بدأ يُساور أعضاء البرلمان الأوروبي شعورٌ بأنّ خطط إدارة النفايات من الاتحاد الأوروبي في لبنان هي خططٌ زائفة، مما وضع مسؤولة السياسة الخارجية السابقة بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في مواجهة سيلٍ من الانتقادات.

تُخطّط جماعةٌ مُستقلة من أعضاء البرلمان الأوروبي لاسترداد أكثر من 38 مليون دولار خسرتها المفوضية الأوروبية في لبنان بسبب خطط إدارة النفايات الزائفة، إلى جانب مقاضاة المسؤولين عن الفساد هناك حسب ما ستكشفه TRT.

وتُعَدُّ هذه الأنباء مُقلقةً لعددٍ من الأطراف الكبيرة في لبنان مثل نجيب ميقاتي وسعد الحريري، الذي ربطه رجل أعمالٍ لبناني بملايين اليوروهات التي سُرقت من برامج إدارة النفايات الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وزعم أنّه يقف وراء حيلةٍ جديدة لاختلاس المزيد من أموال المساعدات الدولية التي تصل إلى مليار دولار.

وفي أعقاب التحقيق الذي نُشِرَ في مايو/أيار من العام الماضي وكشف عن تحويل مسار أموال المساعدات التي يدفعها الاتحاد الأوروبي إلى جيوب حزب الله في الكثير من الحالات، إلى جانب ربطه بين مصانع الاتحاد الأوروبي وبين ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان؛ يستعد البرلمان الأوروبي لاتّخاذ قراراته بشأن لبنان ومكتب مسؤولة السياسة الخارجية السابقة بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني.

وتُعتبر هذه الخطوة مُثيرةً للجدل وتُمثّل اتجاهاً جديداً تماماً من أعضاء البرلمان الأوروبي، الذين يرغبون في مزيدٍ من المساءلة حول الكيفية التي تُنفق بها أموال مساعدات الاتحاد الأوروبي. وتُعَدُّ هذه الأنباء بمثابة ضربةٍ لفيديريكا التي طلبت منها عضوة البرلمان الأوروبي البرتغالية آنا غوميز فتح تحقيقٍ كامل في الصيف.

(AA)

ولكن فيديريكا رفضت فعل ذلك، حسب رسالةٍ سرية من شهر يوليو/تموز عام 2019.

وكانت رسالة فيديريكا -المكتوبة بأسلوبٍ مُشوّه على غرار مؤسسات الاتحاد الأوروبي- عبارةً عن إنكارٍ واضح اللهجة لوقوع أيّ أخطاء.

إذ كتبت فيديريكا: "وضع الاتحاد الأوروبي عدداً من الآليات الداخلية والخارجية للرقابة على تنفيذ مساعداته في هذا القطاع. وبالتوازي مع ذلك، أطلق وفد الاتحاد الأوروبي عام 2018 تقييماً مستقلاً لتأثير المشاريع المُنفّذة من خلال "برنامج المساعدة في إعادة تأسيس الإدارة اللبنانية" والمراجعة المستقلة للبرنامج المتواصل: "برنامج تطوير قدرات إدارة النفايات الصلبة في لبنان. ومن المتوقع أن يصدُر تقرير التقييم النهائي بحلول أكتوبر/تشرين الأول عام 2019. لكن الاستنتاجات الأوليّة لا تُظهر أدلةً على الفساد".

ولم يعنِ رفض فيديريكا الكثير بالنسبة لآنا والجيل الجديد من أعضاء البرلمان الأوروبي الذين انتُخِبوا الصيف الماضي، وبدأوا مناصبهم الجديدة بحلول يونيو/حزيران -ليُديروا جوزيف بوريل، خلَف فيديريكا، إلى جانب أشياء أخرى.

دخول الحرس الجديد

دخلت مجموعةٌ غير رسمية، تتألّف من أعضاء شعبويين (أو يمينيين) تحت قيادة وزير ساركوزي السابق تييري مارياني، في مواجهةٍ فعلية حول اختلاس أموال المساعدات الأوروبية للبنان -مما قد يُؤدي إلى حظر ملايين اليوروهات من الدعم الأوروبي للبنان واللاجئين السوريين مستقبلاً.

يحظى تييري مارياني بدعم العديد من النواب الفرنسيين، رغم أنّه أثار بعض الجدل بعد أيامٍ قليلة من انتخابه لعضوية البرلمان الأوروبي
يحظى تييري مارياني بدعم العديد من النواب الفرنسيين، رغم أنّه أثار بعض الجدل بعد أيامٍ قليلة من انتخابه لعضوية البرلمان الأوروبي (AP)

ويحظي مارياني بدعم العديد من النواب الفرنسيين، رغم أنّه أثار بعض الجدل بعد أيامٍ قليلة من انتخابه لعضوية البرلمان الأوروبي حين زار زعيم النظام السوري بشار الأسد في أغسطس/آب من العام الماضي. وهو يشعر بالقلق حيال خطط إدارة النفايات الزائفة في لبنان، والتي تصل قيمتها إلى 33 مليون دولار (مُخصّصة لـ11 مصنعاً)، ويخشى أنّ تلك الأموال تُستخدم لتمويل الساسة الفاسدين، إلى جانب إسهامها في رفع معدلات الإصابة بالسرطان في لبنان بدرجةٍ مُفزعة.

لكنه بهذا لا يتطرّق حتى إلى دهاليز الكيفية التي خُدِعَ بها الاتحاد الأوروبي في لبنان طوال عقود، ليفقد أكثر من 33 مليون دولار لصالح الساسة الفاسدين والمليشيات هناك.

وإذا كان مارياني جاداً في دعوته للتحقيق في أمر مساعدات الاتحاد الأوروبي إلى لبنان؛ فهو بذلك يُهدّد بكشف الغطاء عن الفساد الضمني واختلاس أموال الاتحاد الأوروبي، إلى جانب كشف أولئك الذين بذلوا جهوداً كُبرى للتستّر على الفضيحة.

كما سيُسلّط التحقيق الضوء على المشاريع السابقة التي ابتلعت الكثير من أموال الاتحاد الأوروبي في قطاع إدارة النفايات. ففي السابق، أنفق الاتحاد الأوروبي مبالغ طائلة لشراء الأراضي وبناء ست شبكات للصرف الصحي لا تعمل في يومنا هذا، ولم يسبق لها أن عملت مطلقاً -وهذا جزءٌ من عملية احتيالٍ أكبر سلبت 110 ملايين دولار تقريباً من خزائن الاتحاد الأوروبي.

وعلِمَت TRT أنّ مارياني يُخطّط لتشكيل لجنة تتألّف من أعضاءٍ في البرلمان الأوروبي للتحقّيق في هذا النوع من الكسب غير المشروع والاختلاس واسع النطاق في لبنان، ومحاكمة المُذنبين، والسعي لاسترداد ذلك التمويل المنهوب.

ولا يثق أولئك الأعضاء كثيراً في مكتب الاتحاد الأوروبي لمكافحة الاحتيال، رغم عِلم TRT بأنّ أولئك الأعضاء يتعاونون مع وحدة مكافحة الاحتيال داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، والتي أخبرت مارياني بأنّها تُحقّق في قضايا الكسب غير المشروع التي يعود تاريخها إلى خمسة أعوامٍ مضت على الأقل.

ويأمل أعضاء البرلمان الأوروبي أن تأخذ الحكومة اللبنانية زمام المبادرة، وتفتح التحقيق، وتُسلِّم الأموال إلى بروكسل للإعراب عن حسن نواياها.

وأقرت فيديريكا في النهاية بأنّ القضية تستحق الدراسة، إثر خطابٍ عاطفي مدته دقيقتين ألقاه مارياني داخل البرلمان الأوروبي بستراسبورغ في الـ27 من نوفمبر/تشرين الثاني، استشهد خلاله بالاحتيال على مساعدات الاتحاد الأوروبي في طرابلس.

ولا شكّ أنّ مطالب مارياني ستُقدّم إلى مسؤول السياسة الخارجية الجديد بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل منتصف يناير/كانون الثاني، والذي سيجد صعوبةً في استئناف عملية "التستُّر على التستُّر" في لبنان (على حد التعبير الواثق لأحد أعضاء البرلمان الأوروبي).

وتستهدف اللجنة أيضاً تنفيذ عددٍ من المبادرات الجريئة لمساعدة الحركة الاحتجاجية في بيروت، والتي تسعى للإطاحة بالنخب الفاسدة وقيادة عصرٍ جديدٍ من المساءلة. إذ تهدف مثلاً إلى تجميد كافة الأموال الدولية داخل حسابات البنوك الغربية المرتبطة بالأموال المُختلسة من خزائن الدولة.

الموساد والحريري و"عازف البيانو"

يُمكن أن تُنسب الخطوة غير التقليدية على الإطلاق التي اتّخذها مارياني في البرلمان الأوروبي إلى عازف البيانو ورجل الأعمال وقيصر الإعلام عمر حرفوش. إذ أطلق هذه الأزمة قبل بضعة أسابيع في بروكسل بمؤتمرٍ يتألّف من نواب البرلمانات الأوروبية الوطنية (مثل النائب دينو غياروسو من حركة "النجوم الخمسة" في إيطاليا) الذين يدعمون مبادرة لبنان.

اتُهم رئيس الوزراء المؤقت سعد الحريري، وهو مؤيد للمحارق، بأنه مشارك في عمليات الاختلاس
اتُهم رئيس الوزراء المؤقت سعد الحريري، وهو مؤيد للمحارق، بأنه مشارك في عمليات الاختلاس (AP)

ونظّم حرفوش العالِم ببواطن الأمور، والذي يُعتبر شخصيةً شهيرة بعض الشيء في فرنسا، مؤتمراً مُشابهاً قبل عامٍ واحد في مجلس الشيوخ الفرنسي برئاسة فيليب دوست بلازي الذي شغل في السابق منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة.

ولدى حرفوش ادعاءات لافتة حول لبنان، فهو يقول إنه كان على بعد أيام من الشروع في بناء مصنع بدعم فرنسي لتدوير النفايات في لبنان (بتمويل من بنوك لبنانية محلية)، إلا أن المشروع أُلغي بسبب الفساد الذي، بحسب كلامه، ليس مقتصراً على النخبة السياسية في لبنان، وإنما امتد على نحو ملاحظ إلى المجتمع المدني أيضاً.

وتشير اتهاماته الحادة بأصابع الاتهام إلى منظمات غير حكومية في طرابلس، والشخصيات ذات النفوذ التي تقف وراءها، إذ يزعم أنها وُعدت برشاوى ضخمة من صفقات المحارق المخطط تنفيذها، والتي يعتقد كثيرون في لبنان أن هدفها بالأساس توجيه مدفوعات ضخمة إلى النخب السياسية في لبنان من خلال تضخيم تكاليف المشاريع الحقيقية.

وقد بلغ الأمر أن اتُهم رئيس الوزراء المؤقت سعد الحريري، وهو مؤيد للمحارق، بأنه مشارك في عمليات الاختلاس، ويقول حرفوش إن التكلفة الحقيقية لكل محرقة تبلغ نحو 120 مليون دولار، لكنها ضُخمت إلى 170 مليون دولار بحيث يحصل أصحاب التوقيعات على مشاريع التنفيذ على مكافآت سخية إلى جيوبهم.

ويوجه حرفوش أصابع الاتهام تحديداً إلى المنظمات غير الحكومية ورئيس بلدية طرابلس الذين وُعدوا بحصصٍ من تلك الكعكة (مشاريع المحارق)، ويزعم أن ذلك كان السبب وراء إبطال مشروعه في اللحظات الأخيرة، وأنه أصبح هدفاً لحملة تشويه ربطته بالموساد ونعتت مشروعه المفترض بأن صاحبه "مثلي الجنس".

ومن اللافت للنظر أن الاقتراح الأولي جاء ببعض من النفوذ السياسي الفرنسي. ففي يوليو/تموز 2018، زار وفد فرنسي من أعضاء البرلمان المصنع القائم بالفعل الذي يموله الاتحاد الأوروبي في طرابلس، والذي تسبب في الروائح الكريهة في المقام الأول، مجازاً (بالفساد) وحقيقةً. وصدرت الفكرة آنذاك عن نائبة فرنسية من أعضاء الوفد تُدعى ناتالي جوليه.

التقى حرفوش في البداية سياسيي طرابلس الذين طلبوا من فرنسا المساعدة. كما تقابل مع الملياردير اللبناني ورئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي والرئيس ميشال عون، اللذين قالا له إنه إذا أوجد حلاً، فسيدعمانه، إلا أنه كان وعداً فارغاً، إن لم يكن مجرد خدعة، كما سيتبين له.

ورغم ذلك، فإن ما يحمل على التشاؤم هو الإشارات التي بدأت تظهر آنذاك بأن مشروعه المقترح قد يفشل لأنه لم يتضمن بنداً أساسياً واحداً: هو بند الرشوة أو "البقشيش/الإكرامية" التي تُمنح للمسؤولين لتمرير المشاريع.

وقال حرفوش لـTRT خلال مكالمة هاتفية معه: "لم يقبل لبنان مشروعي لأني لم أسمح لأحد بأن يأخذ أموالاً [رشاوى] من ورائه".

ويوضح حرفوش ما حدث معه بالقول: "أخذ كل شخص أقابله يسألني عن حصة مالية منه، لكني تمسكت بأن أقول للجميع: (لا يوجد مال من ورائه). في لبنان، عادة ما يكون لاتفاقات المساعدات الدولية أو منح الدعم تلك تسهيلات مُدمجة للسماح لأولئك الموجودين على الأرض باستخلاص أموال لهم من التكاليف المفترضة للمشاريع. وهكذا فإن المشاريع التي لا تسمح بهذا، والتي ليس لديها رعاة مستعدون للتغاضي عن الاختلاس، تتوقف عادة عند أول عقبة".

لكن حرفوش لم يسمح بحدوث هذا المخطط، ولعل الأسوأ من ذلك على مشروعه، هو أنه أخبر الناس هناك في طرابلس أنه لم يُضمِّن مخطط مشروعه بنوداً مثل هذه، وهو ما كان السبب الحاسم وراء إفشاله.

ويدعي حرفوش أنه التقى الحريري سبع مرات، والذي كان دائماً ما يعطيه الضوء الأخضر لكنه، لأسباب غامضة ما، لم يدفع المشروع فعلياً أبداً، وهو ما أثار حفيظة حرفوش وحذره تجاه رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.

ويستكمل حرفوش قائلاً: "قاد عمدة طرابلس حملة مجتمع المدينة الموجهة ضد المصنع الجديد. في الوقت ذاته الذي كنت أسمع فيه عن ثلاث محارق مخطط لكل منها 170 مليون دولار، رغم أن تكلفتها الحقيقية في الواقع هي 120 مليون دولار، أي أن هناك 50 مليوناً، لا أعرف إلى أين تذهب".

"كان الحريري ودوداً للغاية معي، لكن مع كل مرة ذهبت فيها إلى رئيس الوزراء، كان هناك لوبي يذهب [لاحقاً] لإخباره أنه مع المحارق، كذا سيحصل على 10 ملايين، والآخر على 10 ملايين أخرى، ومن ثم فهمت أن هناك مخطط فسادٍ كبير أراد طردي من لبنان، حتى إذا وصل الأمر إلى ترويج شائعات عني بأني جاسوس للموساد".

أمَّا فيما يتعلق بتعاملاته مع ميقاتي الذي يعتقد حرفوش أن القيمة الصافية لثروته تبلغ 5 مليارات دولار (لا 2.5 مليار دولار كما تشير صفحة ويكيبيديا عنه)، فإنها غريبة أيضاً، إن لم تكن مثيرة للقلق. ويدعي حرفوش أن ميقاتي هدده في البداية، قائلاً له عبر الهاتف: "أنا ممكن أخفيك".

لهذا السبب يخشى حرفوش العودة إلى لبنان. إذ يدعي أن التهديدات التي تلقاها حقيقية. ويقول إن مارياني الآن هو الرجل المناسب لتولي ملف لبنان والمضي به قدماً، وفضح عمليات الاختلاس، إلى جانب المساعدة المتوفرة (حالياً) من اثنين من أعضاء البرلمان الأوروبي الإيطاليين اليمينيين.

ويقول حرفوش: "إن مارياني رجل شجاع للغاية، وهو مكافح للفساد. لقد أدرك أن العديد من أعضاء البرلمان الأوروبي يريدون المساعدة. وبمجرد أن يبدأ مارياني شيئاً، فإنه لن يتوقف أبداً. الجميع يعلم أنه شخص نظيف. إنه ليس شخصاً غنياً، بل يعيش في شقة صغيرة جداً في باريس. وهو يستعد للذهاب إلى لبنان في فبراير/شباط مع وفد لمتابعة التحقيق، ومعرفة أين ذهبت أموال الاتحاد الأوروبي هذه".

المصدر: TRT عربي