رغم الحظوة التي كان يتمتع بها الرئيس التونسي قيس سعيد لدى فرنسا منذ توليه الحكم، إلا أن موقف باريس تجاهه يبدو أنه بدأ يتغير مؤخراً على خلفية إجراءات 25 يوليو.

إلى جانب اختلاف المواقف في الشارع التونسي، فقد تباينت المواقف الدولية أيضاً إزاء الخطوة المفاجئة التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد، بإعلانه يوم 25 يوليو/تموز الماضي عن حل الحكومة وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن جميع النواب.

ورغم أن فرنسا كانت من بين الدول التي أبدت موقفاً متحفظاً في البداية، واكتفت بالدعوة إلى الالتزام بالمسار الديمقراطي، إلا أن الصحف الفرنسية سواء تلك التي تمثل الموقف الرسمي لباريس أو الصحف الممثلة لبقية التيارات والتوجهات السياسية، انخرطت مؤخراً في حملة إدانة واسعة لما وسمته بدكتاتورية قيس سعيد، وقيادته تونس نحو المجهول. لتطرح بذلك التساؤلات عما إذا كانت فرنسا قد غيرت موقفها تجاه سعيد وقررت عدم الاستمرار في دعمه، بعد المغازلات المتبادلة بين الطرفين والمثيرة للجدل.

الإعلام الفرنسي.. سعيد أخطر على تونس من بن علي

أثارت العناوين التي تصدرت الصحف الفرنسية الأسبوع الماضي فيما يتعلق بالملف التونسي انتباه الكثيرين، الذين تساءلوا عن سبب تغيير الإعلام الفرنسي قراءته للمشهد السياسي في تونس. حيث تحدثت العديد من الصحف التي تمثل الموقف الفرنسي، على غرار لومند، لوفيقارو، لوبوان وغيرها.. عن خطورة المنعرج الذي تمر به البلاد على خلفية الإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها قيس سعيد منذ 25 يوليو/تموز الماضي. حتى وصفته بعض عواميد الصحف بالدكتاتور واعتبرته أخطر على تونس من الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وتحت عنوان”انحراف الرئيس التونسي الاستبدادي” نشرت صحيفة لومند الفرنسية مقالاً اعتبرت فيه بأن قيس سعيد قد زجّ ببلاده في مغامرة حكم فردي واستأثر بكل السلطات و أشارت في السياق ذاته، إلى أنه وإن كانت غواية الاستبداد لدى قيس سعيد مغلّفة بتمجيد “الشعب” و”إحياء الثورة” فإنها تضع بشكل أحادي نهاية لعشرية تدرّب على ممارسة الديمقراطية البرلمانية 2011-2021. ولا يمثل الحدث كارثة للإرث الديمقراطي في تونس فحسب وإنما هو كذلك بالنسبة للعالم العربي قاطبة أين يتلألأ النموذج التونسي كبصيص أمل في معاقل الدكتاتوريات والحروب الأهلية، لكن هذه المنارة انطفأت”.

وحملت لومند قيس سعيد المسؤولية كذلك عن التدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، الذي كان السبب الرئيسي في تفويض فئة كبيرة من الشعب له في المضي قدماً في إجراءاته التي نسفت التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس.

واختتمت لومند المقال بالتشديد على أنه لا يمكن لتونس وهي على حافة الإفلاس المالي المجازفة بتأجيج فتنة مصطنعة ولم يفت الأوان بعد لتفادي السقوط في ورطة مماثلة. على سعيّد أن يعي -بغض النظر عن الشعب- أن المجتمع المدني التونسي موجود وأن تاريخه جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية. على سعيّد أن يفهم أن الإنصات لهذا المجتمع خير دافع لجهود الإنقاذ وأن تجاهله يفتح دوامة المجهول.

فيما اعتبرت صحيفة لوفيغارو أن ما أقدم عليه الرئيس التونسي وتمديده للإجراءات الاستثنائية وسعيه لتغيير النظام والدستور هو انقلاب دائم، وشاركتها في الرأي ذاته صحيفة لوبوان التي اعتبرت بدورها أن سعيد قد أهدر المكاسب الديمقراطية للتجربة التونسية.

باريس تتخلى عن سعيد؟

بالرغم من تطور العلاقات الديبلوماسية مع باريس منذ وصول قيس سعيد إلى سدة الحكم في تونس، إلا أن ذلك لم يسعف الأخير في كسب دعم دائم في توجهاته كافة، كما يرى ذلك خبراء ومحللون.

وبينما استمرت المغازلات والإطراءات بين الجانبين لفترة طويلة حتى بالغ قيس سعيد في إحدى تصريحاته الدبلوماسية واعتبر أن الاحتلال الفرنسي الذي عانت ويلاته تونس، مجرد حماية فرنسية ليثير بذلك جدلاً حاداً في الشارع التونسي، تشن الوسائط الإعلامية الفرنسية اليوم حملة انتقادات حادة لما اعتبرته انقلاباً واستحواذاً على السلطة.

وتحذو بذلك فرنسا حذو بقية الدول والقوى الدولية التي أدانت انتكاسة المسار الديمقرايطي بعد إجراءات قيس سعيد الاستثنائية والتي يرمي من خلالها تغيير نظام الحكم وتعليق الدستور وإقصاء مكونات المشهد السياسي في تونس.

ويبدو أن فرنسا تعلم اليوم كما يرجح ذلك مراقبون ومحللون أنه لا يمكن استمرار التنسيق مع تونس فيما يتعلق ببعض الملفات الإقليمية المشتركة، كما أنه لا يمكن الحديث عن شراكة تجارية واقتصادية في ظل العطالة السياسية والأزمة الخانقة التي تمر بها تونس حالياً والتي تتفاقهم حدتها يوماً بعد يوم.

TRT عربي