أمام الإجراءات التي اتخذتها بلدان العالم لمحاصرة فيروس كورونا المستجدّ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في نفوس الجميع، متى سيتمّ القضاء فعلاً على هذا الفيروس؟ أو بتعبيرٍ أدقّ، متى سيُتَوصّل إلى علاجٍ نهائيّ له؟

مواصلاً الانتشار وتعطيل الحياة في عدد من بلدان العالم، يمضي فيروس "كورونا" المستجد بسكان العالم نحو المجهول، باثاً الارتباك والقلق في النفوس، بعد أن شهد ارتفاعاً سريعاً خلال الأسابيع الأخيرة، ليصيب الآلاف في أزيد من مئة بلد، ويتجاوز مجموع الإصابات والوفيات المبلغ عنها، ما بلّغت عنه الصين البؤرة الأولى لانتشار الفيروس، إذ سجل إلى حدود اللحظة أزيد من 340 ألف حالة إصابة، وأودى بأرواح 14 ألف شخص.

تصاعد انتشار كورونا رافقه نهج عدة دول من العالم لتدابير المباعدة الاجتماعية، من قبيل إغلاق المدارس وإلغاء الفاعليات الرياضية والفنية، ومنع التجمعات والسفر، والدعوة للمكوث في المنزل وعدم الخروج إلا في حالات الضرورة القصوى، فيما كانت بلدان أكثر صرامة، وفرضت حالة حظر التجول وحجراً طبياً واسعاً. هذه الإجراءات الساعية لمحاصرة انتشار الجائحة قابلتها حالة من اللا يقين والشك بين سكان العالم، إذ يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في نفوس الجميع، متى يزول كل هذا؟ أو على الأقل متى نتجاوز مرحلة الخطر؟

البحث عن الترياق

اللقاح هو الحل السحري الذي يترقبه الجميع، والإجابة عن سؤال تجاوز هذا الحلم المزعج، مرتبطة به أساساً، وفق عدد من المختصين والخبراء الذين يجمعون على أن وقف الجائحة العالمية يستدعي تطوير لقاح ضدها. وتنتظر البشرية النتائج التي يمكن أن تتوصل إليها تجارب تطوير لقاح فيروس كورونا، التي باشرها عدد من المختبرات العلمية بالصين وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أخرى، منذ الإعلان الأول عن تسجيل أولى حالات "كوفيد-19".

تنتظر البشرية النتائج التي يمكن أن تتوصل إليها تجارب تطوير لقاح فيروس كورونا التي باشرها عدد من المختبرات العلمية بالصين وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أخرى.

مختبرات الأبحاث وصناعة الأدوية في دول العالم تسابق الزمن للتوصل إلى لقاح وعلاج للفيروس المستجد، فبعد إعلان مسؤولين أمريكيين الاثنين الماضي، بدء أول تجربة بشرية للقاح محتمل، أعلنت روسيا والصين بدورهما في اليوم التالي، عن انطلاق التجارب ذاتها، وأورد تقرير في صحيفة "الشعب اليومية" الرسمية أن بكين أجازت إجراء التجارب السريرية على أول لقاح طورته في أفق استعماله على الحالات المستعجلة شهر أبريل/نيسان القادم.

من جانبها، تعمل شركة ألمانية بقوة في المجال، إذ يبدو أن تجاربها الأولى في تطوير لقاح مضاد لكورونا واعدة، الأمر الذي تسبب في نشوب خلاف بين الحكومتين الألمانية والأمريكية، بعد سعي الأخيرة لاحتكار الحقوق الحصرية للعقار، حسب ما نقلته وسائل إعلام ألمانية.

وفي مدينة ليون الفرنسية، يعمل مختبر VirPath في صمت، ساعياً لإيجاد علاج لفيروس كورونا ينقذ البشرية، ويشتغل المختبر وفق طريقة مختلفة، إذ لا يسعى لابتكار لقاح جديد، بل يقوم بإجراء تجارب مخبرية باستعمال أدوية موجودة سابقاً ضد الأمراض المعدية، على فيروس كورونا والتحقق من مدى نجاعتها، إذ تقول إدارة المختبر إن هذا النهج سبق أن أعطى نتائج، والأبحاث الجارية طموحة"، ويطالب المختبر السلطات الصحية بفرنسا بالسماح له بإجراء تجارب سريرية على مرضى في حالات حرجة.

جهود كبيرة تبذل لتطوير لقاح يقضي على الوباء، وتجرى تحريات وتجارب سريرية للحصول على اللقاح المناسب
جهود كبيرة تبذل لتطوير لقاح يقضي على الوباء، وتجرى تحريات وتجارب سريرية للحصول على اللقاح المناسب (DPA)

"جهود كبيرة تبذل لتطوير لقاح يقضي على الوباء، وتجرى تحريات وتجارب سريرية للحصول على اللقاح المناسب"، وفق مدير مختبر الفيروسات بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء مصطفى الناجي، "غير أن التوصل إلى تركيبة اللقاح وتجريبه وإنتاج كميات كافية تلبي الطلب الكبير عليه، قد يستغرق وفق المتحدث أزيد من سنة ونصف"، في تصريحه لموقع TRT عربي.

المدة التي سيصبح فيها العلاج جاهزاً، تثير بدورها خلافاً وتضارباً في المعطيات، ففي الوقت الذي يؤكد فيه الخبراء والمختصون أن التوصل إلى لقاح يحتاج إلى سنة حتى 18 شهراً، وكشف هربرت هولدن ثورب رئيس تحرير مجلة ساينس العلمية أن التوصل إلى لقاح آمن وقابل للتصنيع قد يستغرق عاماً ونصف عام أو أكثر من ذلك بكثير، خرج عدد من السياسيين والزعماء يبشرون العالم بأن اللقاح سيتوفر في غضون أسابيع، وستتمكن بلدانهم من القضاء على كورونا، مثل الرئيس الأمريكي ترمب، الذي قال إن إدارة الأغذية والأدوية خفضت فترة إنتاج لقاح لفيروس كورونا من أشهر أو ربما أعوام إلى أيام.

في هذا الجانب، يقول الناجي إن أي لقاح مهما كان نوعه يحتاج إلى مراحل علمية عدة، مرحلة الابتكار ثم التجريب على الحيوانات ثم التجارب السريرية على الإنسان، وبعدها يحتاج اللقاح إلى موافقة، وفق شروط ومعايير معقدة ودقيقة من طرف وكالات الصحة المحلية بكل بلد، ثم بعدها المرحلة الأخيرة التي تتطلب التصنيع، وتتطلب كل هذه المراحل مدداً زمنية تدوم لأشهر وربما سنوات، من أجل الحفاظ على معايير السلامة، وألا تكون للقاح أعراض جانبية أو أن يختلف تأثيره عند الانتقال من التجريب على الحيوان إلى الإنسان.

إن أي لقاح مهما كان نوعه يحتاج إلى مراحل علمية عدة مرحلة الابتكار ثم التجريب على الحيوانات ثم التجارب السريرية على الإنسان وبعدها يحتاج اللقاح إلى موافقة وفق شروط ومعايير معقدة ودقيقة.

مصطفى الناجي، مدير مختبر الفيروسات بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

هذه المراحل تقوم على النظرية العلمية، وفق المتخصص في علم الأوبئة المغربي، ومتعارف عليها بين جميع الخبراء والعلماء، أما بخصوص تصريحات السياسيين، فيضيف أن "وراءها غالباً حسابات وتوجهات، كون مهام وأدوار رجال السياسة ليست نفسها مهام العلماء". وكشف المتحدث أن مراحل إنجاز لقاح قد تتقلص إذا جرى تنظيم العمل بين المختبرات وقُسم بطريقة مبتكرة، لكنها حتماً لن تكون أياماً قليلة، على حد تعبيره.

محاصرة الفيروس

بالنسبة إلى الرئيس العام لمنظمة الصحة الدولية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، فإن الجواب على سؤال متى يتجاوز العالم هذا الكابوس، يبقى هو "كسر سلاسل انتقال الفيروس"، إذ أكد في ندوة صحفية أجراها يوم 16 مارس/آذار الجاري، أن لإخماد سعير هذه الجائحة، ينبغي أن تعتمد جميع البلدان نهجاً شاملاً، يمزج بين تدابير التباعد الاجتماعي وبين الفحص وعزل الحالات المصابة ومخالطيها. وأضاف: "لا يمكنك أن تكافح حريقاً بعينين مغمضتين. وبالمثل لا يمكننا أن نقف هذه الجائحة إذا لم نحدد مَن المصابون بالعدوى".

وفي الوقت الذي كشف فيه رئيس منظمة الصحة الدولية عن كون أوروبا بؤرة الجائحة اليوم، وتواصل ارتفاع حالات الإصابة والوفاة، قال إن تفعيل خطة المنظمة الاستراتيجية للتأهب والاستجابة لمحاصرة الفيروس، من طرف العديد من البلدان، "يبعث على التشجيع"، مورداً أن نصيحة المنظمة للحكومات والمؤسسات والأفراد، "واضحة كل الوضوح"، وهي: "أولاً، التأهب والاستعداد. ثانياً، الكشف والحماية والمعالجة. ثالثاً، الحدّ من الانتقال. ورابعاً، الابتكار والتعلم".

منذ ظهوره نهاية السنة الماضية بمدينة "ووهان" الصينية وانتشاره في باقي بلدان العالم شرقاً وغرباً، حصد "كوفيد-19" مئات الأرواح، وبات كابوساً مزعجاً يؤرق بال الدول وشعوبها، فلم يتمكن العلماء إلى حدود اليوم، من إيجاد حل جذري ينهي الأزمة غير المتوقعة، وتعود الحياة من جديد إلى مجراها الطبيعي.

في جوابه على سؤال TRT عربي عن المدة المتوقعة ليتعافى العالم من هذا الوباء، قال مدير مختبر الفيروسات بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن من الصعب الجزم بمدة معينة، غير أن من شأن التزام إجراءات الوقاية من الفيروس، حصر انتشاره، مشيراً إلى أن "المدة رهينة بمدى انخراط دول العالم والتزام كل مكوناتها مؤسسات ومواطنين".

بعد إعلان مسؤولين أمريكيين الاثنين الماضي، بدء أول تجربة بشرية للقاح محتمل، أعلنت روسيا والصين بدورهما في اليوم التالي، عن انطلاق التجارب ذاتها
بعد إعلان مسؤولين أمريكيين الاثنين الماضي، بدء أول تجربة بشرية للقاح محتمل، أعلنت روسيا والصين بدورهما في اليوم التالي، عن انطلاق التجارب ذاتها (AFP)

وأضاف المتخصص في علم الأوبئة أن القضاء على خطورة الفيروس تبقى في 90% منها في يد تعامل السكان معه، ومدى التزامهم توجيهات الحكومة، خصوصاً في البلدان التي لا تزال في المراحل الأولى من انتشاره، مبرزاً أن على هذه الدول الاستفادة من تجارب طريقة تعامل نظيراتها، الآسيوية كالصين وكوريا الجنوبية، وتفادي الوقوع في مشاكل بلدان الاتحاد الأوروبي كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، التي تدهورت فيها الحالة ويبدو أن السلطات فقدت السيطرة على الوضع، وأضاف المتحدث: "هذه دول قوية اقتصادياً وأنظمتها الصحية متطورة، فما بالك إن بلغت دول متخلفة ذلك المستوى، أمر سيؤدي إلى كارثة إنسانية".

"لا أحد يعرف ماذا سيقع مستقبلاً"، يقول جمال الدين البوزيدي، طبيب اختصاصي في أمراض الصدر والتنفس، ورئيس جمعية مغربية لمحاربة الأمراض المعدية، مشيراً إلى أن "الأمر يتوقف عند التزام الأشخاص الحجر الطبي وتدابير الوقاية، لمحاصرة انتشار الفيروس، وعدم انتقاله بين الأفراد"، وأضاف أن "تصرُّف شعوب العالم وأنظمته وتعاملها مع الجائحة إذا كان مثالياً فسيُقضى عليه كما فعلت الصين، والعكس صحيح".

في الظرفية الحرجة، نزال ثنائي، الإنسان من جهة وفيروس كورونا من جهة ثانية، في حالة صراع. ويبدو أنه إلى حدود اللحظة لا يزال "كوفيد-19"، الذي وصفه رئيس منظمة الصحة الدولية بـ"عدو البشرية الأول"، الطرف المتحكم في الوضع، على الرغم من المساعي والجهود الحثيثة لمحاصرته بمختلف الوسائل المتوفرة، فإن هذه المهمة تبدو معقدة وليست سهلة.

صعوبة محاصرة الجائحة تكمن، وفق تصريح الطبيب الاختصاصي لموقع TRT عربي، "في كون الفيروس قادراً على الانتقال والتطور"، كاشفاً: "من المعروف أن أي فيروس عند انتقاله من الحيوان إلى الإنسان تكون درجة خطورته مرتفعة، وعند انتقاله المتكرر بين الأشخاص تضعف، لكن تابعنا العكس في إيطاليا، إذ انتقل معدل الوفيات من 2.5 و2.7% إلى %7، والأمر نفسه بالنسبة إلى درجة العدوى، التي كانت أيضاً صغيرة وارتفعت بشكل كبير، وبالتالي فضبط هذا الفيروس أو الحكم على طريقة عمله من غير الممكن حالياً".

سيناريوهات النهاية

يُجمع المختصون على صعوبة التكهن بمستقبل الفيروس وبالنتائج التي يمكن أن يؤدي إليها، على المستوى الصحي والاجتماعي والاقتصادي، غير أنهم يتفقون على إمكانية احتوائه والتقليل من آثاره، كما فعلت سنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية، وكذلك الصين، بؤرة كورونا التي تقترب من القضاء عليه، بعد إجراءات الحجر الطبي المشددة التي نهجتها خلال الأشهر الماضية، على 60 مليون شخص في مدينة ووهان، وفرض الحجر الصحي على مئات الملايين من الصينيين والأجانب.

تدابير احتواء الفيروس في الصين، على الرغم من تكلفتها الباهظة على الاقتصاد العالمي، فإنها أنقذت مئات الآلاف من الأشخاص من العدوى، حسب منظمة الصحة العالمية، إذ أدت إلى تراجع عدد الإصابات والوفيات بشكل كبير جداً. التجربة الصينية تبعث الكثير من الأمل في أن يستعيد العالم عافيته، غير أنها تبقى حسب البوزيدي، "رهينة النهج الذي ستتعامل به باقي الدول مع الفيروس، إذ نرى في المقابل الصعوبات التي تواجهها إيطاليا، على الرغم من تطورها وحضارتها الضاربة في التاريخ".

تدابير احتواء الفيروس في الصين على الرغم من تكلفتها الباهظة على الاقتصاد العالمي فإنها أنقذت مئات الآلاف من الأشخاص من العدوى حسب منظمة الصحة العالمية.

مصطفى الناجي، الخبير المغربي في الفيروسات الذي اشتغل في بحثه لنيل درجة الماجستير سنة 1983 على فيروس "كورونا"، قال إن السعي لاحتواء الفيروس عبر تشخيص المرضى وعزل مخالطيهم، علاوة على مراقبة حركة التنقل، إجراءات من شأنها الحد من انتشار الفيروس والقضاء عليه، لكن بشرط الامتثال والالتزام الكلي، وفرض حجر صحي شامل وإلزامي إن اقتضى الأمر ذلك.

من جانب آخر، يأمل مختصون أن يكون فيروس كورونا المستجد موسمياً، وبالتالي احتمال انحساره مع ارتفاع درجات حرارة الطقس، غير أنه إلى حدود الساعة لم تجزم البحوث والدراسات المنجزة بشكل قاطع فيما إن كان كورونا مثله مثل باقي الأنفلونزا الموسمية التي تصيب الجهاز التنفسي وتختفي عند حلول فصل الصيف.

في هذا السياق، يقول البوزيداني بأن فيروس "كوفيد-19، يعيش اليوم في درجتَي حرارة -60 و30، والتكهنات بأنه سيختفي بعد ارتفاع درجة الحرارة، واردة، كما حدث مع فيروس سارس سنة 2002، الذي اختفى بعد ارتفاع درجات الحرارة بعد أن أودى بحياة 800 شخص، وبعد عودته للظهور قبل سنوات، لم يكن بنفس الخطورة".

إلى حدود الساعة، لا يوجد أي لقاح ولا دواء محدد مضاد لفيروس "كورونا"، وبالتالي يبقى السبيل الأمثل هو الوقاية، من خلال المواظبة على تنظيف اليدين، وتغطية الفم عند السعال بثني المرفق أو بمنديل ورقي، والابتعاد مسافة لا تقل عن متر واحد (3 أقدام) عن الأشخاص الذين يسعلون أو يعطسون، فضلاً عن التزام توجيهات الأطر الطبية والسلطات.

المصدر: TRT عربي