بعد جولة من المفاوضات المحمومة، اتفق زعماء المعارضة الإسرائيلية في الساعات الأخيرة من الفترة المتاحة لهم، على تكوين حكومة تتمكن من إنهاء ولاية بنيامين نتنياهو.

لم تكن تلك المفاجأة الوحيدة، إذ أثار توقيع رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس على اتفاق المشاركة في الائتلاف الحكومي، جدلاً واسعاً.

وعقب انعقادها في 23 مارس/آذار الماضي، فشل بنيامين نتنياهو خلال انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وذلك للمرة الرابعة خلال سنتين، في حصد الأغلبية التي تمكّنه من تشكيل الحكومة.

ويرى مراقبون أن عوامل عدة لعبت دوراً مهماً في ذلك، من بينها فشل نتنياهو في تحقيق الأهداف خلال العدوان الأخير على غزة واتهامه في قضايا فساد، وتغييره استراتيجيته تجاه العرب خلال الحملة الانتخابية، وانخفاض نسب الإقبال على المشاركة في الانتخابات، إضافة إلى نجاح عدة أحزاب في الحصول على التمثيل داخل الكنيست، وغيرها من العوامل التي أعادت تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي.

وقد فاز معسكر نتنياهو بـ52 مقعداً في الكنيست، فيما فاز التحالف المعارض لنتنياهو بـ57 مقعداً، ويضمّ تحالف "يش عتيد تليم" بقيادة يائير لابيد، حزب أزرق أبيض بقيادة بيني غانتس، وحزب العمل بقيادة ميراف ميخائيلي، و"إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب "الأمل الجديد" بقيادة جدعون ساعر، وميرتس، والقائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس.

ورغم أن القائمة العربية الموحدة فازت بـ4 مقاعد داخل الكنيست فإنها مثّلَت عاملاً فارقاً في ترجيح كفة المعارضة وإطاحتها بحكم نتنياهو.

"لسنا في جيب أحد"

فازت القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية) والقائمة العربية المشتركة بـ10 مقاعد خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية الرابعة، وتُعَدّ هذه النتيجة المنخفضة متوقعة، بخاصة بعد الانقسام الذي شهدته القوائم العربية، وعدم تمكُّنها من حشد الناخبين الفلسطينيين للمشاركة في الانتخابات.

وضمت القائمة العربية المشتركة 4 أحزاب: التجمع الوطني الديمقراطي، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، و الحركة الإسلامية الجنوبية. وبعد انسحاب الأخيرة خاضت الأحزاب العربية الانتخابات بقائمتين، هما القائمة المشتركة التي فازت بـ6 مقاعد، والقائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية) التي فازت بـ4 مقاعد.

وفي هذا السياق يتّهم مراقبون ومحللون بنيامين نتنياهو بالعمل على تفتيت الائتلاف الفلسطيني، إذ يعتقد الصحفي والكاتب البريطاني جوناثان كوك أن نتنياهو حاول التلاعب بالانقسامات في الصف الفلسطيني وتشجيع منصور عباس لتشكيل ائتلاف سياسي يمكن أن يساهم في تغيير المعادلة الانتخابية داخل البرلمان الإسرائيلي، الأمر الذي فنّده عباس في تصريحات لاحقة بقوله في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية: "لسنا في جيب أحد، لا يمين ولا يسار".

وفي الوقت الذي فشل فيه نتنياهو في تشكيل حكومته، سعت الكتل المعارضة سعياً حثيثاً لتشكيل حكومة بديلة، وأجرت لقاءات ومفاوضات مع الكتل التي تتشارك في هدف رئيسي هو عزل بنيامين نتنياهو المتهم في قضايا الفساد وصاحب أطول فترة خدمة رئيس وزراء.

وفي لقاء يُعَدّ الأول من نوعه، التقى منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة مع نفتالي بينيت زعيم حزب يمينا اليميني المتطرف، وذلك يوم الأربعاء 2 يونيو/حزيران، أي قبل ساعات قليلة من نهاية مهلة تشكيل الحكومة، ووقّع عباس على المشاركة في الائتلاف الحكومي، مما غير المعادلة ومكّن المعارضة من النجاح في اقتراح تشكيلة الحكومة التي تمتدّ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وستضمّ للمرة الأولى حزباً عربياً.

وستخضع هذه الحكومة لتصويت الكنيست لنيل الثقة في غضون 10 أيام، وإن فشلت في ذلك فستُجرَى الانتخابات للمرة الخامسة.

وتعليقاً على هذه الخطوة أعلنت القائمة الموحدة في بيان لها، أنها "وقّعت على دخول الائتلاف الحكومي برئاسة بينت-لبيد، بعد التوصل إلى اتفاق تاريخي مقابل مكاسب وإنجازات هي الأضخم والأوسع لصالح مجتمعنا العربي وحلّ قضاياه الحارقة، وميزانيات تتعدى 53 مليار شيكل (16.29 مليار دولار)".

وأثار ذلك جدلاً واسعاً وانتقادات عديدة لزعيم القائمة منصور عباس، الذي وصفته فاينانشيال تايمز بـ"صانع الملوك" الذي كان له دور في تحديد هُوية رئيس الوزراء المقبل.

هل يخترق صانع الملوك السياسة الإسرائيلية؟

"خضنا معركة من أجل مصلحة مجتمعنا العربي، وتوصلنا إلى اتفاق يخدم مصلحتنا ويعزّز مكانة الإنسان العربي في دولة إسرائيل، ويعزز مكانتنا السياسية وقدرتنا على التأثير في السياسة الإسرائيلية، وكان لا بد أن نخترق هذا الحاجز". بهذه الكلمات أجاب منصور عباس زعيم القائمة العربية الموحدة عن التساؤلات التي أثيرت حول التوقيع على اتفاقية المشاركة في الائتلاف الحكومي.

ويُعتبر منصور عباس، وهو طبيب وسياسي يبلغ من العمر 47 عاماً، أحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية الجنوبية التي انشقّت عن الحركة الإسلامية في إسرائيل سنة 1995. وترى الحركة أن الانخراط في العملية السياسية الإسرائيلية وفي الكنيست على وجه التحديد، أداة فعالة لخدمة المجتمع الفلسطيني في الداخل، الأمر الذي تختلف فيه مع الحركة الأم.

وبعد أن كانت القوائم العربية محيَّدة لوقت طويل داخل الكنيست، يرى مراقبون أن عباس، البرلماني منذ 2019 صاحب التوجه الإسلامي، تَمكَّن من كسر التعادل وترجيح كفة معارضة نتنياهو، ويصبح بذلك كما وصفه البعض بـ"صانع الملوك".

وتعقيباً على ذلك قال جورج بيرنباوم، كبير المحللين الاستراتيجيين وخبير استطلاعات الرأي في حملة بينيت: "إنها حقاً تشبه لعبة العروش، السياسة الإسرائيلية في الوقت الحالي، لم يكن بإمكان أحد توقُّع ذلك"، وأضاف: "إن تشكيل حزب إسلامي ائتلافاً مع رجل مثل نفتالي بينيت رئيساً للوزراء هو أمر سريالي. الحقيقة أغرب حقاً من الخيال".

يعبّر ما تمخضت عنه موجة المفاوضات الأخيرة عن تغيير في السياسة الداخلية الإسرائيلية وفي الدور الذي باتت تلعبه الأحزاب العربية، فهل سيكون للعرب داخل الكنيست الدور الذي تسعى إليه وعبرت عنه بتوقيع اتفاق الائتلاف الحكومي؟

TRT عربي