تحل الذكرى الثالثة لاحتجاجات السترات الصفراء بفرنسا (Boris Horvat/AFP)

في الـ17 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2018، غصت شوارع فرنسا بسيل احتجاجي أصفر، سكان الهوامش البعيدة قاموا يطالبون بحق معيشهم، يصيحون في الطرقات: "الراتب لا يكفي لنوفر علبة المعكرونة في آخر الشهر!" و "النخبة السياسية في باريس لا تأبه لحالنا!". فيما الملامة في هذا "الانفجار العظيم" قرار حكومة ماكرون برفع الضريبة على المحروقات استجابة لسياسات انتقاله الطاقي، فكانت النقطة التي أفاضت الكأس.

اليوم، وبعد ثلاث سنوات في الشارع بأكثر من 156 نشاط احتجاجي قادته الحركة، تعد بعودة قوية بمناسبة هذه الذكرى يوم السبت المقبل. فيما هي مناسبة لكل مراقب أن يعود إلى أهم محطاتها، تلك التي غيرت بها وجه الممارسة السياسية الفرنسية، متسائلاً ونحن على بعد شهور قليلة من السباق الرئاسي حول ما إذا كانت الحركة لا تزال رقماً قوياً قادراً على التأثير فيه.

"السترات الصفراء" تواصل تظاهرها ضد سياسات ماكرون والحكومة الفرنسية في العاصمة باريس

Posted by ‎عربي TRT‎ on Saturday, December 19, 2020

عودة إلى السترات الصفراء

كان قرار حكومة ماكرون سنة 2018 بزيادة ضريبة القيمة المضافة على المحروقات بـ 14% النقطة المفجرة لاحتجاجات السترات الصفراء. بدأت دعوات النزول إلى الشارع من عريضة كاتبتها كانت بريسيليا ليدوسكي، التي أصبحت وجهاً بارزاً في الحركة بعدها، سرعان ما تخطى عدد التوقيعات عليها المليون وتقرر على شبكات التواصل الاجتماعي النزول إلى الشارع يوم السبت 17 نوفمبر/تشرين الثاني.

خرج وقتها أكثر من 300 ألف متظاهر، معتمرين السترة الصفراء كإشعار بالخطر الذي يترصدهم عبر قرار الحكومة، مطالبين بتخفيض أسعار البنزين ورافضين لتجبر النخبة الاقتصادية بباريس. كانت نهاية المظاهرة مأساوية، حيث لم يكن لحكومة ماكرون من جواب على مطالبهم سوى القمع، فراح ضحية ذلك اليوم مدنيان إضافة إلى 585 جريح، حسب أرقام الداخلية الفرنسية وقتها.

في تلك اللحظة بدأت الأمور تخرج من يد الحكومة، والمطالب المعيشية التي خرجت من أجلها الحركة أول الأمر سرعان ما ستتحول لمطالب سياسية تنادي بإقالة الرئيس وإعلان نهاية الجمهورية الخامسة. هكذا زاد ماكرون من قمعه للمحتجين مطلقاً العنان لعنف أعمى لم يفرق بين مشارك في الاحتجاج ومن ليس له علاقة به، مستخدماً في ذلك أسلحة محرَّمة دولياً، متسبباً في قتل وبتر أطراف وفقء أعين عدد كبير من الأشخاص.

وكحصيلة عامة: فمنذ أول اندلاع الاحتجاجات، حصد عنف الشرطة والدرك الفرنسيين ضد السترات الصفراء ما فاق الـ4400 جريح، منهم 22 فقدوا على الأقل عيناً واحدة، وخمسة بترت لهم يدٌ. كل هذه الإصابات تمت بأسلحة محرمة دولياً: رصاص LBD-40 وقنابل GLI-F4.

واحد من أولئك الضحايا كان باتريس فيليب، وهو رجل خمسيني فقئت عينه برصاص قوات الشرطة الفرنسية خلال الاحتجاجات، صرَّح في تقرير سابق لـ "موقع RTL": "فقدان عين يزيد الحياة تعقيداً، حيث يجتاحك شعورٌ بالضياع وفقدان الهوية، لا تستطيع حتى أن تطالع وجهك في المرآة ومقابلة ذلك الوجه الذي لم تعد تعرفه". فيليب لم يحرم من عينه فحسب، بل وحتى من مصدر قوته كسائق شاحنة، يضيف موضحاً أن "تلك الأزمات النفسية التي تخلفها الإصابة لا تضر بالجريح فحسب، بل تصيب محيطه ككل بالإحباط والحسرة".

فيما يرى محللون بأن أكثر ما أرعب الحكومة الفرنسية هو أن الحركة انطلقت بلا قيادة، بالمقابل اتسمت بتنظيم محكم وتحركات مدروسة، إذ كانوا يحيطون بالتفاصيل كافة، حتى من التغطية الإعلامية فقد أنشؤوا إعلامهم الخاص مقابل التعتيم وتشويه السمعة الذي كانت تنهجه ضدهم الصحافة الفرنسية.

وأثرت الحركة في العديد من الاحتجاجات الموازية التي عرفتها فرنسا طوال الفترة التي تلتها، وتناسلت عنها حركات عديدة: كـ "السترات السوداء" للمهاجرين غير النظاميين، و "السترات الخضراء" للنشطاء البيئيين، و"السترات الحمراء" للمظاهرات النقابية التي خرجت ضد الحكومة إصلاح نظام التقاعد وأعلنوا إضراباً شلَّ البلاد لأسابيع.

بالمقابل حاول ماكرون وحكومته جاهدين لاحتواء "السترات الصفراء"، فخرج شهر ديسمبر/كانون الأول 2018 معلناً تقديمه إعانات مالية لعموم من يتحصلون على الحد الأدنى للأجور. غير أن هذه الخطوة لم تكبح من احتجاجات الحركة التي استمرت في الخروج، كما يرفض مناضلوها إلى اليوم أن توصف بـ "الميتة".

رجوع إلى الشارع بعد ثلاث سنوات

صحيح أن السنتين اللتين قضتهما فرنسا تحت وطأة الجائحة الوبائية أدَّتا إلى خفوت احتجاجات "السترات الصفراء"، غير أنها لم تنته تماماً، هذا ما يعد به محتجوها وهم يعلنون عن عزمهم الخروج إلى الشارع مجدداً وبقوة السبت القادم.

وفي بث مباشر على صفحته بفيسبوك أعلن جيروم رودريغيز، أحد الوجوه البارزة لـ"السترات الصفراء" عن مظاهرة احتجاجية يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني، ستكون وفقاً له "مظاهرة واحدة وقوية بقلب العاصمة باريس" داعياً إلى إنزال مكثف للمحتجين من أنحاء الجمهورية كافة.

وأرجع رودريغيز خفوت الاحتجاجات إلى محاولة الحكومة في احتواء طاقة الغضب الشعبي بتقديم الإعانات قائلاً: "الحكومة تخاف من أن يصل الشارع إلى مرحلة فقدان الأمل لهذا تحاول تنفيسه بإعانات كي لا ينفجر في وجهها". وأردف متحدثاً عن أسباب استمرار الحركة هو أن "سياسات ماكرون لم تتغير، ورأينا ذلك في تخصيص 240 مليار يورو لإنقاذ الشركات مقابل 19 مليار يورو فقط لإصلاح قطاع الصحة، هذا دون الحديث عن صرفه ملايين اليوروهات في سبيل شراء مدرعات جديدة للشرطة كي يقمعونا بها" ومنه نفهم أن "حكومة ماكرون تفضل التنكيل وإحداث عاهات في الناس على علاجهم في المشافي".

هذا وما زال هناك العديد من الملفات العالقة التي ترفع معدل الغضب في الشارع الفرنسي، على رأسها "الجواز الصحي" الذي يرفضه قطاع واسع من الشعب واحتجوا من أجله طوال الأسابيع الماضية. كما هناك الزيادات في فاتورة الغاز هذا الشتاء نظراً لارتفاع أسعاره دولياً، وهو كذلك ملف بدأ الفرنسيون في الاحتجاج ضده.

بالمقابل ما زال الإعلام الفرنسي ينهج سياسة التشويه ضد "السترات الصفراء"، مشيعاً بأنه جرى احتواؤهم من قبل اليمين المتطرف، تهم ردَّ عليها رودريغيز قائلاً: "ليس هناك أحزاب في السترات الصفراء. حزبنا الوحيد هو حرب الثلاجة المليئة، حزب الحياة الرغيدة، حزب الديمقراطية المباشرة وحزب الراتب الشهري الذي يكفي لإطعامنا في نهاية الشهر!".

TRT عربي