حزب ماكرون تراجع في الانتخابات إلى جانب حزب لوبان (AFP)

الظاهر أن خدَّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يتعب بعدُ من تلقِّي الصفعات، وبعدَ الأولى التي أوكلها إليه داميان تاريل قبلَ أسبوع، الآن يُجمع الشعبُ الفرنسي بأكمله على منحه الصفعة الثانية (على حد وصف نائبة الحزب الحاكم)، على شكل مقاطعة عامة للدور الأول من الانتخابات المحليَّة الذي جرت أطواره أمس الأحد 20 يونيو/حزيران.

مقاطعة بنسبة فاقت ثلثَي المسجلين في اللوائح الانتخابية في سابقة طوال تاريخ الجمهوريَّة، فشل الرئيس وحكومته في إقناع الناخبين بجدوى التوجه إلى صناديق الاقتراع بعد ولاية -تشارف على نهايتها- طبعتها السياسات المجحفة في حقة وميَّزها الاحتجاج الدائم في شوارع باريس. فكان هذا العقاب ليس رفضاً للعملية الديموقراطية بل كان عقاباً لحكومة لطالما أساءت إلى هذه الديمقراطية. وهذا ما انعكس على النتائج الأوليَّة التي تظهر بجلاء هزيمة الأغلبية الحكومية.

مقاطعة سابقة في تاريخ الجمهورية

أغلقت مساء أمس مراكز الاقتراع الفرنسية على نسبة مشاركة هي الأضعف طوال تاريخ الجمهورية، فلم تتعدَّ 26.72%. فيما عزف أكثر من فرنسيَّيْن اثنين من بين كلِّ ثلاثة عن الإدلاء بأصواتهم، في انتخابات جهويَّة هي الأخيرة خلال ولاية ماكرون قبل رئاسيات 2022.

هذا ما أوضحته استطلاعات لمؤسسات مختصة في سبر الآراء قدَّرت نسبة الامتناع عن التصويت بأزيد من 68% في "سقوط حرِّ" لنسب المشاركة، كما عنونت ذلك الصحافة الفرنسية، مشيرة إلى أن العزوف حطَّم هذه المرة رقماً قياسياً في تاريخ الجمهورية مقارنة بـ49% التي سجلت خلال استحقاقات 2015 و 46.33% في 2010.

وتلعب هذه الانتخابات دوراً مهماً في قياس مزاج الكتلة الناخبة الفرنسية، وبذات الكيف امتحاناً للنخب السياسية، بوصفها (أي الانتخابات) آخر امتحان قبل العبور إلى الرئاسيات التي لا تفصل باريس عنها إلا شهور قليلة.

في المقابل، تأتي المقاطعة العامة، حسب ما يرى مراقبون، كجواب سياسي واضح لأربع سنوات مرَّت من ولاية ماكرون التي سعى فيها جاهداً لتفكيك الساحة السياسية الفرنسية بضرب اليسار وملاحقته بتهم مفتعلة كـ"الإسلاموية اليسارية"، وتفكيك اليمين الجمهوري من الداخل عبر إقحامه في دوامة الأغلبية الحكومية التي لا تجمع كلُّ قواعده على مخرجاتها، كي تتسنى له مواجهة لوبان في الدور الثاني للرئاسيات، مع الرهان على أن الفرنسيين سيشكلون سداً أمام فوز زعيمة التجمع اليميني المتطرِّف.

أسباب اجتماعية وثمن سياسي

"لا أحد يمكنه الاحتفال الليلة، هذا العزوف الفظيع يسائلنا جميعاً"، يقول الناطق الرسمي باسم الحكومة الفرنسية غابرييل أتال تعليقاً على نتائج المشاركة الضعيفة. فيما يرجع برونو جانبارت رئيس مؤسسة فرنسية لسبر الآراء، الأمر إلى "هوَّة كبيرة آخذة في الاتساع بين العرض السياسي وانتظارات الناخبين. وأغلبهم لا يجدونَ بُدّاً من التوجه نحو مكاتب الاقتراع للإدلاء بأصواتهم".

هوَّة يفسِّرها موقع Médiapart في الخطاب الانتخابي الذي عوض أن يتطرَّق إلى الهموم المحليَّة للمواطن الفرنسي لكونها انتخابات جهويَّة فضَّل أن يخوض في جدل الملف الأمني وقضايا الهجرة واللجوء، واقتصر النقاش الانتخابي على معادلة: "أجندة ماكرون" ضد "أجندة لوبان"، ما جعل المقاطعة في الأخير أكبرَ فائز في الانتخابات.

ويضيف المصدر المذكور: "لا يمكن لهذه المقاطعة أن تفسَّر بهطول المطر أو ضربة الشمس أو الرغبة في رمي صنارة صيد يوم العطلة. بل هي وكما أعلنها الناخبون سابقاً عصيان مدني عبَّر عنه مواطنون نصفهم الأكبر كان في ما مضى مواظباً على منح صوته"، كما نقل عن متحدِّث من الحزب الحاكم شهادته بأنه: "لا علاقة للخوف من كورونا بالمقاطعة، فهي فعل واسع ولا داعي لتحجيمه لأنه ظاهر بوضوح".

فيما أدَّت هذه المقاطعة إلى تكريس سيادة الأحزاب التقليدية، الحزب الجمهوري والحزب الاشتراكي، الذين حصَّنوا بقوة قواعدهم على مستوى المناطق، ضمن خارطة سياسية ثابتة رجحت الكفة لصالح الرؤساء المنتهية ولايتهم. بعد أن أزاح العزوف الكتلة الناخبة المتأرجحة من المعادلة، بقي المجال مفتوحاً أمام الأسماء التقليدية على كراسي المجالس. بينما تلقى كلٌّ من "الجمهورية إلى الأمام" الماكروني و"التجمع الوطني" اللوباني هزائم نكراء في أغلب المواقع.

وبالتالي هي صفعة على خد ماكرون كما وصفت ذلك نائبة برلمانية من الحزب الرئاسي على القناة الفرنسية الثانية، يتلقاها قبيل الرئاسيات بأشهر، تبرز أن لا قواعد حزبية قوية له على المستوى المحلي، ولا حتى برنامج يمس المواطن الفرنسي في معيشه اليومي. بل ووسَّعت سياساته الفوارق بين المراكز الحضارية الكبرى وأطراف البلاد، وهذا ما شهدناه ينفجر في احتجاجات السترات الصفراء التي وصفها أكاديميون وقتها بأنها: "ثورة الهامش الفرنسي على نخب المركز".

صفعة كذلك تلقَّتها مارين لوبان التي كسر الدور الأول صعودها المضطرد وضرب في عمق الهالة الإعلامية التي أخذت في التشكل حولها منذ شهور. فحقق مرشح وحيد باسمها الصدارة في جهة آلب-كوت دازور جنوبي البلاد. فيما كان سقوط مرشِّحها سيباستيان شونو في جهة إيل دو فرانس هو الأقسى لسببين: الأول لأنه أضاع رئاسة مجلس جهة العاصمة، والثاني لأنه خسر أمام الجمهوري كزافييه بيرتراند أحد أبرز المرشَّحين لرئاسيات 2022، مما يمثِّل دفعة كبيرة لشعبيته ويمكنه من قوة إضافية للتنافس على كرسي الإيليزيه.

TRT عربي