أنهى الجيش التركي فجر الرابع عشر من فبراير/شباط عملية "مخلب النسر-2" في منطقة "غارا" شمال العراق، والتي استهدفت مواقع تتبع لتنظيم "PKK" الإرهابي.

بحسب ما أفاد به وزير الدفاع التركي "خلوصي أقار" فإن العملية أسفرت عن تحييد 50 إرهابياً من التنظيم، من بينهم اثنان جرى إلقاء القبض عليهما حيّين، بالإضافة إلى تطهير غالبية مساحة "غارا" من عناصر PKK الإرهابي.

وكان رد التنظيم الذي عجز عن مواجهة الحملة التركية، تصفية 13 مواطناً تركياً رمياً بالرصاص عن قرب، كان قد اختطفهم في وقت سابق من الأراضي التركية، حيث كان يحتجزهم في إحدى المغارات التابعة له، والتي يستخدمها مخزناً للأسلحة والذخائر.

الأسلوب الذي انتهجه تنظيم PKK الإرهابي في الرد على عمليات الجيش التركي يتسق تماماً مع فكره الراديكالي الذي لا يقيم الكثير من الأهمية للحقوق والحريات الفردية، بل يتعامل مع الفرد أو المدنيين على أنهم مجرد أداة في الصراع وتصفية الحسابات.

وقد قام منذ تأسيسه على استغلال المواطنين الأكراد والزج بهم قسراً في مواجهة مع الدولة والجيش التركي، وذلك عن طريق اللعب على المظلومية التاريخية التي يسوقها التنظيم، ومن خلال عمليات التجنيد الإجباري التي تتم في كثير من الحالات ضد رغبة المجندين أو ذويهم، لذلك يقوم التنظيم غالباً باختطاف القاصرين ما دون سن الـ18 ويرسلهم إلى معسكراته التي يستخدمها لعمليات غسل الدماغ.

لقد ارتبطت نشأة PKK بالكثير من الشبهات المتناقضة مع السردية التي يسوقها حول رغبته في "تحرير الأكراد"، والتي تشير إلى توجه لتفتيت الدولة التركية وتصفية الحسابات معها أكثر من قضية الدفاع عن حقوق الأكراد، فقد انعقد المؤتمر التأسيسي الأول للتنظيم في يوليو/تموز عام 1981 على الأراضي السورية وبدعم من نظام حافظ الأسد، الأمر الذي يثير تساؤلاً كبيراً حول دوافع PKK للتنسيق مع نظام الأسد رغم الممارسات التي يقوم بها الأخير ضد الأكراد السوريين، ومن بينها حجب الجنسية عن الكثير منهم والتضييق عليهم، والتي استمرت حتى في عهد بشار الأسد، وكانت أبرز حالات القمع ضد المكون الكردي في الهجمات التي نفذتها الفرقة الرابعة بقيادة شقيق بشار الأسد على المكون الكردي في محافظة الحسكة عام 2004، على خلفية أحداث الشغب التي اندلعت بعد مباراة كرة القدم، ويبدو أن تلك الأحداث كانت مفتعلة من قبل الأجهزة الأمنية من أجل تأديب الشارع، وقد حدث هذا كله دون تدخل يذكر من قبل PKK للدفاع عن الأكراد!

انطلقت العمليات العسكرية لتنظيم PKK الإرهابي ضد مؤسسات الدولة التركية بعد مؤتمره التأسيسي الثاني عام 1984، وكانت هذه العمليات تتم بدعم كامل من نظام الأسد الأب، ومع الوقت اتخذ التنظيم من جبال قنديل شمال العراق معقلاً أساسياً له، على مقربة من الحدود الإيرانية.

سلوك التنظيم تثير تساؤلات كثيرة حول أسباب تجنبه التصعيد ضد النظام السوري وفي الأراضي الإيرانية، وتركيزه فقط على تركيا، مع تسريبات متواترة تشير إلى علاقة مشبوهة بين الحرس الثوري الإيراني وتنظيم PKK الإرهابي تشمل المعلومات الاستخباراتية والتمويل، وقد تدخل القائد الفعلي للتنظيم "جميل باييك" في تحييد المكون الكردي عن المشاركة في ثورة الإصلاحيين في إيران عام 2009، ثم رعى اجتماعاً بين تنظيم YPG الذي يعتبر ذراعاً سورية لتنظيم PKK وبين النظام السوري في عام 2011، واتفق الطرفان على ضبط الأكراد في سوريا وإبعادهم عن المشاركة في الثورة.

خاض تنظيم PKK الإرهابي في عام 1992 مواجهات ضد المكونات الكردية العراقية، وأبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة "مسعود البرزاني"، وضد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يتزعمه في وقتها "جلال طالباني"، كما دخل في صدامات مع أحزاب كردية إيرانية، في خطوة تشير بوضوح إلى أن التنظيم يتحرك وفق أجندة خاصة قد تكون مدفوعة من بعض الجهات أكثر من كونه يحارب من أجل مصلحة الأكراد.

وفي عام 1999 قرر نظام حافظ الأسد أن يقايض رأس زعيم التنظيم ومؤسسه "عبد الله أوجلان" بسلامته بعد التهديدات التي تلقاها من أنقرة، وقيام الأخيرة بالتلويح بالخيار العسكري، وبالفعل غادر "أوجلان" سوريا لتقوم تركيا بالقبض عليه في العاصمة الكينية نيروبي ومحاكمته في تركيا.

أدرك الجيش التركي أهمية محاربة تنظيم PKK الإرهابي في معاقله الرئيسية التي ينطلق منها، وتحول منذ عام 2017 إلى توسيع عملياته في شمال العراق وشمال سوريا، بعد أن تمكن مع حلول عام 2017 من تقويض سيطرة التنظيم الإرهابي على مدن جنوب شرق تركيا التي كان التنظيم يستحوذ عليها ويفرض قوة قاهرة على السكان المحليين فيها، واستطاع في عام 2015 وعن طريق سطوة السلاح والترهيب تغيير نتائج الانتخابات البرلمانية بما يناسب واجهته السياسية "حزب الشعوب الديمقراطي"، وكان هذا التطور أحد أهم الدوافع الرئيسية لإطلاق الجيش التركي للعمليات العسكرية ضد التنظيم جنوب شرق البلاد.

أصبح تنظيم PKK وأذرعه خاصة في سوريا أدوات للاستثمار السياسي ضد الدولة التركية، وقد أسست فرنسا في الأعوام الأخيرة علاقة مميزة مع تنظيم YPG الذراع السورية، بالإضافة إلى دول أخرى لديها خصومات مع أنقرة أبرزها الإمارات، وقد تحول التنظيم بالفعل إلى أداة للضغط على تركيا بعيداً عن فكرة الدفاع عن حقوق الكرد، وهذا ما يرجح أن الصراع بين التنظيم وتركيا صارت تغذيه جهات دولية عديدة، ممَّا يفتح الاحتمالات أمام فرضية استدامته وعدم وجود أرضية مناسبة للعودة إلى طاولة الحوار، إذ إن التنظيم على الأرجح يتحرك بالوكالة لمصلحة حسابات دولية وإقليمية معقدة لا يستطيع الانفكاك عنها بسهولة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً