لطالما نظر قطاع الصحافة إلى الإنترنت بعين الريبة، لأن نموذج العمل القديم القائم على احتكار وسائل الإعلام إمكانيةَ الوصول إلى الجمهور، أضحى اليوم مهدَّداً بالإمكانيات التي يوفرها الإنترنت لأي شخص لديه هاتف ذكي والقدرة على صناعة محتوى جاذب للجمهور.

إن المكانة التي اكتسبتها شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات كمصادر للمعلومات والأخبار حوّلتها إلى منافس شرس يجب على وسائل الإعلام التقليدية التعامل معه. وأسهم المواطن الصحفي في نشر قصص إخبارية وصور ومقاطع فيديو ما كانت الصحافة التقليدية ستصل إليها.

لا شك أن شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات والأدوات الأخرى التي تتيحها الإنترنت جاءت إلى عالمنا لتبقى وتطالب بمساحتها وحصتها من الجمهور. وإن عدم امتلاك شهادة جامعية لا يعني بالضرورة غياب الجودة أو الدّقة في صناعة المحتوى، لا سيما إذا تعلّق الأمر بالمدافعين عن القضايا العادلة.

في زمننا الحاضر يمكن لأي شخص، مستفيداً من الخيارات غير المحدودة التي يوفرها الإنترنت، أن يبدأ في ممارسة مهنة "صحافة المواطن"، دون أي نوع من العوائق، ليكون هو نفسه صحفياً ومحرراً، وبالتالي صانع محتوى سواءً كان سمعياً أو بصرياً أو مكتوباً. من المدونين إلى مستخدمي شبكات فيسبوك أو تويتر أو إنستغرام، يمكن لهؤلاء جميعاً تقديم قصص إلى جمهور عالمي دون الحاجة إلى المرور عبر مقصّ رقيب وسائل الإعلام التقليدية. إنه جزء من التحوّل الذي فرضته التكنولوجيا في هذا العصر.

نقل النشطاء الفلسطينيون أحداث الحرب الأخيرة في فلسطين لحظةً لحظةً عبر وسائل التواصل الاجتماعي (Getty Images)

وأمام التعتيم الإعلامي الممارَس تقليدياً على القضية الفلسطينية واقتصار تناولها في الصحافة الغربية عموماً، والأمريكية بشكل خاص، على عرض وجهة النظر الإسرائيلية والغوص في قصص هلع وخوف الإسرائيليين مع تجاهل تام لتدمير البيوت والعمارات فوق رؤوس ساكنيها بقطاع غزة، وجد النشطاء الغزّاويون والمتضامنون ضالّتهم في صحافة المواطن، لما توفّره من سرعة في الوصول إلى الجمهور والإفلات من القيود، رغم أن صحافة المواطن تشكل أيضاً مصدراً بالغ الأهمية للمعلومات والقصص الإخبارية لوسائل الإعلام التقليدية. ومن خلال المدونات أو أنواع أخرى من البوابات الإلكترونية أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي، نجح الفلسطينيون في نشر محتوى إعلامي سرعان ما تلقفته وسائل الإعلام وحوّلته إلى قصص مثيرة للاهتمام.

وخلال العدوان الأخير على غزّة، حظيت مقاطع الفيديو الشخصية والصور والقصص الإخبارية التي أنتجها المواطنون من داخل فلسطين بأهمية كبيرة في التغطية الإعلامية لحرب الـ11 يوماً. ورغم تسارع وتيرة نشر الأخبار في زمن "الأخبار العاجلة"، وتجنيد وكالات الأنباء العالمية لجيوش من المحررين والصحفيين الميدانيين، إلّا أن صحافة المواطن تفوّقت بسرعة نشرها للصور والمحتوى الإعلامي بفضل تحررها من قيود البيروقراطية ومقص الرقيب والنصوص الإخبارية الطويلة والمُدققة، حيث يكفي أن ينشر الناشط صورة على حسابه في تويتر أو فيسبوك أو إنستغرام، على سبيل المثال لا الحصر، وإرفاقها بثلاث كلمات لتنتشر كالنار في الهشيم بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي والجمهور الواسع.

ومن المزايا التي تتيحها صحافة المواطن هي قدرتها على الوصول إلى الرأي العام العالمي وصنّاع القرار، الذين من دون شكّ يملكون هواتف ذكية ولهم حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي يتصفّحونها بأنفسهم حتى لو كان لهم مستشارون إعلاميون وهيئات تمدهم بالتقارير. وعندما نتحدّث عن متخذي القرار، فإننا نقصد الرؤساء والوزراء والمشرّعين والنخب السياسية بمختلف درجات صناعة القرار. وينطبق الأمر أيضاً على الجاليات العربية والمسلمة وأنصار القضية الفلسطينية في الغرب الذين لعبوا دوراً مهماً في التحسيس بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمظاهرات التي شهدتها معظم العواصم وكبريات المدن الغربية.

ومن بين آلاف الصور ومقاطع الفيديو والقصص الإخبارية الإنسانية التي أنتجها الصحفي المواطن، والتي راجت على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في وسائل الإعلام التقليدية، قصة الصبية الفلسطينية نانا العقاّد، صاحبة السنوات الثماني، والتي تم تداولها بين الملايين من نشطاء التواصل الاجتماعي في العالم. وظهرت الطفلة وهي تحمل مرطباناً استعملته كحوض صغير لتربية مجموعة من أسماك الزينة. وبعد تدمير منزلها وتحوله إلى ركام، استطاعت إنقاذ “حورية”، وهي السمكة الوحيدة التي نجت من القصف.

وخرجت قصة نانا للعالم على يد المصور الفلسطيني بلال خالد، الذي وثّقها في صور ومقطع فيديو برفقة ابن عمتها. وكما يحدث دائماً في مثل هذه الحالات، بعد رواج القصة على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وترجمة محتواها إلى مختلف لغات العالم بعبارات مختصرة وحتى تحويل الصورة إلى رسوم متحركة لدغدغة مشاعر الجمهور، تلقّفتها وسائل الإعلام العالمية للتطرق إلى معاناة الفلسطينيين مع الحرب من زاوية إنسانية. ورغم الدّمار والركام، ظهر الصبيّان بابتسامة عفوية وكأنهما عثرا على كنز ثمين. ورافقت تلك القصة عبارة "أنقذنا السمكة".

وتنوعت قصص الحرب على غزة التي كان الفضل لصحافة المواطن في الكشف عنها، لكن بسبب قساوتها يجد المرء صعوبة بالغة في الاختيار بينها.

وبينما كان الغزّاويون يعيشون آخر ساعات العدوان، استهدف الاحتلال الإسرائيلي عمارة "الرائد" بغزة. ومن شدة القصف قُذِفَ الرضيع عبد الله محمد النشراوي من نافذة الشقّة العليا ليسقط على الأرض. وبعد شروع والدته في البحث عنه بين الأنقاض، فوجئت بأحد المسعفين يحمله بين ذراعيه لنقله إلى المستشفى. ولا زال الرضيع البالغ من العمر يوماً واحداً يرقد في غرفة العناية المركزة. كتب الله له النجاة.

قصة الصبي الآخر عُمر هي حكاية تُدمي القلب، كشفها للعالم ناشطون فلسطينيون من قطاع غزة. عُمر البالغ من العمر 6 أشهر فقط، هو النّاجي الوحيد من قصف الاحتلال لمبنى سكني في القطاع خلّف استشهاد 10 أفراد من أسرة واحدة.

ولم تقتصر المعاناة والقصص المأساوية التي يعود الفضل في إخراجها للصحفي المواطن على الصغار فقط، بل طالت الكبار أيضاً. ومن بين حكايات الحرب المؤثرة، قصة الشهيدة شيماء أبو العوف، وهي طالبة المستوى الثالث في كلية طب الأسنان بجامعة الأزهر في غزة. عُرِفت الشهيدة بين مُدرّسيها وزملائها والمقربين بشغفها الكبير بتخصصها ومسابقتها الزمن لإنهاء الدراسة لمزاولة عملها كطبيبة أسنان. كانت الشهيدة ستُزف عروساً بعد عيد الفطر. وبعد إنهاء تجهيز شقة الزوجية مع خطيبها أنس، زُفّت شيماء شهيدة بعد القصف الذي طال منزلها في شارع الوحدة. وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مؤثر لخطيبها أنس وهو يودّعها. وفي آخر اتصال بين الخطيبين، أخبرت شيماء أنس بوجود قصف، ليطلب منها الاختباء، لكن رسالته لم تصل لأن حمم الموت الإسرائيلية كانت أسرع.

مئات القصص الإنسانية التي انتشلتها صحافة المواطن، وهي الهواية التي يكون فيها للنشطاء والمواطنين الدور المحوري في البحث عن الأخبار والمعلومات والقصص ونشرها. وفي الوقت الحاضر، ومع وصول التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، أضحى بإمكان كل من يحمل هاتفاً ذكياً عرض ما يدور حوله ونقله على وجه السرعة. ولولا المجهود الكبير الذي لعبه هؤلاء في العدوان الأخير على غزة، لدُفِنت كل تلك القصص تحت الأنقاض مع أبطالها.

TRT عربي
الأكثر تداولاً