مزّقت الحرب الطويلة في سوريا النسيج الوطني الموزّع بين طوائف متعددة وانتماءات مختلفة، وهذا ما يراه البعض أكثر خطورة مِن الدمار الذي طال البنية التحتية، واقتصاد البلاد ومستقبلها المادي على المدى البعيد، وباتت تتضح في ردودهم عمّا يحصل لغةٌ عدائية.

لم يصل السوريون إلى ما هم عليه الآن إلا بجهد كبير من نظام البعث ليتمكّن من البقاء في السلطة أطول مدّة ممكنة، ولذلك عَمَد إلى تعزيز المناطقية والطائفية وخصوصاً بعد التظاهرات الكبرى عام 2011، وهذا ما يؤكّده الدكتور إياس الرشيد أستاذ اللغة العربية في جامعة أتاتورك في حديثه لـTRT عربي: "لم يكن أمام النظام لتمزيق التضامن الذي عاشه السوريون في سنوات الثورة الأولى بعد استعادتهم مفهوم المواطنة وأنّهم شعب واحد، سوى اللعب على وتر تخويف مكونات الشعب مِن بعضها حتى يعود التخندق الذي عاشوه قبل الثورة، وأنّ القبيلة أو الطائفة هي الملاذ الذي يحميهم مِن المجهول".

في المقابل يحمّل النظام مَن رفعوا شعارات الثورة مسؤولية التحريض الطائفي والمذهبي، وتصاعد الكراهية بين السوريين، وأنهم رفعوا الرايات السوداء والشعارات الدينية للتحريض على الدولة.

الدكتور الرشيد يرى أنّ الأمر هو عكس ما يتحدث عنه النظام وموالوه: "حالة التضامن التي عاشها السوريون في أول الثورة سُرعان ما تهشَّمت أمام حمّام الدم الطويل وعبث النظام والقوى الخارجية بطموحات السوريين، فأُحدثت مشاريع سياسية لم تكن مشروع الثورة الأساسي، وصارت هناك طموحات قومية ودينية، ونشأ تخندُقٌ جديد سرعان ما صار هو الميكانيزنم المحرك للحالة السورية ابتداءً من 2013".

الصحفي (ي.ف) ما زال يعيش في دمشق وشهد الانقسامات الأولى في نسيج المجتمع السوري يقول لـTRT عربي: "في الوقت الذي كان النظام يتحدث فيه عن حالة تحريض طائفية ضد مؤيديه، نشرَ الدبابات لحماية مساكن الضباط وتركَ بقيّة المناطق عرضة للاشتباكات وهذا ما عزز الشعور لدى سكانها بأنها مستهدفون ولا أحد يحميهم، وأنّ الجيش في خدمة فئة معينة".

كراهية بالجملة

الانقسامات بين السوريين وصلت حدّ الكراهية والتنمر، ولم تعد حالة سياسية ناتجة عن خلاف حول شكل نظام الحكم والأداء الحكومي، وظهرت التناقضات بشكل حاد حتى بين سوريي الداخل والخارج، وبين العائلة الواحدة، وطالت حتى اللاجئين من شماتة بأوضاعهم الحياتية وظروف حياتهم الصعبة في المخيمات.

حادثة حصلت منذ أيام أوضحت مدى حالة الانقسام بين السوريين الذي ينتمون إلى طيف واحد، حين خلعت مذيعة حجابها فأثار ذلك صراعاً على مواقع التواصل بين متّهم لها ومتعاطف معها.

عميد كلية الإعلام السابق بجامعة دمشق وعميد كلية الإعلام في الأكاديمية الدنماركية حالياً الدكتور كمال الحاج كتب في منشور على صفحته على فيسبوك ما يلي: "مؤلم هذا الانقسام بين السوريين على أمور غريبة، عندما استبدل ممثل أنفه وعندما وضعت مذيعة حجابها وإلخ.. نحن شعب للأبد منقسم".

وفي حديث مع TRT عربي يفصّل الدكتور الحاج في شرح أسباب ما يجري من كراهية وتنمر: "مثلاً قضية ترك مذيعة لحجابها ولها برنامج اجتماعي سياسي ناقد يركز على أخطاء وعثرات الأداء الحكومي والسياسي السوري، لاحظنا أنّ السوريين انقسموا بشكل حادٍ وشديد اللهجة، وهذا يوصلنا إلى أنّ السوريين سواء في الداخل أو في الخارج، أحياناً، نتيجة قلّة الثقافة والمعلومات، يندفعون من ضفّة إلى أخرى ويتذبذبون في مواقفهم".

نمط آخر من الكراهية يبرز بين سوريي الداخل والخارج خصوصاً فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها مَن هم تحت سيطرة النظام، وتبرز بين فترة وأخرى منشورات تحمّل مسؤولية ما يحصل للذين غادروا البلاد.

هذه الاتهامات فيها الكثير مِن الإجحاف بحق اللاجئين في الخارج كما يرى الدكتور الحاج: "الموجودون في الداخل يحمّلون مسؤولية ما يحصل لهم من عقوبات خارجية واقتصادية وقانون قيصر وكلّ الأزمات المعيشية للذين في الخارج، ويحملونهم مسؤولية تحريض المجتمع الدولي على سوريا".

الشماتة بالأموات.. لماذا؟

وسائل التواصل أيضاً تعجّ بالشامتين بموت الخصوم السياسيين حتى بين الطيف الواحد، ويجدون في مناسبات كهذه فرصة لِنكء أخطائه وشتمه ولعنه.

وفي هذا يرى عدنان عبدالرزاق في حديثه لـTRT عربي أنّها مِن دلالات الكراهية التي وصل إليها السوريين: "تكثر دلالات الخلاف، إنْ لم نقل الكراهية، أثناء وفاة عَلَم أو مثقّف سوري، فإن كان مِن المحسوبين على ضفّة المعارضة، ترى أنصار الأسد وحاضنته، ينهالون شتماً وسباباً للمتوفى، أو يجرّدونه من كل محاسنه على أقل تقدير، وأكثر التعابير لا تراعي أدباً أو حرمة للميت، والعكس طبعاً صحيح".

في الأسباب التي أدّت إلى هذا التصدّع في النسيج الوطني، ما إذا كان طبيعياً في بلاد دمّرتها الحرب وتلاشى فيها أمل الناس بالخلاص والحرية، قال عبدالرزاق: "أغلب الظن أنّ العلة في الأمرين معاً، هذا طبعاً إن لم نأت على بعض الأسباب الوجيهة التي خلقت بذور الكراهية، سواء من تسييد فئة محددة على غالب مكونات الشعب، أو هضم الحقوق وقهر السوريين خلال العقود الماضية، ما وسّع الفجوة بين مكونات الشعب السوري وزاد من جهلهم ببعضهم، وربما يُجمِع كثيرون، على أنّ السوريين لم يعرفوابعضهم، جغرافياً وبشرياً ولم يتعرفوا على عاداتهم وطقوسهم الدينية إلا بعد الثورة عام 2011).

بينما يرى الدكتور الحاج أنّ هذه الانقسامات الكبرى ساهمت في صناعة الكراهية: "أعتقد أنّ الأزمة التي امتدت أكثر مِن عشر سنوات تركت نوعاً مِن الانقسام السوري الحاد، ولهذا الانقسام أسبابه السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية سواء كان من هذا الطرف أو ذاك، وهذا شيء ترك أثره الكبير بين السوريين، وأنتج نوعاً مِن خطاب الكراهية الذي برز بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي".

هل يكره السوريون بعضهم؟

هل باتت الكراهية قَدَر السوريين الذي يحول دون عودتهم إلى سابق حياتهم قبل سنوات الحرب، أم أنّها حالة طارئة ستزول بعد نهاية حقبة القتل والاستبداد؟

يرى الدكتور الحاج أنّ الأمر في غاية الصعوبة خصوصاً مع الأجيال التي ولدت في مجتمعات جديدة أخذت منها صفات وأساليب تفكير جديدة: "الشباب الذين درسوا في مدارس أوروبا تعرّضوا لثقافات أكثر انفتاحاً وأكثر قدرة على التعبير عن الرأي وأكثر قدرة على النقاش حتى مع كبار السن والآباء، والحرية الكاملة لإبداء الرأي في أي موضوع مهما كان حساساً، هذا الكلام لم يتعوّد عليه السوريون في الداخل، وهذا ترك حالة اختلاف بين السوريين في الداخل والخارج".

هذا الانقسام وجملة التناقضات بين السوريين يصل معه الدكتور الحاج إلى نتيجة قاسية: "هذا الكره للأسف يتجذّر ويتأصّل بشكل كبير جداً بين السوريين، وطبعاً فيما بعد، يصعب تغيير مسار هذا الكره ليصبح أقلّ حدّة أو يصبح هناك نوع من تقبّل الآخر".

بينما يرى عبد الرزاق أنّ الوعي هو المنجاة الوحيدة مِن حالة الكراهية الطاغية حالياً: "أغلب الظن أنّ ما نراه سيختفي أو يتراجع بالتدرّج، بعد أن يعي السوريون أنّ طرح المسائل الخاصة، دينية كانت أم شخصية، إنما تزيد مِن انقسامهم وتبعدهم عن الطريق القويم والهدف الوحيد، لنيلهم جميعهم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهو إبعاد نظام الأسد عن سدّة الحكم وسرقة مقدّرات البلاد، ليبدؤوا بعد ذلك، جميعهم، ببناء وطن القانون والحريات الجديد".

الدكتور الرشيد لا يعتقد أنّ السوريين يكرهون بعضهم إلا أنّ الحالة نتاج من له مصلحة في صراعهم، وتغيير هوية قضيتهم: "لا أعتقد ذلك، ولكن هناك شيء يشبه الإيهام يمارسه النظام ومن له مصلحة في استمرار الصراع بأنّهم لا يمكن أن يلتقوا، وبأنهم سبب مأساتهم، وقد اتبع هؤلاء سياسة: إذا أردت تخريب قضية غيّر هويتها".

كل ما يحصل بين السوريين يستدعي أمراً واحداً هو الإسراع في إيجاد حل سياسي عادل يُحقق أمنيات السوريين في نظام سياسي وطني ديمقراطي، ومساعدتهم في التخلص من الأمراض التي لحقت بهم بعد عشر سنوات من الحرب والدمار.

TRT عربي