عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صفقة سرية مع شركة أوبر لتسهيل نشاطها في البلاد. (Gonzalo Fuentes/Reuters)
تابعنا

كشفت تسريبات أخيرة لأكثر من 124 ألف وثيقة، منها 83 ألف رسالة بريد إلكتروني وألف ملف آخر تتضمن محادثات تمتدّ بين عامَي 2013 و2017، فضائح جديدة تحوم حول عملاق النقل العالمي "أوبر"، وفق تحقيق صحفي موسَّع عُنون بـ"ملفات أوبر"، أجراه نحو 42 منبراً إعلامياً، ونشرته صحف "الغارديان" البريطانية و"واشنطن بوست" الأمريكيّة و"لوموند" الفرنسيّة.

وحسب الغارديان فقد "خرقت الشركة (أوبر) القانون وخدعت الشرطة والمنظّمين واستغلّت العنف ضدّ السائقين وضغطت سراً على الحكومات في كلّ أنحاء العالم"، عبر إنفاق أكثر من 90 مليون دولار على جماعات الضغط حول العالم. وفي قلب هذا الملفّ أشار التحقيق إلى تورُّط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان وقتها وزيراً للمالية، في دعم مخططات أوبر فرنسا على حساب سيارات الأجرة المحلية.

وأثارت هذه الأنباء زوبعة من ردود الفعل الغاضبة في فرنسا، وطالب نواب فرنسيون بالتحقيق في ما سمّوه "فضيحة دولة". ويكشف التحقيق مرَّة أخرى سياسة الكذب وتزييف الواقع التي ينتهجها الرئيس الفرنسي، حسب خصومه، الذي كان قاد حملته الرئاسية وقتذاك مردداً وعود محاربة أشكال العمل التي تقترحها أوبر على موظفيها.

ماكرون في قلب الفضيحة

"كازنوف (وزير الداخلية الفرنسي السابق) سيُسكِت أصوات أصحاب سيارات الأجرة"، هكذا طمأن إيمانويل ماكرون المدير التنفيذي لشركة "أوبر" ترافيس كالانيك، فيما كان الأول وزيراً لمالية البلاد والثاني مدير شركة مثير للجدل يستعدّ لدخول السوق الفرنسية.

هي رسالة نصّيّة تبادلها الطرفات سنة 2015، تأتي ضمن مجموعة مراسلات واجتماعات بينهما، كان الهدف منها مساعدة ماكرون شركة أوبر على اكتساح فرنسا، في منافسة غير متكافئة مع سائقي سيارات الأجرة المحليين، استعمل فيها الضغط السياسي على نقاباتهم المحتجة وقمعها في الشارع، والتضييق على نشاطهم مقابل تخفيف إجراءات نشاط الشركة الأمريكية.

هذا ما كشفه تحقيق "ملفات أوبر" الذي نشرته صحيفة "الغارديان" يوم الأحد، إذ قالت إن "ماكرون بذل جهوداً غير عادية لمساعدة أوبر، حتى إنه أخبر الشركة أنه تَوسَّط في "صفقة" سرية مع خصومها في الحكومة الفرنسية"، والمقصود هنا كل من وزير الداخلية السابق الاشتراكي بيرنار كازنوف، كاتب الدولة السابق المكلَّف بالنقل ألان فيداليس.

وتزامناً مع نشاط ماكرون لصالح "أوبر"، خُفّفت إجراءات اعتماد السائقين العموميين في فرنسا، من ضرورة إجرائهم 250 ساعة تدريب قبل دخولهم الخدمة سابقاً، إلى اشتراط 7 ساعات تدريب فقط، ما كان بمثابة كعكة قدّمها الرئيس الفرنسي الحاليّ لشركة النقل.

وفي سنة 2014 احتجّ سائقو سيارات الأجرة الفرنسيون على ما سمّوه "منافسة غير شريفة" بينهم وبين "أوبر"، منددين بـ"اللوبي الذي يهدّد قوت يومهم". احتجاجات واجهتها السلطات الفرنسية بقمع شرس واعتقالات في صفوف المحتجين، والضغط السياسي على نشاط نقابات سيارات الأجرة.

في هذا الصدد تنقل إحدى الوثائق مراسلة من ترافيس كالانيك الذي كان حينها رئيساً للشركة، فعندما عبّر عدد من كوادر الشركة عن القلق بشأن مخاطر قد يتعرض لها السائقون الذين كانت "أوبر" تشجعهم على المشاركة في مظاهرة في باريس، أجاب كالانيك حينها عن تلك المخاوف بالقول: "أعتقد أن الأمر يستحق ذلك؛ العنف يضمن النجاح". وكلّفَت جماعات الضغط في فرنسا شركة "أوبر" إنفاقاً قُدر بـ3 ملايين دولار ونصف مليون.

سخط عارم وملاحقات

من خلال هذه الوقائع السرية التي فضحها تحقيق "ملفات أوبر"، تنكشف الوعود الكاذبة التي قدّمها ماكرون بعد ذلك بسنوات قليلة، في أثناء ترشحه أول مرَّة لمنصب رئاسة البلاد، حينها صرَّح بلسانه بأنه "لا يدعم الهشاشة التي تفرضها أوبر على عمالها، وأنه لن يعمل على تعميم نموذج أوبر على عموم الوظائف في فرنسا".

مع هذا لم يتراجع ماكرون عمَّا نسبته إليه "ملفات أوبر"، بل أكّد تحمله المسؤولية كاملة عما وقع, وقال: "أنا فخور بما فعلته وقتها"، مشدداً على أنه "مستعدّ لعمل ذلك مجدَّداً غداً وبعد غد".

وأثارت فضيحة ماكرون سخط عديد من نواب البرلمان الفرنسي، إذ طالب تحالف "الاتحاد الشعبي الإيكولوجي والاجتماعي الجديد"، بقيادة جان لوك ميلانشون، بإنشاء لجنة تحقيق برلمانية لتبيان دور ماكرون في الموافقة على ترخيص شركة أوبر في فرنسا. وقال أليكسي كوربيار، أحد نواب حزب "فرنسا الأبية"، إن فكرة أن الرئيس "سبّب فوضى في شركات الأجرة لقاء صفقة سرية مع شركة خاصة أمر خطير للغاية".

من جانب آخر طالب فيليب بالار، نائب عن "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، بتحقيق مستقل في هذه المسألة، مضيفاً أن الوثائق تثبت "نظرة ماكرون الأمريكية إلى الاقتصاد"، ويرجح أنه قصد بذلك النظرة الليبرالية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً