في 28 يناير/كانون الثاني 2020 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صفقة القرن بحضور سفراء عُمان والبحرين والإمارات، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ومستشاره وصهره جاريد كوشنر الذي يُعتبر عرّاب صفقة القرن.

وتتكوَّن من 181 صفحة نشرها موقع البيت الأبيض على الإنترنت بعنوان "السلام على طريق الازدهار".

ويُمكِن تلخيص أهمّ بنودها في ما يلي:

1. القدس بالكامل عاصمة لإسرائيل غير قابلة للتجزئة، مع السماح لأصحاب الديانات الثلاث بممارسة عباداتهم في المسجد الأقصى، وإبقائه تحت إشراف الأوقاف الأردنية.

2. كل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ستُضَمّ إلى إسرائيل، ووادي الأردن سيكون تحت السيادة الإسرائيلية.

3. عاصمة الفلسطينيين المستقبلية ستكون في منطقة تقع إلى الشرق والشمال من الجدار المحيط بالقدس، ويمكن تسميتها بالقدس أو أي اسم آخر.

4. نزع سلاح حركة حماس، وأن تكون غزة وسائر الدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح.

5. إنشاء رابط مواصلات سريع بين الضفة الغربية وغزة عبر أنفاق وجسور تخضع لسيادة إسرائيل.

6. توفير 50 مليار دولار للإنفاق في مشروعات للبنية التحتية والاستثمار على مدى 10 سنوات لكل من الدولة الفلسطينية والأردن ومصر ولبنان.

7. تخيير اللاجئين بين:

- العودة إلى حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية.

- التوطين في البلد المقيمين به.

- توزيعهم على بلدان منظمة التعاون الإسلامي بحيث تستقبل كل دولة خمسة آلاف لاجئ على مدار عشرة أعوام.

ومن الأهداف الأساسية لصفقة القرن أن تُصبح قضية فلسطين قضية ثانوية، تتناساها شعوب المنطقة، بخاصَّة بعد الحروب في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وزيادة عزل قضية فلسطين عن الساحة السياسية العالمية الدولية التي بدأتها إدارة ترامب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية بعد رفضها صفقة القرن، وقطع المساعدات الإنسانية عنها.

صفقة القرن والتطبيع العربي ومخاطره

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة تطبيع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي في حفل أُقيمَ في واشنطن في 13 أغسطس/آب 2020، ورغم إعلان ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في تغريدة له أنّ سبب التطبيع هو وقف ضمّ إسرائيل مستوطنات الأغوار بالضفة الغربية، فإن نتنياهو كذّبه، وأعلن أنّ بند الضمّ هو ضمن صفقة القرن. وبعد الإمارات قامت مملكة البحرين بإعلان تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بتاريخ 11/9/2020.

وخلت اتفاقيتا التطبيع من أي إشارة إلى إقامة دولة فلسطينية أو أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، حسب النصوص الرسمية التي نشرها البيت الأبيض.

كما يتضمن الاتفاق، التزاماً أمنياً من جانب الإمارات ضد أي هجمات على إسرائيل، وذلك وفقاً لنصّ الاتفاق تحت بند "السلام والاستقرار".

ويُمكن تلخيص خطورة التطبيع بعدة نقاط، كالتطبيع وفق مبدأ السلام مُقابل السلام والذي ينسف الشرط التاريخي المتمثّل بالأرض مقابل السلام، أي إنه يمثّل التنازل عن الأرض، ودعماً صريحاً لسياسات إسرائيل الاستيطانية.

إضافة إلى أن التطبيع بلا اشتراط حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يقضي على السقف الفلسطيني المتمثّل بالمبادرة العربيَّة للسلام، كما أنه يشكّل بوابة للاختراق الإسرائيلي الناعم للشعوب العربيَّة عبر بوابة الاقتصاد والتجارة والعلاقات الثقافيَّة، وهذا ما حصل بدبي.

فلسطين قبل الحرب الأخيرة

لم تتخذ إدارة بايدن أي إجراء لعودة المساعدات والعلاقات مع السلطة الفلسطينية، بل ثبّت بايدن قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وفي ظلّ تراجع اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط أخذت تتلاشى قضيَّة فلسطين في أذهان الشعوب العربيَّة، مع حصار اقتصادي خانق لقطاع غزَّة وانقسام سياسي كبير داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية.

فأتت أحداث حيّ الشيخ جرّاح ومحاولات اقتحام المسجد الأقصى حتى لبّت النداء غزَّة المحاصرة المُثخَنة بجراحها، ونفّذت تهديدها باستهداف الكيان الإسرائيلي نصرةً للمسجد الأقصى.

نتائج الحرب الأخيرة على صفقة القرن

بالتأكيد رُسمَت معادلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جديد بعد الحرب الأخيرة، وهذا رصد موجز لأبرز المتغيرات عن الحروب السابقة، كسحب صندوق السيادة النرويجي استثماراته من ثلاث شركات في إسرائيل، ووقّع 40 عضواً في الكونغرس الأمريكي عريضة لطرح مشروع فرض عقوبات على إسرائيل، أما البرلمان البريطاني فيناقش عريضة وقّع عليها مئات آلاف البريطانيين لفرض عقوبات على إسرائيل، وهذه سابقة لم تحدث منذ عام 1948.

ويقدم عضو الكونغرس ألكساندرا أكازيو غداً مشروع قرار لمنع توريد الأسلحة إلى إسرائيل، كما أنه حصل انقسام كبير داخل الحزب الديمقراطي بشأن تمرير صفقة السلاح التي تُقدَّر قيمتها بـ750 مليون دولار. صاحَب ذلك كله انتقادات هائلة في الإعلام الأمريكي مثل "فوكس نيوز" و"نيويورك تايمز"، وبين نجوم الفن والرياضة مثل جون أوليفر، لإسرائيل واتهامها بقتل الأطفال.

مصير صفقة القرن

المعركة الأخيرة أنهت صفقة القرن لعدة أسباب، منها أن وحّدَت فلسطينيي غزَّة والضفَّة والداخل في صفٍ واحد على عكس ما أرادت صفقة القرن من خلال تقسيمهم إلى كنتونات وتقطيع أوصالهم، كما ستتدفّق الاستثمارات لإعادة إعمار غزَّة بلا أي تنازل كما كان مُقرَّراً في صفقة القرن. وتمّ تثبيت معادلة جديدة عنوانها "المسجد الأقصى والقدس الشرقية سيبقيان لفلسطين، وإلّا انهالت الصواريخ على تل أبيب".

إضافة إلى أنها تسببت في نزوح جماعي من المستوطنات المحيطة بغزَّة، وداخل الضفَّة الغربيَّة مما يُفشِل بند صفقة القرن المتضمّنة ضمّ جميع المستوطنات إلى إسرائيل. بدورها قضت مناصرة الشعوب العربية والإسلامية لفلسطين على محاولات التطبيع الأخيرة، ووضعت الدول المطبّعة في عزلة تامَّة.

كما شكّل دخول الجناح العسكري لحركة فتح في الضفَّة الغربيَّة في المعركة، وحمل السلاح من قِبل الفلسطينيين في مدينة القدس، سبباً في فشل أهمّ بند في صفقة القرن وهو نزع سلاح الفلسطينيين جميعاً.

بالتأكيد القضية الفلسطينية بعد المعركة الأخيرة ليست كما كانت قبلها، ومعادلات الصراع اختلفت، وأفضل وصف لحالة إسرائيل بعد هذه الحرب ما كتبه المحلل الإسرائيلي آري شبيت في هآرتس، إذ قال: "إنّ الدولة اليهودية الديمقراطية تغرق، ويجب علينا أن نودِّع الأصدقاء ونرحل إلى سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس، ويبدو أنّنا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حلّ أمامنا إلّا الاعتراف بحقوقهم".

TRT عربي
الأكثر تداولاً