أزمة ديبلوماسية صامتة تندلع بين المغرب وروسيا (REUTERS) (Maxim Shipenkov/Reuters)

بين موسكو والرباط أزمة ديبلوماسية "صامتة"، حيث لا تشي القرارات المتخذة من العاصمتين إزاء بعضعهما البعض سوى ببوادر اضطراب حاد في العلاقات، غير أنهما، وفي ذات الوقت، تتعللان بشتى المبررات لإخفائه. بداية من قرار المغرب تعليق الرحلات مع روسيا بحجة ارتفاع إصابات كورونا بها، يليه عمد موسكو إلى إجلاء رعاياها من المملكة المغاربية، تبعها سحب السفير الروسي الذي قيل إنه غادر في عطلة ولم يعد إلى الآن.

يُضاف هذا إلى طلب روسيا من الجامعة العربية تأجيل الدورة السادسة من "منتدى التعاون الروسي العربي"، التي كان من المزمع انعقادها بالعاصمة المغربية الرباط إلى موعد لاحق في نوفمبر/تشرين الثاني أو ديسمبر/كانون الأول 2021. طلب علَّلته خارجية موسكو بـ"تغييرات في جدول أعمال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ناجمة عن تغييرات في جدول أعمال الرئيس فلاديمير بوتين".

بالمقابل، يربط محللون بين هذه الأزمة وبين سعي روسيا لتحقيق اختراق استراتيجي في إفريقيا، وعلى وجه التحديد في منطقة الساحل بأداة مرتزقة فاغنر المقربة من الكرملين، ما يهدد الامتداد المغربي في إفريقيا جنوب الصحراء. هذا إضافة إلى تسيلح روسيا الجزائر التي تشتد حدة توتر علاقاتها مع المملكة بالغة حدَّ القطيعة.

تهديد فاغنر!

بحسب مقربين من مراكز القرار بالرباط، نقلت تقارير إعلامية دولية، أن المملكة تتهم موسكو بالسعي إلى التضييق على امتدادها السياسي والاقتصادي في دول غرب إفريقيا والساحل، وذلك عبر تحريك مرتزقتها بالمنطقة، آخرها العقد الذي أُبرم بين شركة "فاغنر" والحكومة المالية الحالية.

الأمر الذي أكده خبير استراتيجي مغربي، في تصريح لموقع "هبة بريس" المحلي، قائلاً إنّ "وجود مرتزقة فاغنر" في مالي وغرب إفريقيا عموماً، هو تحدٍ جديد للمغرب والحلف الأنكلوساكسوني الذي يمثّل المغرب أحد أطرافه في المنطقة". مضيفاً أنه "لا يمكن استبعاد أن تكون هذه العناصر هي من تقف وراء عملية اغتيال السائقين المغربيين في مالي، من أجل بعث رسالة للمملكة، مفادها الصراع على مناطق النفوذ في هذه المنطقة".

من جهة أخرى، لم يؤكد المغرب رسمياً هذا القول، بل وحرص على إبراز استمراره في علاقة التعاون مع مالي، نائياً بنفسه عن التشكيك في شرعية نظام غويتا الحاكم بها، مؤكداً قبل أيام على لسان وزير خارجيته، ناصر بوريطة، أن "المغرب ليس لديه أي أجندات في مالي، وله ثقة كاملة في السلطات المالية للمرور بالبلاد إلى المرحلة المقبلة". وشدد وزير الخارجية المالي، عبد الله ديوب، خلال ذات المؤتمر الصحفي الذي جمعه بنظيره المغربي، أنها "لن تتخذ أي موقف يمسّ مصالح المغرب".

هذا وقد اتهمت سابقاً وسائل إعلام فرنسية الجزائر بضلوعها في تمويل صفقة تجنيد مرتزقة "فاغنر". وقال موقع "ألجيري بارت" إنّ الجزائر "وافقت على تمويل ما بين 50% إلى 70% من تكلفة صفقة جلب فاغنر إلى مالي". ادعاءات سرعان ما نفتها السلطات الجزائرية، موضحة في بيان لها أنها "ادعاءات لا أساس لها من الصحة وقد صدرت من طرف وسيلة إعلامية معروفة بولائها لمصالح المديرية العامة للأمن الخارجي التابعة للاستخبارات الفرنسية التي يقودها السفير السابق بالجزائر برنار إيميي".

تسليح روسي وقواعد أجنبية بالجزائر

سبب آخر يقلق الرباط من نشاط موسكو في المنطقة، هو الشركات العسكرية التي تربط الروس بجارتها الشرقية الجزائر، والتي أخذت في التطور مع توتر العلاقات بين البلدين المغاربيين الذي يبلغ أعلى مستوياته في الآونة الأخيرة. في حين تحدَّثت تقارير إعلامية سابقة تسلُّم الجزائر منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطوِّرة "S400".

كما أجرت البحرية الجزائرية ونظيرتها الروسية، نهاية شهر سبتمبر/أيلول الماضي، مناورات "مركب الردع 2021" البحرية بالقرب من الحدود المغربية. وشاركت في المناورات غواصات رُميت من خلالها صواريخ وتوربيدات لقصف أهداف على سطح البحر و"دُمّر الهدف بنجاح" بحسب بلاغ نشرته وكالة الأنباء الجزائرية. فيما تعدّ هذه الأنظمة الصاروخية التي زوّدت بها روسيا الغواصات الجزائرية متطورة للغاية ولا تملكها سوى سبع دول في العالم.

هذا وكتبت جريدة "هيسبريس" الإلكترونية المغربية إنه "من غير المستبعد أن تسمح الجزائر، في ظلّ هذه الظروف التي تعيشها، بإقامة قاعدة عسكرية روسية على أراضيها، وتقديم الدعم لقوات "فاغنر" بأراضي جمهورية مالي، نكاية في فرنسا والمغرب". وعلَّق خبيرٌ استراتيجي مغربي لذات الجريدة على هذا الموضوع بأن إقامة قاعدة عسكرية روسية في وهران، "يعني إخلالاً بالتوازنات العسكرية لصالح روسيا على حساب أوروبا، وهو ما يترتب عنه تغيير في قواعد الاشتباك".

ويرى مراقبون أن التحركات الروسية في المنطقة المغاربية قد تؤدي إلى تفجير العلاقات أكثر بين البلدين الجارين، وإلى خلق استقطاب دولي حول المنطقة ارتباطاً بالتوترات التي تعرفها العلاقات الروسية بحلف الناتو.

TRT عربي