تسجل فرنسا سنوياً ما بين 300 و500 ضحية من ضحايا العمالة القسرية (Others)
تابعنا

بعد مرور زهاء قرنيْن على إلغاء فرنسا العبودية وتجارة الرقيق، وطيها صفحة من صفحات تاريخها المظلم والمخزي، يفاجأ الجميع اليوم، بعبودية معاصرة وغير واضحة، متفشية في المجتمع الفرنسي.

ويعد من بين أهم أشكالها، وفق ما أشارت إليه لجنة مكافحة العبودية الحديثة في فرنسا، العبودية المنزلية، والتسول القسري، والعبودية الجنسية، والعمالة القسرية، وأماكن العمل المستغلة للعمال، وغيرها من الأشكال الكثيرة الأخرى، التي تقوم على انتهاك حقوق الفئات الضعيفة والأطفال والمهاجرين واللاجئين، مقابل تحصيل أرباح ضخمة للمشغلين والمستغلين.

وفي هذا السياق تحدثت مؤخراً العديد من التقارير الإعلامية عن نضال حقوقي مستمر في فرنسا، من أجل وضع حد "للعمالة القسرية" أو "العمل الجبري"، وسط تخاذل حكومي لإنقاذ مئات وآلاف الضحايا من المشغلين المتلاعبين والمستغلين.

العمالة القسرية.. عبودية غير مرئية

اعتبرت منظمات حقوقية أن الاستغلال في العمل، والعمل الجبري، يعد شكلاً من أشكال "العبودية الحديثة". ودعت المؤسسات الحكومية إلى ملاحقة المستغلين والمتورطين في ذلك.

وفي تصريح له لوسائل إعلامية محلية، كشف الكابتن ميت، من المكتب المركزي لمكافحة العمل غير القانوني في فرنسا، أنه منذ عام 2016، تسجل مراكز الشرطة والدرك بشكل سنوي، ما بين 300 و500 ضحية من ضحايا العمالة القسرية، أو العمل في ظروف لا إنسانية.

وفي التعليق على هذه الأرقام قال العقيد دومينيك لامبرت : "هذه الأعداد ليست سوى غيض من فيض.. العديد من الضحايا لا يجرؤون على التنديد بهذه الانتهاكات أو الشكاية، لأنهم لا يعرفون في الواقع حقوقهم كما يخافون من العواقب التي ستترتب عن ذلك".

ويتواجد هؤلاء الضحايا في الغالب، في منشآت البناء، والزراعة، والمطاعم، والحرف اليدوية، والأعمال التجارية الصغرى، والعمل في منازل الأثرياء، وغيرها.

ويدرون بذلك الكثير من الأموال إلى المستغِلين والمشغلين، إذ يعملون طوال 15 ساعة متواصلة في اليوم دون أي أجر، أو بأجور زهيدة جداً، ويجرى إطعامهم في المقابل بأبسط الوجبات، وينامون على الأرض أو في الحاويات.

ويمثل غالبية هؤلاء الضحايا، المهاجرين واللاجئين القادمين من غرب إفريقيا والمغرب العربي وإريتريا. ولا يستثنى من ذلك الكبار في السن أيضاً، الذين تضطرهم ظروف بلدانهم إلى الهجرة والبحث عن عمل، ويمثلون القادمين من جنوب شرق آسيا، و الفلبين، و إندونيسيا و سريلانكا. والذين تعدهم العديد من الوكالات بالعمل اللائق والراتب والمستندات الثبوتية والرسمية. ليجدوا بعد ذلك أنفسهم بأوراق مزورة، ومضطرين للعمل تحت أي ظرف كان.

فعدم إجادة لغة البلد الذي هم فيه، أو عدم معرفة حقوقهم، أو احتجازهم في أماكن العمل من المشغلين وتهديدهم بالعقاب، كفيل بإبقائهم سنوات طويلة في عبودية غير مرئية.

وانطلاقاً من هذه الوضعيات المأساوية واستفحال هذه الآفة في المجتمع الفرنسي، خاصة مع توافد الآلاف من المهاجرين في السنوات الأخيرة، تتهم المنظمات الحقوقية السلطات الفرنسية في التقصير في معاقبة المشغلين والمستغلين لهؤلاء الضحايا، والتغاضي في الغالب عنهم.

كما يعتقد أخصائيون وحقوقيون، أنه رغم إلغاء العبودية عام 1848 في فرنسا بشكل رسمي، فإن اللوائح القانونية لاتزال قاصرة عن البت في العديد من قضايا العبودية الحديثة، وتفتقر إلى التجديد.

وأدينت فرنسا لأول مرة عام 2005 من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ECHR، لتقصيرها في محاسبة المتهمين في قضية العبودية الحديثة. وتعود القضية إلى تسعينات القرن الماضي، حين وظفت فتاة شابة من التوغو، بدون أجر طوال أربع سنوات، لخدمة عائلة فرنسية في باريس في ظروف لا إنسانية.

العبودية الحديثة.. آفة عالمية

تشير التقديرات إلى أن العبودية الحديثة تؤثر اليوم على أكثر من 45 مليون شخص في العالم. وتعد الصراعات والأزمات المشتعلة في عدة دول وفي مقدمتها بلدان القارة الإفريقية، بمزيد نمو هذه الظاهرة والآفة، خاصة مع عدم كفاية ردة الفعل الدولية تجاه هذه القضية.

وتتهم المنظمات الحقوقية بعض هذه الدول والأطراف بالتغاضي عن هذه الجريمة الإنسانية، لما توفره من أرباح وأموال ضخمة. إذ إن ضحايا العبودية الحديثة الذي يعملون خدماً داخل المنازل وفي مجال الزراعة والعمران وفي المناجم، في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، يوفرون أرباحاً سنوية تقدر بنحو 46.9 مليار دولار.

وبينما أصبحت ظاهرة العبودية الحديثة، توفر أموالاً طائلة للبلدان الاقتصادية، بنسبة أقل من المخاطر، فإن مصداقيتها في محاربتها قد توضع على المحك، وفق تعبير خبراء ومحللين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً