وحدات مدرعة للجيش الألماني. (Klaus-Dietmar Gabbert/AP)
تابعنا

في تصريحات أخيرة له، قال الممثل الأعلى لشؤون خارجية الاتحاد الأوروبي جوسيب بوريل، إنه على الدول الأوروبية أن "تشتري المعدات العسكرية معاً مثلما فعلنا مع اللقاحات، ونريد أن نتعامل مع الغاز". مؤكداً رغبة المفوضية الأوروبية في أن ترفع الدول الأعضاء قيمة إنفاقها العسكري، وتسهر على نجاعة هذا الإنفاق وكفاءته.

في هذا السياق أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أنّ الاتحاد يعتزم زيادة إنفاقه العسكري بـ200 مليار دولار في السنوات المقبلة، كما اقترحت المفوضية إنشاء صندوق دفاع قيمته 500 مليون يورو لمساعدة حكومات الاتحاد الأوروبي على الاشتراك في تطوير وشراء مزيد من الأسلحة.

ولا تشير هذه التصريحات، وهي من أعلى رأس في الدبلوماسية الأوروبية ورئيسته، فقط إلى حجم الرهانات الأمنية التي تضع الحرب الأوكرانية القارة أمامها. بل وتُفصِح عن مدى عدم التوافق بين الدول الأعضاء حول استراتيجية دفاعية مشتركة، مما جعل المفوضية بعد السنوات الـ64 من تأسيسها تطلق مبادرة في ذلك الشأن.

وكان بوريل نفسه طرح خلال قمة قادة الاتحاد في مارس/آذار الماضي، "بوصلة استراتيجية" جديدة للدفاع والأمن الأوروبيَّين، تضمّ إجراءات أهمّها ما اعتبر أنه بذرة لإنشاء أول قوة عسكرية أوروبية، ستقتصر في البداية حسب الخطة على قوات خاصة محدودة.

نجاعة البوصلة؟

تجدر الإشارة إلى أن وقت تحرير "البوصلة الاستراتيجية" كان قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، هذا لا يعني أن "التهديد العسكري الروسي" لم يكن في حسبان العاملين عليها، لكنه لم يكن أمراً واقعاً كما هو الآن، مما يطرح أسئلة عدة بشأن صلاحيتها.

هذا ما يشير إليه مقال في "واشنطن بوست" الأمريكية، يقول إن "حجم قوة الرد السريع (التي تقترحها الخطة)، المكوَّنة من 5000 فرد، (سيكون) متواضعاً، مما سيحدّ على الفور من استخدامها المحتمَل". بالتالي "لا يمكن إلا لقوات مسلحة أكبر تابعة للاتحاد الأوروبي، تحت قيادة مركزية، أن توفّر كلاً من الأعداد للرد على مجموعة متنوعة من التهديدات، والخدمات اللوجستية للانتشار السريع وإعادة الإمداد على الأرض".

قوة أكبر يمكن أن يصل تعدادها إلى 1.3 مليون مجند، إذا ما عبَّأت الدول الأعضاء كل جنودها في جيش موحَّد. لكن هذا لا يفكّ المأزق الأوروبي، إذ ستجد هذه القوة نفسها ضعيفة من ناحية العتاد وغير متجانسة من حيث مصادره، إذ لا تنفق الدول الأوروبية مجتمعة على دفاعها سوى 225 مليار دولار، أي نصف ما تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية على جيشها. ولا تزال دول شرق ووسط أوروبا ودول البلطيق تعتمد على ترسانتها الموروثة من الاتحاد السوفييتي.

في المقابل، وحسب مراقبين، تضع الحرب في أوكرانيا دول الاتحاد الأوروبي أمام تحديات أمنية كبيرة، تدفعها إلى إعادة التفكير في استراتيجية دفاعية مشتركة. ومن أبرز المؤشرات على ذلك توجُّه دول كالسويد وفنلندا، القديمتين في الحياد، نحو التخلي عن حيادهما وطلب الانضمام إلى الناتو. كما تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 53% من المواطنين الأوروبيين يدعمون فكرة جيش أوروبي موحَّد.

جيش أوروبي.. حلم صعب التحقق!

على مدار الأعوام الماضية تَطرَّق عديد من الزعماء الأوروبيين مثل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مراراً لبحث فكرة تدشين جيش أوروبي أو قوات تدخُّل سريع كالتي اقترحتها "البوصلة الاستراتيجية"، غير أن مراقبين يرون أن العوامل المصاحبة للإرث الطويل من فشل تنفيذ الفكرة قد تحول دون تحقُّقها مجدداً.

وعلى هذا النحو خلص مقال نشره موقع neweurope.eu في يوليو/تموز 2020 بعنوان "لماذا تأسيس قوات مسلحة أوروبية ليس ممكناً؟"، إلى أن فكرة إنشاء قوات أوروبية مشتركة تُعَدّ "مُعقّداً، ومكلّفاً من الناحية المالية، ومضيعة للوقت".

وركّز المقال على عدم واقعية الفكرة، إذ تمتلك أوروبا بالفعل تحالفاً عسكرياً فعّالاً هو حلف الناتو، الأمر الذي يُسقِط الحاجة إلى كيان جديد ينفّذ المهامّ نفسها من الناحية الوظيفية، مثل "التدريبات العسكرية المشتركة، والتنسيق الأمني والعسكري بين الأعضاء لمواجهة التهديدات المشتركة".

هذا ما يؤكده مقال آخر لصحيفة "تليغرام" البريطانية، بأن "احتضان حلف الناتو لفنلندا والسويد الآن، بدلاً من التطلع إلى الاتحاد الأوروبي، من أجل الأمن، يُظهِر أيضاً فشل الاتحاد الأوروبي الذي أثبتته حرب أوكرانيا".

TRT عربي