على خلفية اندلاع إعمال عنف ومواجهات شديدة أسفرت عن سقوط عديد من القتلى والجرحى خلال الأسبوع المنقضي، قررت السلطات العراقية فرض حظر تجوال بالكامل في قضاء المقدادية بمحافظة ديالي.

امتداداً للواقع السياسي، لا تزال الصراعات الطائفية تعصف بالعراق منذ سنوات وتقوّض أمنه واستقراره، بعد أن فشلت النخبة السياسية في احتواء الانقسامات وتطوير نظام للحكم يشمل الجميع بلا استثناء.

ومع تصاعد حدة الانقسامات الطائفية والعرقية في الشارع العراقي، اندلعت خلال الأسبوع الماضي مواجهات ومعارك في محافظة ديالى الواقعة شرقي البلاد، أسفرت عن سقوط عديد من القتلى والجرحى، مما أثار قلق ومخاوف العراقيين من تطور الأمور واشتعال أزمة طائفية جديدة، قد تزيد الوضع سوءاً وتفاقم متاعب العراق، في وقت يشهد فيه أزمة حادة على مختلف الأصعدة.

ومخافة مزيد توتر الأوضاع، أصدرت السلطات العراقية يوم الخميس 28 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي قراراً بفرض حظر التجوال في قضاء المقدادية بمحافظة ديالى، التي شهدت المواجهات الأخيرة.

بين مطرقة داعش وسندان مليشيات الشيعة

شن تنظيم داعش الإرهابي يوم الثلاثاء 26 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي، هجوماً على قرية الرشاد الواقعة بمحافظة ديالى شرقي العراق التي تضمّ سكاناً من الطائفة الشيعية، وأسفر الهجوم عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.

وبحجة الانتقام من عناصر التنظيم المحتمين بقرى قضاء المقدادية ذات الغالبية السنية، تعرض أهالي المنطقة لهجمات مسلحة عنيفة من مجموعة من الجماعات الشيعية.

وأكدت مصادر أمنية عراقية في تصريحات إعلامية لاحقاً، إطلاق قذائف هاون ضد القرى التابعة للمقدادية. واستمرّ القصف طيلة أيام ليُودِي بحياة كثيرين ويتسبب في حجم كبير من الدمار، ولم تتعرف الأجهزة الأمنية على الأطراف التي تقف وراء القصف، كما عبّر مسؤولون أمنيون.

وتناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية مشاهد مروعة لالتهام النيران بساتين وحقول قرى المقدادية، وإحراق منازل كثير من المدنيين، مما أجبر جزءاً من سكان المنطقة على النزوح، بعد أن فشل رجال الإطفاء في السيطرة على الحرائق.

وسرعان ما بدأت الهجمات تتمدد تدريجياً إلى جزء كبير من القرى والقبائل التي يسكنها السُّنة، وأكّد ناشطون عراقيون، وفق شهادات على عين المكان، تفجير عبوات ناسفة خلال عمليات اجتياح القرى، وهُجّر سكانها قسرياً من منازلهم وأراضيهم، فيما تَعرَّض كثير منهم لمجازر وحشية. تزامن مع ذلك إطلاق حملات ودعوات تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي لتجريف الأراضي والبساتين لسكان المقدادية السُّنة.

وأعلن مرصد أفاد لحقوق الإنسان أن "السكان المحليين أبلغوا عن مجاميع مسلحة تستقل سيارات رباعية الدفع، نفذت عمليات إعدام ميدانية وإحراق منازل ومركز صحي وبساتين وسيارات داخل قرية نهر الإمام".

ومع احتدام النزاع وسقوط عدد كبير من القتلى، وخشية أن تنزلق المواجهات إلى حرب طائفية كبيرة، أصدر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي توجيهاته بتعزيز القوات الأمنية ومنع الهجمات والتحقيق في هذه الجرائم.

من جانبها أكّدت جهات رسمية أن "وفداً أمنياً برئاسة مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي وعضوية وزير الداخلية عثمان الغانمي ورئيس أركان الجيش العراقي عبد الأمير يار الله ووزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق، وصل إلى محافظة ديالى، لاحتواء الأزمة الطائفية"، وفق ما جاء في بيان رسمي لمستشارية الأمن القومي العراقية.

وأغلقت الأجهزة الأمنية عقب ذلك الطرق التي تربط بين قضاء المقدادية والمناطق المحيطة، وأعلنت السلطات الرسمية عن حظر تجوال منذ يوم الخميس 28 أكتوبر/تشرين الأول، إلى أجل غير محدد.

"الطائفيون يقتلون ديالى"

تحت وسم "الطائفيون يقتلون ديالى" ندّد ناشطون عراقيون بالهجمات الطائفية الوحشية التي يتعرَّض لها سكان المنطقة، وسط صمت إعلامي وتقصير أمني، كما أكد كثيرون.

ومن جانبها أدانت منظمات حقوقية وإسلامية حول العالم، الهجمات المتواصلة طوال أيام ضد المدنيين من سُنَّة العراق، الذين لم يكن لهم أي دخل فيما اقترفته عناصر داعش الإرهابية، من جرائم ضد المدنيين الشيعة في القرى المجاورة. ووُجّه كثير من الدعوات إلى السلطات الأمنية العراقية لوقف هذه الهجمات والجرائم، وإنقاذ الأبرياء.

وبينما ينفخ تنظيم داعش الإرهابي في لهيب الانقسامات الطائفية مجدداً بعد عام 2014، أعاد ذلك إلى ذاكرة العراقيين اليوم بعد أحداثها في المقدادية، الحرب الطائفية الكبرى التي شهدتها عام 2003، بسبب جرائم تنظيم القاعدة، مما أودى بحياة كثيرين في ذلك الوقت وتسبب في حجم كبير من الدمار لم يتمكن العراقيون من ترميمه إلى اليوم، في ظلّ الأزمات المتواصلة التي تضيّق خناقه باستمرار.

واليوم، بينما تدّعي النخبة السياسية تَجاوُز المناكفات والانقسامات الطائفية بعد الانتخابات الأخيرة، تبدو أحداث المقدادية التي اضطُهد فيها السنة المدنيون، اختباراً هامّاً لهذه المزاعم.

TRT عربي