يخوض الأطباء كفاحاً مستمراً للقضاء على وباء كورونا المستجد، مضحين بحيواتهم، تماماً مثل الأطباء الذين يخوضون غمار الحرب لمعالجة الجرحى والمصابين.

في زمن السياسات الشمولية حتى الطبيب تحوّل إلى صحفيّ وسياسي وناشط سلميّ لمّا هدد اقتصاد الكبار بتحذيره الإنساني من خطورة كورونا، الذي ما كان له أن يجتاح العالم من دون تأشيرة!، هذا هو حال الطبيب الصيني لي وينليانغ الذي اعتبرت السلطات طلّته من نافذة جوّاله الصغير بمثابة ناقوس الحرب على العالم الاقتصادي والسياسي، مما أدّى إلى ملاحقته واستدعائه والتحقيق معه، حسب مراقبين، إلى أن أثبت براءته من الكذب والافتراء عن طريق الاختناق بكورونا!

حاول هذا الطبيب الشجاع أن لا يعطي كورونا تأشيرة الدخول الأولى إلى هذا الكوكب، لكن لم يسمعه أحد إلا بعد فوات الأوان! من هنا بدأت قصّة الطبيب الإنسان مع وحش القرن الحادي والعشرين، ليسقط بعده عشرات الأطباء على جبهات المشافي مع سبق الإصرار الإنساني!

كيف كان لهذا الطبيب أو غيره أن يتغلّب على نفسه ليعرّض حياته للخطر بغية الحفاظ على حياة الآخر؟ كيف استمد قوته وحوله ما حوله من زعرٍ وخوف؟ وما العوائق التي واجهت الأطباء على اختلاف بلادهم وانتماءاتهم أثناء محاورة العنيد كورونا؟ وما القواسم المشتركة بين هؤلاء الأطباء حول العالم؟

فصل الطبيب عن الإنسان

في حديثه إلى TRT عربي، يرى منذر خليل مدير الصحة في إدلب أنّه "لا يمكن لطبيب في العالم أن يفصل الإنسان الذي يسكن داخله عن المهنة التي يمارسها، وعليه فالصراع الذاتي دائم الحضور".

لا يمكن لطبيب في العالم أن يفصل الإنسان الذي يسكن داخله عن المهنة التي يمارسها
لا يمكن لطبيب في العالم أن يفصل الإنسان الذي يسكن داخله عن المهنة التي يمارسها (Reuters)

وتابع خليل: "وفي حالة من اللا وعي حين يهمّ الطبيب بمعالجة مرضى الأمراض المعدية، سرعان ما تتجسّد صورة عائلته وأطفاله أمام عينيه، سائلاً نفسه كيف لي أن أعانقهم عند المساء؟ ماذا عليّ أن أفعل كي أتهرّب من عفوية ولدي وقبلاته التي يغزوني بها عادة عندما أدخل إلى منزلي؟ وفي حالة من اللا وعي أيضاً تُطرد كلّ هذه الهواجس والوساوس القسرية، لنكبّر الله وندخل صلاتنا الطبّية، وفي هذه اللحظة بالذات يغيب كلّ العالم ليبقى رضا الله، والمريضُ بأنّاته وآهاته هو الحاضر الوحيد".

لن ينسى خليل زميله الطبيب محمود الذي كان يعمل ليل نهار لإنقاذ المصابين في المشفى، لكنّه لمّا عاد إلى بيته كانت الطائرات قد حصدت أولاده السبعة وزوجته وأخاه. باختصار، الطب في زمن الكوارث، بالنسبة إليه، "يحتاج إلى تضحية ورجال صدقوا ما عاهدوا الله".

ويضيف خليل في حديثه مع TRT: "إنّ أكثر اللحظات الإنسانية المؤلمة التي يتصارع فيها الإنسان داخلنا مع الطبيب هو عندما شكلنا لجنة في إدلب وظيفتها إذا صح التعبير إصدار قرار العيش والموت، كانت وظيفة اللجنة هي التفضيل بين الحالات المرضية في ضوء الإمكانيات والمعدّات المتاحة والنادرة في حقيقة الأمر، فعلاً لقد كانت لحظات مؤلمة ومسؤولة، ليس أمراً سهلاً أن تُجبَر على اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية! كنا نتساءل دوما كأطباء في زمن الكوارث كيف للإنسان الموجود في أعماق هؤلاء الساسة الدوليين والمحليين أن يحكموا بالموت على مدن وقرى وحضارات بالكامل".

ويتابع مدير الصحة في إدلب قوله: "إنّ العجز الذي يعانيه الطبيب وحالة الهستيرية والإحباط التي اجتاحت أرقى مشافي الدول المتقدّمة اليوم على الرغم من كل ما تمتلك من معدّات وإمكانيات مذهلة، عاشها الطبيب السوري خلال عشر السنوات الماضية أثناء تصدّيه لحالات كورونا الكيماوي وكورونا السارين التي كان بشار الأسد والروس وإيران يخنقون بواسطتها عشرات السوريين كل يوم، وكذلك هو اليوم، لا شك في أن الطبيب السوري يعيشها في مواجهة الانفجار القادم كورونا!"

الواقع يفرض على الأطباء اليوم مواجهة الجائحة من دون الالتفات إلى الخلف
الواقع يفرض على الأطباء اليوم مواجهة الجائحة من دون الالتفات إلى الخلف (Reuters)

معوّقات المواجهة

في حديثه إلى TRT عربي اعتبر البروفيسور الطبيب خير الدين آك دينيز رئيس قسم الأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة بولو أبانت عزت بيصال في تركيا، أنّه "لا مكان أمام الخوف فوقت العالم من دم".

ويضيف: "الواقع يفرض علينا مواجهة الجائحة من دون الالتفات إلى الخلف، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن لا يأخذ الطبيب الحذر أثناء أدائه لواجبه، فنحن كأطباء مؤمنون بالله تعالى نأخذ بالأسباب على أنّها كلّ شئ ثم نلتجئ إلى الله وكأنّ الأسباب لا شيء. لذا لا داعي للتخوّف على الإطلاق، فنحن كأطباء أتراك مستعدّون لمواجهة هذا الوباء من حيث المعدّات وأساليب الوقاية وأهلية الكادر الطبي، ولا شك في أن المصانع الطبية التركية اليوم، استُنفرت لهدف واحد وهو تعزيز إمدادات كل المشافي حفاظاً على سلامة الطبيب والمريض بغضّ النظر عن جنسه أو عمره".

في المقابل كان التخوف يبدو واضحاً في إفادة الطبيب منذر خليل مدير الصحة في إدلب، إذ اعتبر أنّ التوازن في التعاطي مع الجائحة في ظل الإمكانيات المتاحة مستحيل، والقصف الروسي والأسدي الممنهج على المشافي السورية أضعفَ البنى التحتية والخدمية وأجهز على العديد من الكوادر الطبية وحمّل الكادر الطبي الحالي مسؤوليات أكبر! حسب تعبيره.

وتابع في حديثه إلىTRT عربي: "اليوم ومع بدء انتشار فيروس كورونا بالتوازي مع الفقر المدقع في المعدات الطبية والكمامات وأجهزة التنفس، فإنّ الشمال السوري والمخيمات بما فيهم المريض والممرض والطبيب وعائلاتهم يوضعون في مواجهة مع الموت بشكل مباشر من دون وجود أدنى مستوى من المعدّات الوقائية والعلاجية".

وحسب المعلومات التي أمدّ بها الطبيب منذر خليل TRT عربي، فإنّ الشمال السوري والمخيمات لا يملكون إلا 201 غرفة طبية و95 منفسة كلها مشغولة بأمراض أخرى، مع العلم أن منظمة الصحة العالمية كانت وعدتهم بتجهيز 3 مشافي و28 مركزاً صحياً، لكن في الواقع لا يوجد أدنى تفاعل، ولا يملك الطبيب أي أدوات وقائية تحميه من العدوى، لذا فالشمال السوري اليوم ليس بمقدوره أن يستقبل حتى حالة واحدة مصابة بكورونا.

ويضيف مدير صحة إدلب: "تخيّل أنّه فقط منذ القصف الروسي الأخير، نزح مليون ومئتان من الأهالي، 21% يعيشون في مخيمات نظامية والباقي في أماكن وأبنية متفرقة ومختلفة كالأبنية العامة والساحات المكتظة بالأشجار، إضافة إلى أن المخيمات النظامية فيها أكثر من طاقتها بأربع أضعاف، وعليه فإن شروع الناس في العزل الاجتماعي أمر مستحيل وغير قابل للتطبيق، ما يعرقل بدوره وظيفة الطبيب على المدى البعيد والقريب!".

ويضيف: "حتى بالنسبة إلى العامل في المخيمات فهو يعيش من خلال دخله اليومي، وبالتالي لا يمكن أن يطبّق الحجر الصحي، لأنّ الموت الذي يخافه نتيجة كورونا، هو آتٍ لا محالة نتيجة الجوع وعدم امتلاك الباءة اليومية، لكن الأمر بالنسبة إلى كورونا أخفّ الضررين بالنسبة إليه لوجود احتمال لإمكانية الحياة والبقاء".

عدم امتلاك الأطباء معدّات حماية من العدوى سيؤثر على حياتهم، وبالتالي على المنظومة الطبية التي باتت تعاني من نقص حاد في الكوادر
عدم امتلاك الأطباء معدّات حماية من العدوى سيؤثر على حياتهم، وبالتالي على المنظومة الطبية التي باتت تعاني من نقص حاد في الكوادر (Reuters)

في السياق نفسه، يؤكد الطبيب خالد الياسين مدير المشفى الوطني التخصصي في إدلب الذي يُعتبر خط الدفاع الأوّل المسؤول عن التصدّي لفايروس كورونا، لـTRT عربي، أنّ الكوادر الطبية في إدلب ستصابُ حتماً بالفيروس ولا يوجد حل آخر، لأنّ المشفى لا يحتوي إلا على 13 غرفة معزولة وغير مجهزة، وتفتقر إلى كل الأدوات الوقائية والعلاجية".

"عدم امتلاك الأطباء معدّات حماية من العدوى سيؤثر على حياتهم، وبالتالي على المنظومة الطبية التي باتت تعاني من نقص حاد في الكوادر". يضيف الياسين: "إن حالة اليأس التي أصابت الشارع السوري جرّاء الكوارث التي كابدها خلال الأعوام السابقة تجعله غير مؤمن بأي نوع من أنواع الوقاية، ما من شأنه تهديد الواقع السوري بكارثة إنسانية على وشك الانفجار".

الأطباء مايسترو المرحلة

في السياق ذاته اعتبر إبراهيم برهمجي أحد أطباء مشفى رانس الفرنسية في حديثه إلى TRT عربي أن أي تقصير طبّي في معالجة المرضى "سيعود بالضرر على الطبيب وعائلته ومحيطه آجلاً إن لم يكن في القريب العاجل، لذا فإننا كأطباء حين نضحي بأنفسنا من أجل إنقاذ الآخرين في أوقات الكوارث والأوبئة ندافع عن وجودنا وأنفسنا وإن كنّا من حيث الظاهر ندافع عن المريض".

ويضيف المتحدث نفسه لـTRT عربي: "لكن من باب آخر إذا لم توجد معدّات وقائية يمكنها أن تحمي الطبيب، فلا أنصحه أن يقترب ويعالج المصاب بالوباء، لأنّ العدوى ستنتقل إليه حتماً، ما يؤثر بدوره على كوادر المنظومة الصحية المسؤولة عن إدارة الأزمة. باختصار، لا توجد حالة طارئة في الكوارث والجائحات، فأولوية الطبيب تبدأ من حماية نفسه المسؤولة عن استمرارية المنظومة الطبية بأداء مهامها، وهذا الأمر لا يخالف الإنسانية، بل هو عين الإنسانية التي تقوم على دراية وبصيرة". يضيف في حديثه: "على السلطات أن تساعدنا وتعلم أن الهيئة الطبية هي مايسترو المرحلة الآنية وعلى كل المؤسسات أن تساعدها في إطار الوقاية، فعلى شرطة المطارات المسؤولة عن إدخال السياح والتجار أن تقوم بمهامها وبدقة بغية تطويق الوباء، وكذلك على وزارة الداخلية أن تغلق كل النشاطات والمحلات المسؤولة عن التجمعات من أجل محاصرة الوباء والقضاء عليه، فإن تساهل السلطات المعنية بتقديم الاقتصاد على محاصرة الوباء في البداية عاد سلباً على الاقتصاد ذاته!".

هذا وفي نهاية المطاف رأى مازن عدي أحد أطباء المشفى التابع لجامعة القاهرة في حديثه إلى TRT عربي، فيرى أنّ ما وصفه بالطبيب المتقاعس عن أداء مهمّته اليوم "هو هارب من الزحف والنفير الطبي العام بشكل علني، فالطب اليوم هو جهاد بكل ما تعنيه الكلمة، وهو واجب ديني وإنساني قبل أن يكون واجباً مهنيّاً، وهذا المعنى هو ما يعطينا دافعاً قوياً كأطباء لأن نواجه الجائحة من دون خوف أو تذبذب!. باختصار لكورونا رب وإنّ الدواء والطبيب أحد جنود الله القادرة على مواجه الوباء!

المصدر: TRT عربي