التحليلات حول فحوى ذلك التحذير كي يتصاعد وهو الذي اسم صاحبه وتاريخه كافيان لدمغه بطابع الجدية.

قال بن كيران ذلك قبل أن يصب جام انتقاده على حليفه السابق في الحكومة وغريمه الحالي في الانتخابات، الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش، الذي تلاحقه طوال الحملة الانتخابية وقبلها أصابع التعيير باستعمال المال لكسب الأصوات خلال الانتخابات الجارية.

وليس بن كيران المنفرد وحده في هذا التعيير، بل قبله دقت قيادات أحزاب مغربية أخرى ناقوس التنبيه لهذا الأمر. فيما يبقى ظهور بن كيران هو التي سمى بوضوح الوزير والأمين العام المذكور. فيما تفتح نطاقاً واسعاً لطرح الأسئلة حول الرسائل التي بعثها الوجه البارز لحزب العدالة والتنمية المغربي، وأي أثر سيكون لها على المسيرة الانتخابية؟

"شيء ما يطبخ".. بن كيران يحذِّر!

في كلمة نشرها على صفحته الرسمية بفيسبوك، قال عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية السابق والأمين العام السابق لحزب "العدالة والتنمية"، الأحد، إنه يشعر أنّ "هناك شيئاً يُحَضَّر في الخفاء (لم يذكره) بخصوص انتخابات 8 سبتمبر/أيلول الجاري". في وقت تشتد المنافسة الانتخابية بين حزبه ذي الـ125 نائباً بمجلس النواب الحالي وحليفه في الحكومة حزب "التجمع الوطني للأحرار" ذي الـ37 نائباً بقيادة وزير الفلاحة ورجل الأعمال المغربي عزيز أخنوش.

وأردف بنكيران أنه: "لا أدري هل سيُغيّر ذلك الذي يجري التحضير له من المعطيات أم لا، لكن أجزم أنّ ما يُرتب له ليس في صالح البلد". هو الذي قرر سابقاً عدم المشاركة في الدعاية الانتخابية، لكنه كسر صمته في اللحظات الأخيرة كون "الأحداث جعلتني أستشعر أنه من الواجب عليّ أن أساهم ولو بمقدار" على حد تعبيره.

فيما انهال على وزير الحكومة التي يقودها حزبه وغريمه الحالي في الانتخابات، عزيز أخنوش، بجام الانتقادات. حيث قال: "بين عشية وضحاها أصبح مطروحاً علينا التصويت عليه باعتباره رئيس الحكومة المحتوم، بعدما قاطع المغاربة شركاته". واستطرد أن الوزير "لا يملك شيئاً غير المال، وتعوزه الثقافة والتكوين السياسي".

بالمقابل "منصب رئيس الحكومة في المغرب يحتاج إلى وجه سياسي قريب من الشعب كي يقوم بدور الوساطة بينه وبين الدولة" أورد بن كيران. مشدداً على أن "المال لا يمكنه شراء المؤسسات" في دلالة على ما تعيبه عدة أطراف سياسية على أخنوش وحزبه بالاستعمال المفرط للمال في الحملة الانتخابية.

هذا ودعا بنكيران الشعب المغربي إلى التوجه بكثافة إلى مراكز الاقتراع يوم 8 سبتمبر/أيلول والإدلاء بأصواتهم، قائلاً: "أقول للمغاربة، قوموا لتصوّتوا بكثافة، لا تسمعوا لمن يقول لكم قاطعوا، فإنهم لا يفهمون". مؤكداً تحذيره: "أيها المغاربة، خذوا الاحتياط بخصوص من سيصبح غداً رئيس حكومتكم وأنتم تدلون بأصواتكم".

ما الذي "يطبخ في الخفاء"؟

تلويح بن كيران بنظرية "الموامرة" وبناء نظريته لمجهول لا يعلمه إلا هو، دون تقديم تفسير أكثر لما يقصد، فتح أبواب التأويل، كما التساؤل أكثر عن فحواه في هذا التوقيت بالذات.

من جانبها ترى الصحفية المغربية رجاء غرب في حديث لـTRT عربي بأن عادة بن كيران الذي "دائماً مايوجه خطابه إلى خصومه السياسيين برمي ورقة المؤامرة للمجهول، وغالباً ما يرفع ورقة أن شيئاً ليس على ما يرام في الخفاء، من يُحضر؟ وكيف؟ وفي صالح من؟ هذه الأسئلة التي لن تجد لها جواباً". مذكرة بأنه قام بالأمر نفسه سابقاً مع حزب "الأصالة والمعاصرة" حين نعته بـ"حزب التحكم" وها هو اليوم "اختار أن يواجه حزب التجمع الوطني للأحرار الذي ينزل بثقل استثنائي خلال هذه الانتخابات".

وتضيف الصحفية غرب بالمقابل فـ"هذه الانتخابات استثنائية، والأمر يظهر من الحملة الانتخابية والمنافسة المحتدمة خلالها، وخروج بنكيران يوم أمس ليس اعتباطياً، بل ليضعف الخصوم السياسيين لحزبه، مستغلاً مكانته في المشهد السياسي، وأيضاً تميزه بخطابٍ يحمل الكثير من الشعبوية التي لا يتقنها غيره في المغرب". ومن هنا فابن كيران هو "اللاعب رقم 10 لحزب العدالة والتنمية والذي يضعه في الضفة الاحتياطية، ويُخرجه متى ظهر له أن الخطر يقترب من الحزب، وبن كيران يقوم بهذا الدور لينقذ الحزب".

من جهة أخرى يعتبر أسامة باجي بأن بن كيران بظهوره "غير المتوقع" يحاول "الظهور مرة أخرى بمظهر الرجل الديمقراطي والرجل المناسب والحل الوحيد والأوحد للأزمة التي يعيشها المغرب". وهو "لم يخلف الوعد مرة أخرى مع خرجاته التي تربك المشهد السياسي المغربي" يورد الصحافي المغربي لـTRT عربي، مؤكداً أنها "ستخلق زخماً ونقاشاً خصوصاً داخل حزب العدالة والتنمية" كما "ستحرج كل الآليات التي يشتغل بها التجمع الوطني للأحرار" الذي اختار وسائل تواصلية جديدة على حد تعبيره.

فيما يفتح باجي بعداً آخر لحديث رئيس الحكومة السابق، إذ يقرأ فيه كذلك "رسائل للدولة" من خلال حديثه عن استغلال الوعود المالية وتوظيف الفنانين في الحملة الانتخابية، هي بالنسبة للصحفي المغربي إلا "رسائل لجهات تفوق عزيز أخنوش، ولا يمكن أن تكون إلا داخل الدولة ممن لهم المصلحة في صعود حزب أخنوش واستحواذه على المشهد السياسي المغربي".

هي رسائل للدولة أمر يوافقه في القول كذلك الصحافي والباحث المغربي نور الدين لشهب، الذي جزم بأن "الدولة داخلها أصوات مختلفة، وخروج بن كيران كان أحد أصوات الدولة الموجهة لأصوات أخرى داخلها تدعم المرشح عزيز أخنوش". مضيفاً في حديثه لـTRT عربي بأن ظهور بن كيران "يأتي مباشرة بعد تأييد رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس لأخنوش في مقال رأي، وبالتالي تحمل رداً على كلام الوزير الفرنسي السابق".

فالس الذي تحدث في المقال الذي نشره الأحد عن على أسبوعية "Le Journal du Dimanche" الفرنسية عن أن انتخابات 8 سبتمبر/أيلول بالمغرب ستكون ذات أهمية كبيرة على المستوى الدولي خاصة لأوروبا و إفريقيا. قائلاً بأنه يؤيد فوز عزيز أخنوش كونه "استراتيجياً ورجل أعمال عصرياً يملك رؤية اقتصادية واجتماعية من شأنها مواجهة التحديات التي تواجهها المملكة المغربية". بالمقابل تنبأ بهزيمة لحزب "العادالة والتنمية" ذي المرجعية الإسلامية.

في هذا الصدد يورد لشهب أن حديث بن كيران يعني "أن جهات من الدولة ليست مطمئنة لأخنوش، وهي ترد على الجانب الفرنسي تبعاً للمقاربة الملكية بتنويع الشراكات الدولية"، حيث الشراكة مع فرنسا واحدة من هذه الشراكات ولا تمنحها الحق للإدلاء بالرأي في الشؤون المغربية الداخلية حسب ما ورد في الخطاب الملكي الأخير. كذلك يرى الصحافي المغربي بأن "بن كيران ما زال حاقداً على أخنوش بعد الدور الذي لعبه في الإطاحة به من على رأس الحكومة إبان الانسداد السياسي سنة 2017" لهذا نجده يتحدث على أن "منصب رئاسة الحكومة يجب أن يوكل لشخصية سياسية ذات امتداد سياسي ونقابي داخل المجتمع وقريبة من الطبقات الشعبية".

TRT عربي