كان الهجوم الذي وجّهه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تركيا ورئيسها في حواره يوم الثلاثاء 23 مارس/آذار الجاري على الشاشة الفرنسية الخامسة متوقَّعاً.

جاء ذلك في صلب تقرير أعدته القناة عن تركيا وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط والعالم، في وقت تستعدّ فيه أوروبا لاستقبال أشغال قمة زعمائها يومَي الخميس 25 والجمعة 26، أي على بُعد يومين من الحوار.

فرنسا لا تخفي معارضتها لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بل كانت العائق الأول أمام الانضمام والحجر الأصمّ في المفاوضات بين الطرفين، بخاصة منذ رئاسة السيد ساركوزي وإلى الآن. وقد تعودت فرنسا الاهتمام بالمشكلات الداخلية التركية بنقدها سجلّ حقوق الإنسان وبالتدخل التركي -كما تقول فرنسا- في النزاعات الإقليمية، سواء في سوريا أو ليبيا أو مسالة الهجرة التي ترى فرنسا أن تركيا تستعملها وسيلة ضغط ضد الأوروبيين. وعلى خلاف الاتهامات المعتادة وفي مفاجأة لم تكن متوقعة، أقحم الرئيس الفرنسي في حواره الجديد ولأول مرة موضوعاً خطيراً للغاية، يتمثل في إمكانية تدخُّل تركيا في الشأن الفرنسي الداخلي، وذلك بالتأثير في الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة، مما يذكّر الفرنسيين والأتراك والعالم بالاتهامات التي وجّهتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى روسيا. لم يذكر الرئيس الفرنسي كيفية التدخل ولا الآلية التي ستستخدمها تركيا ولا حتى قرينة توحي بشيء من ذلك، مما جعل بعض المتابعين يتساءل مستهزئاً إن كان الأتراك المقيمون بفرنسا سيدخلون مع كل مواطن إلى حجرة العزلة الانتخابية ليُملُوا عليه اختياره.

في أي إطار تتنزل التصريحات حقيقة؟ وما الهدف من ورائها؟

البادي للمتابع العادي أن تصريحات الرئيس الفرنسي انما هي تأكيد لمواقف فرنسا تجاه حقوق الإنسان وحرصها على عدم التدخل الأجنبي في الصراعات الداخلية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولكن لم يكن من باب الصدفة أن جاء الحوار الرئاسي وتصريحات ماكرون الهجومية على تركيا قبل يومين فقط من قمة القادة الأوروبيين، وليس عبثاً اختيار موضوع الانتخابات.

لقد تَبيَّن أن فرنسا كانت تنتقد تركيا على ما كانت هي ذاتها تقترفه أو أصبحت تقترفه، فسجلّ حقوق الإنسان في فرنسا بدأ يشوبه بعض الأعراض المرضيَّة التي لا تخفى على أحد، بخاصة في عهد الرئيس ماكرون، وليس ببعيد عنا أحداث السترات الصفراء ولا كيفية التصدي للعمليات الإرهابية ولا علاقة سياسة الدولة بالإسلام والمسلمين ولا كيفية التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، زد على ذلك مساندة فرنسا لمجموعة من الحكومات والقيادات الدكتاتورية الدموية، ودعمهما بالسلاح واللوجستيك الحربي والاستخباراتي والأمني. كما تبين تدخُّل فرنسا في ما حصل ويحصل في ليبيا، والتنافس الفرنسي-الإيطالي على حيازة أكبر امتياز ممكن من ليبيا المستقرة بعد أن شكّلت فرنسا أحد عناصر توتير الوضع، ثم النقاش الدائر حول الإسلام والمسلمين والمؤسسات الإسلامية الفرنسية، وما سبقه وصاحبه من كلام عن الانفصالية الإسلامية والقانون الذي ينوي ماكرون سَنَّه من أجل "التصدي للحركات العنيفة والمتطرفة" وللتمويل الأجنبي للجمعيات الإسلامية.

كل هذه العناصر وغيرها سحبت من فرنسا شرعية الحديث عن حقوق الإنسان في تركيا وباقي دول العالم، كما جعلها في حرج كبير بخصوص التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ناهيك بإضعاف حجتها أمام الأوروبيين والعالم إن هي طلبت من الاتحاد الأوروبي عقوبات ضد تركيا أو حاولت إعاقة مساعي انضمام تركيا إلى المجموعة الأوروبية في فترة لاحقة، بخاصة أن الدولة التركية تدعم مع مرور الوقت موقفها الاقتصادي والإقليمي والدولي وتعزّز حضورها في الحلف الأطلسي.

تخويف الأوروبيين من تركيا ورئيسها على أبواب قمتهم، وإن باختلاق موضوع الانتخابات، أمر مهمّ جداً للجانب الفرنسي، وذلك لإضفاء شرعية على خوفها هي وعلى الخطر الذي تشكّله تركيا على فرنسا اليوم وعلى أوروبا غداً، وهو أن يزيد حنق الأوروبيين على تركيا ويضاعف شكوكهم.

لماذا تركيا؟

لا شك أن الخمس عشرة سنة الماضية التي ارتفعت فيها الأسهم التركية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، إن دبلوماسياً أوً اقتصادياً أو عسكرياً أو جيو-استراتيجياً، قد أرهق الجانب الفرنسي وأضناه. ففرنسا التي جعلت معاداة تركيا أحد عناصر رأسمالها السياسي داخلياً والدبلوماسي خارجياً اعتماداً على خلفيات تاريخية مرتبطة بالقضية الأرمينية والقضية القبرصية وعلى خلفية قضايا حقوق الإنسان، لم تستطِع استيعاب الحالة التركية الجديدة ولا الاعتراف بها. الحالة التركية التي هي في طريق إطفاء فتيل أزمات معقدة بينها وبين أوروبا منذ أيام الخلافة العثمانية.

الاتحاد الأوروبي تحت الضغط الفرنسي

تُصِرُّ فرنسا على أن تركيا تشكّل خطراً على الاتحاد الأوروبي وعلى ثقافته اليهو-مسيحية. هذا العنصر الثقافي في الحقيقة هو الهاجس الأكبر لدى فرنسا أولاً، ثم أوروبا بدرجة ثانية، فديموغرافية تركيا إن هي انضمّت إلى الاتحاد الأوروبي ستكون الطاغية والغالبة، بمعنى أن الديانة المسلمة ستكون الديانة الأولى في أوروبا، والعنصر التركي هو العنصر المسيطر داخل عالم أبيض لا يرى تفوُّقاً فوق تفوُّقه ولا غالباً غير ثقافته، وهو أمر إن حصل فمن شأنه أن يردم جزءاً من الهوة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب. تزيد فرنسا ممثَّلةً في رئيسها مخاوفَ الأوروبيين، ليتخذ الأوروبيون قراراً بإخضاع تركيا لمراقبة سياسية ودبلوماسية وعسكرية لثلاثة أشهر للحسم في قرار العقوبات من عدمها. فرنسا وأوروبا تعرفان جيداً أن قراراً من هذا النوع سيزيد توتير الأجواء لا تهدئتها، ويعمّق الجرح الذي تريد فرنسا إدامته ما بين أوروبا وتركيا.

إلى أين تتجه البوصلة؟

عالم السياسة هو عالم المصالح بامتياز، والمصالح تحكمها القوة.

تركيا أصرّت على استكمال شروط القوة والتمكن منها، سواء القوة الناعمة والعسكرية. وأوروبا تشهد كل سنة على المسار التصاعدي للرسم البياني التركي، وترقب التطورات الإقليمية والدولية بعقلية المصلحة الأوروبية. وليس هنا سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما أمام أوروبا في ما يخص العلاقة بتركيا:

الأول هو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد مزيد من التأجيل ووضع العراقيل، وهذا قد يأخذ وقتاً طويلاً إذ لا رغبة لأوروبا في ضمّ تركيا إليها، وهو الخيار الأضعف والأبعد عن الواقع.

والثاني، وهو الخيار الراجح، هو بقاء العلاقة الأوروبية-التركية شبيهة بالعلاقة الأوروبية الروسية، علاقة شد وجذب تغلب فيها المصلحة القومية على المصلحة السياسية والدبلوماسية. علاقة توجُّس وعدم ثقة بين الجانبين، تتطلب من تركيا مزيداً من العمل على استجماع شروط القوة من ناحية، وتوجيه بوصلة العلاقات الاستراتيجية تجاه دول الجوار والدول الآسيوية والإفريقية من ناحية أخرى، دون طيّ صفحة الضغط من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي هي ورقة ضغط مهمة بين يدَي الدبلوماسية التركية.

TRT عربي