طائرة عسكرية أمريكية تحط في إحدى القواعد العسكرية في الخليج (Reuters)

في الحقيقة لا يتحدث مورفي عن الشرق الأوسط ككل، وإنما يخصص حديثه لمنطقة الخليج، محاولاً اقتراح مبادئ سياسة عامة لمقاربة جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه هذه المنطقة شديدة الحساسية.

والناظر إلى تغريدة مورفي عن مقاله على منصة تويتر يلحظ دون عناء مقدار ما قد تسببه هذه المقالة من قلق لدى بعض العواصم في المنطقة.

فالسيناتور الأمريكي يقول (بتصرف) إن القضية التي يناقشها في المقال بسيطة للغاية، وهي أن العلاج الذي تسعى إليه أنظمة الخليج العربي من الولايات المتحدة، ويتمثل في الدعم العسكري لحروب الوكالة التي تخوضها ضد إيران مع غض الطرف عن القمع السياسي الذي تمارسه هذه الأنظمة ضد معارضيها، إنما سيقتل "المريض" في النهاية. ويعني مورفي بالمريض هنا العلاقة بين أمريكا ودول الخليج العربي.

يعتقد مورفي في مقاله، الذي يتحامل فيه كثيرا على دول الخليج بينما يتساهل إلى حد بعيد مع إيران، أنه قد حان الأوان للاعتراف بوجود خلل مركزي في صميم النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة تجاه الخليج العربي.

فأهم أولويتين لدول مجلس التعاون الخليجي في علاقتها مع واشنطن، حسب وجهة نظره الاختزالية كما يرى مراقبون، هما تأمين استمرار تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية لخوض حروب إقليمية بالوكالة، والحفاظ على الصمت الأمريكي تجاه السياسية القمعية الداخلية التي تنتهجها هذه الدول ضد معارضيها.

ويرى مورفي أن هذه السياسة التي وصفها بـ"القمعية" سوف تدمر مجلس التعاون الخليجي في نهاية المطاف. وعليه يخلص السيناتور إلى أنه يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى استبدال هذا الأساس المعطوب بنظام جديد يدعم وجود نظام خليجي مسالم، مليء باقتصادات وطنية مستقرة ومتنوعة، وحكومات تتمتع بحسن الاستجابة لتطلعات مواطنيها وآمالهم.

ويرى مراقبون أن مورفي إنما يكيل بمكيالين في تعاطيه مع هذه القضية الحساسة، وهو يتقاضى عن حقيقية أن إيران ومن خلال أذرعها في المنطقة إنما تهدد استقرار العديد من دولها.

ويستمر مورفي في مقاربته بتأكيده على أن مقاربة الولايات المتحدة الجديدة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تبنى على المبادئ الاقتصادية، والدبلوماسية، والحوكمة الرشيدة، بدلاً من علاقة قائمة على مبدأ الشراكات الأمنية التي وصفها بـ "الوحشية". وهذه المقاربة المتكاملة هي وحدها القادرة على أن تعود بالفائدة على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.

ويعتبر مورفي واحداً من أشد المعترضين على دعم بلاده للسعودية والإمارات في حربهما على اليمن، ويعتبرها شريكة معهما في قتل المدنيين في اليمن. كما عارض إتمام صفقة بيع أسلحة إلى دولة الإمارات بلغت قيمتها 23 مليار دولار، شملت نحو 50 مقاتلة "F-35 لايتنينغ 2" و18 طائرة مسيرة "إم.كيو-9بي"، ومجموعة من ذخائر "جو ـ جو" و"جو ـ أرض".

وحسب اعتقاده فإن الإمارات لديها تاريخ طويل في نقل الأسلحة الأمريكية إلى "المليشيات المتطرفة"، وقد جاء في نص تغريدته على تويتر أن "الإمارات انتهكت القانون الدولي في ليبيا واليمن، ورغم أنها حليف لنا (للولايات المتحدة)، لكن لا مفر (من الإقرار) بأن لديها تاريخاً في نقل الأسلحة الأمريكية إلى المليشيات المتطرفة".

يرى مورفي أن الخطوة الأولى في هذه المقاربة الجديدة إنما تبدأ من خلال تراجع الولايات المتحدة عن دعم حروب دول مجلس التعاون الخليجي بالوكالة مع إيران على وجه التحديد، في تلميح منه إلى أن دول الخليج هي الطرف البادئ لسلسة هذه الحروب.

وفي الوقت الذي يقر فيه بطريقة ناعمة أن إيران تعتبر خصماً للولايات المتحدة، فإنه يرى أن سلسلة الصراعات التي "تسخن حيناً وتبرد حيناً آخر في العراق ولبنان وسوريا واليمن" إنما عززت ببساطة من نفوذ إيران في المنطقة، وخلقت "مستويات كارثية من المعاناة الإنسانية". وفي الوقت الذي يعترف فيه بوجود نفوذ لإيران في هذه الدول المستقلة، إلا أنه لم يوجه أي انتقاد لطهران على سياساتها التدخلية في هذه الدول.

وعلى الرغم من أن انسحاب واشنطن من انخراطها في مثل هذه الحروب سوف يسبب "ذعراً فورياً" في عواصم الخليج العربي، فإن ذلك، حسب ما يرى مورفي، قد يسبب ضرراً أقل من حالة استمرار الاعتقاد الخاطئ بأن تدخل الولايات المتحدة العسكري قد يحسم الأمر لمصلحتهم.

ولذلك فهو يطالب بأن تعيد الولايات المتحدة التفكير جدياً في سياسة انتشارها العسكري في منطقة الخليج، فالوجود العسكري الأمريكي حالياً لا يسهم في تعزيز الاستقرار، حسب وجهة نظره، بل في إدامة مدى الصراعات.

تعتبر هذه المقاربة وليدة رؤية راسخة لدى قطاع واسع من المشرعين الديمقراطيين. وقد رسخ إطارها العام الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي همّش دول الخليج في مفاوضات بلاده التي عقدتها مع إيران بصحبة مجموعة 5+1 للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، وهو الخطأ الذي ربما يقع فيه خلفه الرئيس بايدن، فالمحادثات التي تجري في فيينا حالياً حول الاتفاق النووي الإيراني تشهد غياباً تماماً لدول الخليج.

ويرى خبراء أن هذه الرؤية، وما ينبثق عنها من حديث عن مقاربات جديدة تجاه المنطقة، إنما تعد في أفضل الأحوال قاصرة عن مواكبة التطورات في المنطقة، ولا تنسجم مع جوهر الصراعات فيها. فإعادة فتح ملف تقييم سياسة الولايات المتحدة مع دول مجلس التعاون الخليجي، يجب أن يضع بالحسبان أبرز الهواجس التي تقلقها. ولا شك أن التعاطي مع النفوذ الإيراني في المنطقة، ومحاولة وضع حد له، يعتبران على رأس هذه الهواجس، ولذلك يطالبون إدارة الرئيس بايدن بمقاربة أكثر شمولاً في التعاطي مع طهران.

ففي الوقت الذي يجب أن تعزز الولايات المتحدة فيه دورها بحرمان إيران من حيازة السلاح النووي من خلال التوصل إلى اتفاق جديد أكثر فاعلية، عليها أيضاً أن تسعى إلى وضع حد لسياسة إيران الإقليمية في دعم "المليشيات" التي يراها الكثيرون مزعزعة للاستقرار، ومهددة لدول الجوار.

غابت هذه المقاربة الشاملة عن المقترح الذي قدمه مورفي في مقاله. فإيران لم تُذكر في المقال إلا بكونها الطرف الضحية، متجاهلاً سياستها الإقليمية، وبرنامجها الصاروخي والنووي على حد سواء. وهو في الوقت الذي يدعو البيت الأبيض إلى عدم إعطاء دول الخليج العربي "فيتو" على أي اتفاق قادم مع إيران، فإنه يقترح أن يتم عقد مجلس حوار إقليمي أمني بغرض التوصل إلى حلول ترضي الأطراف تجاه تخفيض حدة التوتر في المنطقة.

ويختم مورفي حديثه بأن هذه المقاربة المقترحة قد تُغضب صناع القرار في دول الخليج، ولكنها لن تدفعهم إلى تغيير تحالفاتهم والذهاب نحو دول أخرى كالصين وروسيا، وذلك لمعرفتهم بمدى أهمية الإبقاء على تحالفهم مع الولايات المتحدة من جانب، ولعدم توفر القدرات اللوجستية عند الأطراف الأخرى للحلول مكان الولايات المتحدة في المنطقة. ولذلك فهو يدعو بايدن إلى انتهاج هذا المسار على الرغم من كل الآلام التي قد يصادفها فيه. وهو ما دفع مراقبوا للتساؤل إذا ما كان مورفي يدعو بلاده لاستبدال سياستها الخطرة في المنطقة بسياسة أكثر خطورة؟


TRT عربي
الأكثر تداولاً