مع ارتفاع درجات الحرارة وتواتر الكوارث الطبيعية نتيجة التغير المناخي، أصبحت القطاعات الزراعية وبالتالي الأمن الغذائي للعديد من بلدان العالم مهددة، ليشكل ذلك عامل تحدٍّ ومنافسة بين القوى العالمية لتأمين غذاء الشعوب.

أطلقت العديد من دول العالم خططاً لمكافحة التغير المناخي الذي بات من أهم التحديات التي تواجهها البشرية جمعاء، وأصبح خطر تداعياتها يتزايد يوماً بعد يوم. وبينما يعد التغير المناخي في الأساس تحدياً يجب على جميع الجهود الدولية التضافر والتعاون لمجابهته، أصبح يمثل في الوقت ذاته موضوع صراع ومنافسة بين بعض أهم هذه القوى الدولية، على غرار الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي.

ولعل من بين أهم القطاعات التي تضررت بشكل متزايد بفعل التغير المناخي، قطاع الزراعة، لتدق بذلك نواقيس الخطر حول مسألة تأمين غذاء الشعوب. التي باتت ساحة للصراع بين القوى العظمى، التي تملك كل منها رؤى واستراتيجيات متناقضة حول كيفية تغيير نظام الغذاء العالمي.

إطعام العالم.. حرب باردة في الأفق

يؤكد خبراء ومحللون في تصريحات لموقع بوليتيكو أن الأمن الغذائي العالمي يتوقف على مدى قدرة النظم الزراعية في العالم على الصمود في مواجهة تغير المناخ وقدرتها على التعافي والتكيف معه. إلا أن كيفية تحقيق ذلك، شكل عامل مواجهة عالية المخاطر بين كل من الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي، مما يهدد أمن جميع شعوب العالم. حيث إن الحرب الباردة حول مستقبل الزراعة، التي بدأت تلوح في الأفق، بين القوتين الزراعيتين الثقيلتين في العالم، وإن كانت تهدد بتقويض العشرات من المليارات من التجارة الزراعية سنوياً، فإنها في الوقت ذاته تقوض جميع جهود التعاون والتنسيق المشترك في تحديد النظم الغذائية الحالية، والتي كانت سبباً رئيسياً في ارتفاع نسبة الغازات الدفيئة، حسب تقارير أممية رسمية.

واستجابة لتحدي الأمن الغذائي، أطلق الاتحاد الأوروبي في وقت سابق استراتيجية جديدة تحت عنوان "من المزرعة إلى الشوكة" والتي تهدف إلى تسريع الانتقال إلى نظام غذائي مستدام، وذلك من خلال خفض استخدام المبيدات إلى حوالي النصف بحلول عام 2030، مع ضمان أن يغطي الإنتاج العضوي ربع الأراضي الزراعية الأوروبية.

وتعليقاً على استراتيجية الاتحاد الأوروبي، قال وزير الزراعة الأمريكي توم فيلساك: "هذه وصفة لكارثة حقيقية، وإذا اتبعت جميع البلدان النموذج الأوربي، فستنخفض نسبة المحاصيل بحوالي 11% وسترتفع أسعار الغذاء بحوالي 89%، وبالتالي سيكون ذلك تهديداً خطيراً للأمن الغذائي". وأضاف فيلساك :"يجب إطعام العالم بطريقة مستدامة. ولكن يجب عدم التضحية بالإنتاجية من أجل الوصول إلى الاستدامة."

وبينما عبرت الولايات المتحدة عن معارضتها الشديدة لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي، فقد أعلنت في السياق ذاته، عن نيتها تشكيل تحالف دولي جديد لزيادة إنتاج الغذاء بطريقة مستدامة. وربما ستنطلق في تنفيذ ذلك بدءاً من الأمريكيتين.

ويبدو أن ذلك لن يكون سهلاً، حيث إن الولايات المتحدة قد تأثرت منذ فترة طويلة، بالمعايير الغذائية العالمية التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى فرضها ضمن سياسته التجارية، وفي حال نجحت هذه المعايير في الانتشار، فقد تمهد بالتالي الطريق لانتشار النموذج الأوروبي.

"من المزرعة إلى الشوكة".. هل تسبب مجاعة عالمية؟

وفي إطار استراتيجية " من المزرعة إلى الشوكة" تسعى باريس إلى جانب بقية بلدان الاتحاد الأوروبي، إلى سن قوانين وتشريعات لفرض مزيد من القيود على الواردات القادمة من عدة بلدان والتي تعتبر معاييرها أدنى من المعايير التي حددها الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك درجة استخدامها المواد الكيمياوية الزراعية. وفي هذا الإطار، تحذر الجهات المختصة في الولايات المتحدة من أن تؤدي هذه القيود التجارية إلى فرض نموذج وخيار الأوروبيين، في تحديد النظام الغذائي، على بقية بلدان العالم.

وفي السياق ذاته، اعتبر اختصاصيون ومسؤولون أمريكيون أنه كان من الأحرى استبدال استراتيجية الاتحاد الأوروبي، بتقنيات ذكية مناخياً لضمان زيادة الإنتاج بطريقة مستدامة، مثل تقنية تحرير الجينات وتقنيات الذكاء الاصطناعي والزراعة الدقيقة، وغيرها.

ولم تكن الولايات المتحدة الطرف الوحيد الذي حذر من حدوث مجاعة عالمية، إذا ما نفذ مخطط الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالأمن الغذائي استجابة لتحدي التغير المناخي. حيث أصدر لوبي المزارعين في الاتحاد الأوروبي بياناً شديد اللهجة في وقت سابق، ينتقد خطة "من المزرعة إلى الشوكة" التي ستؤدي حتماً إلى انخفاض كبير في الإنتاج، ودعا البيان إلى إجراء مزيد من الأبحاث والدراسات حول تأثير الاستراتيجية قبل البدء في مناقشتها في بروكسل.

وبالتالي فإن الصراع والتنافس الصامت الذي يحتدم بين كل من الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي، قد يعمق الأزمة التي ستمتد إلى جميع بلدان العالم بالضرورة، في وقت تتعالى فيه الأصوات لضرورة التضافر لمجابهة التغير المناخي وإيجاد حل للأمن الغذائي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً