هل تتملّص فرنسا من مسؤوليتها في غوادلوب بمنحها الحكم الذاتي؟  (Dominique Chomereau-Lamotte/AP)
تابعنا

ما زالت الاحتجاجات بجزر الأنتيل الفرنسية متواصلة، هي التي انطلقت شرارتها رداً على قرار الحكومة المركزية فرض جواز التلقيح على عاملي القطاع الصحي، أُضيفت إليها مطالب كانت لوقت طويل محتجزة في قلوب شعب غوادلوب ومارتينيك، منادية باريس بتحمّل مسؤوليتها في التهميش الذي تعيشه تلك الأراضي.

باريس التي لم تجب إلا بالقبضة الحديدية، وفرضت منذ الأيام الأولى للاحتجاج بقمعه، ومع بداية الصدامات العنيفة بين شرطتها والسكان، فرضت حظر تجوال وبعثت قوات خاصة للجزيرتين.

الأمر الذي زاد في تأجيج العنف الحاصل، حيث أوردت نيابة فور دو فرانس المجاورة لجزيرة المارتينيك، يوم الأحد، أنها أحصت "حوادث تتّسم بكثافة خاصة" تتمثّل بتدمير محطة للوقود ومكتب للبريد، كما أن "أربعة من الدرك جُرحوا خصوصاً في الوجه بالرصاص". قالت إدارات المناطق إنّ 12 شخصاً اعتُقلوا في المارتينيك وأربعة في غوادلوب.

وأمام هذا الواقع قرَّرت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة أن تخطو خطوة إلى الوراء بتأجيل فرض الجواز الصحي على سكان الجزيرتين. وأعلنت وزارة الصحة الفرنسية في بيان لها "مهلة إضافية لوضع اللمسات الأخيرة على التنفيذ الفعال لفرض اللقاح في الأنتيل".

مقابل ذلك تحدَّث وزير أراضي ما وراء البحار، سيباستيان لوكورنو، عن منح الجزر حكماً ذاتياً ، متحججاً بأن الطلب قادم من فعاليات محلية. بينما يرى مراقبون في ذلك أنها محاولة تملّص من الحكومة في مسؤوليتها بالرعاية التي يطالب بها سكان غوادلوب والمارتينيك.

حديث عن الحكم الذاتي للأنتيل

وقال سيباستيان لوكورنو في خطاب موجّه إلى غوادلوب بثه التليفزيون إنّ "بعض المسؤولين طرحوا مسألة الحكم الذاتي". مضيفاً أنه "برأيهم يمكن أن تُدير غوادلوب نفسها بشكل أفضل. إنهم يريدون (...) مزيداً من حرية اتخاذ القرار من صانعي القرار المحليين".

هذا قبل تأكيده بأن "الحكومة (الفرنسية) مستعدة للتحدث عن ذلك وليس هناك نقاشات سيئة طالما أن هذه النقاشات تهدف إلى حلّ المشاكل الحقيقية للحياة اليومية لسكان غوادلوب". وفي مقابلة له، يوم الأحد، مع أسبوعية "لوجورنال دي ديمونش" أوضح الوزير الفرنسي أنّ "الحكم الذاتي ليس الاستقلال"، وقال إنه "لو لم تقترح الحكومة الأمر، لأضرّت هذه التطورات الأخيرة بعلاقة تلك الأراضي بالدولة في باريس" في إشارة إلى الاحتجاجات القائمة.

من جانبه قال وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، في لقاء بُثّ على قناة BFMTV، إن "نقاش الحكم الذاتي ليس نقاشاً حول الاستقلال". كما أنه "أتى تحت طلب منتخبَيْ تلك المناطق لكي لا يُقال إن الحكومة لا تُصغي لطلبات المنتخبين" يشدد دارمانان.

هل يطالب المحتجّون بحكم ذاتي؟

"إصغاء إلى المنتخبين" الذي علَّل به دارمانان مقترح الحكومة، يقابله قمع وممارسة سياسة الآذان الصماء إزاء المحتجّين. هؤلاء الذي خرجوا تنديداً بـ"الغياب التامّ للرعاية الحكومية" بحسب النقابية الغوادلوبية مايتي هوبير، ومطالبة للدولة بـ"أن تصغي لمعاناة الغوادلوبيين" حسب رئيس جهة غوادلوب آري شالو.

فيما "تهديد موظفي قطاع الصحة بالطرد لم يكن إلا النقطة التي أفاضت كأس الوضع المتردي"، أضافت مايتي في تصريح صحفي سابق لها. يُضاف إلى استمرار تأثير الكلورديكون القاتل المتفشي بين الغوادلوبيين، فاضحاً إحدى أبشع جرائم التسميم الممنهج الذي مارسته السلطات الفرنسية ضد أولئك السكان. مع ضعف البنى التحتية الصحية وصعوبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب واتساع رقعة البطالة والفقر.

كلّها مطالب لم تستجب لها الحكومة الفرنسية، بل فضّلت تقديم الحكم الذاتي كبديل، ما رجَّح القول إنّ الحكومة تحاول الهروب إلى الأمام والتملّص من مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية إزاء جزر الأنتيل. هذا ما عبّر عنه كذلك زعيم "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشان، الذي اعتبر أنّ طرح الحكم الذاتي "يثير الدهشة"، ودعا إلى عدم الحديث عن وضع الجزر قبل أن "يحين الوقت لذلك" كون "الوضع الاجتماعي وحالة الطوارئ الصحية" تشكل أولوية حالياً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً