محكمة العدل الأوروبية تُقِرّ إبطال اتفاق الفلاحة والصيد البحري مع المغرب (Fadel Senna/AFP)

قبلت محكمة العدل الأوروبية في لوكسمبورغ، طعون جبهة البوليساريو ببطلان اتفاقيات الفلاحة والصيد البحري، التي تجمع الاتحاد الأوروبي بالمغرب. وقالت المحكمة في بيان، إنها "تلغي قرارَي مجلس الاتحاد الأوروبي، المتعلقين باتفاقه مع المغرب لتعديل التفضيلات الجمركية التي يمنحها الأول لمنتجات منشأها المغرب، واتفاقية الشراكة بينهما في مجال الصيد البحري".

ويأتي هذا القرار لأن الاتفاقيتين "تشملان منتجات قادمة من إقليم الصحراء المتنازع عليه بين الرباط وجبهة البوليساريو، وجاء بناء على دعوى تقدمت بها البوليساريو"، يضيف البيان، مشيراً إلى أن الحكم لن يدخل حيّز التنفيذ إلا بعد شهرين، لكون "الإلغاء الفوري (للاتفاقيتين) ستكون له عواقب وخيمة على العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، ويطرح تساؤلات حول الأمن القانوني للالتزامات الدولية التي وافق عليها".

تعود اتفاقية الفلاحة والصيد البحري المغربية الأوروبية بالأصل إلى اتفاق التبادل الحر الذي وقّعته الرباط والسوق الأوروبيَّة المشتركة سنة 1996، هي التي وُقّعت سنة 2010 في ذلك السياق، وبموجبها تَعزَّز التبادل الحر الفلاحي وتسمح بالدخول الحر للأسطول الأوروبي من أجل الصيد في المياه المغربية.

ما الذي تتضمَّنه الاتفاقية؟

تعود أولى محاولات تعطيل الاتفاقية بحكم المحكمة الأوروبية نظراً لنزاع الصحراء إلى سنة 2015، وقتها ردَّ المغرب عليه في فبراير/شباط 2016 بإعلان تعليق علاقاته مع الاتحاد، مما أدى إلى إرجاء عديد من الاجتماعات التقنية وإلى تباطؤ وتيرة المفاوضات بشأن اتفاق التبادل الحر الشامل.

في 16 يوليو/تموز 2018 اعتمد مجلس وزراء الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي تعديلات على البروتوكولات المتعلقة بالمنتجات الزراعية والملحقة باتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وهدفت التعديلات إلى توسيع نطاق تطبيق هذا الاتفاق ليشمل إقليم الصحراء، بعد ذلك بأربعة أيام سيعاد التوقيع على الاتفاقية بين الطرفين.

في الوقت نفسه، وبموجب هذا الاتفاق في مجال الصيد البحري، يُتاح للسفن الأوروبية الصيد في منطقة الصيد البحري بالمغرب، وتحصل الرباط مقابل ذلك: في العام الأول على 48.1 مليون يورو (53.9 مليون دولار)، ثم 50.4 مليون يورو (56.5 مليون دولار) في العام الثاني، و55.1 مليون يورو (61.76 مليون دولار)، في كل من العامين الثالث والرابع.

وضمن 110 سفن صيد يشملها الاتفاق المغربي-الأوروبي للصيد البحري، 92 إسبانية، كما تبلغ واردات إسبانيا من المواد الغذائية المغربية نحو 47% من حجم استيراد إسبانيا من خارج دول السوق الأوروبية المشتركة، و33% من إجمالي مشتريات إسبانيا في النصف الأول من العام الماضي. الأمر الذي يجعل مدريد أكثر الدول ارتباطاً بقرار التعطيل، ويفسر تمسكها به على غرار ما وقع سنة 2018 حيث ضغط لوبي الصيادين الإسبان على الاتحاد من أجل توقيع الاتفاق في الوقت الذي شابت فيه مفاوضاته انسداداً كبيراً.

الرباط: قرار غير مؤثِّر!

في ردود فعل على قرار المحكمة الأوروبية بـ"بطلان اتفاقيات الفلاح والصيد البحري مع المغرب"، أصدرت خارجيتي المغرب والاتحاد الأوروبي تصريحاً مشتركاً، أكَّدتا فيه عزمهما على " اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان الإطار القانوني لاستمرار واستقرار العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية".

وقال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في التصريح الذي جمعه بالمفوض السامي لشؤون الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل، بأن: "المغرب والاتحاد الأوروبي مستعدان بشكل كامل لمواصلة التعاون في جو من الالتزام لتعزيز الشراكة الأوروبية المغربية من أجل الازدهار المشترك". مؤكدين تطوير الأبعاد المتعددة لـ"الشراكة الاستراتيجية" بـ"روح التعبئة والتماسك والتضامن" نفسها، كونها "شراكة متكافئة قائمة على علاقة ثنائية متينة مبنية على الثقة والاحترام المتبادلين".

هذا واعتبرت الصحافة المغربية بأن قرار المحكمة الأوروبية يبقى دون أي أثر فوري، لأنه حكم ابتدائي لن يغير من أمر الواقع شيئاً، في انتظار استئنافه. بالمقابل تعهَّدت "الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية"، الهيئة التي تجمع كبار الفلاحين المغاربة، التي قال رئيسها بأن "الكونفدرالية، باعتبارها طرفاً متدخلاً في القضية أمام محكمة العدل الأوروبية، ستسلك جميع المراحل القانونية للدفاع عن المنتوجات المغربية في مرحلة الاستئناف".

هذا وأوردت وسائل إعلام عديدة تصريح مسؤول بوزارة الخارجية المغربية، فضَّل عدم الكشف عن هويَّته، قائلاً بأن: "محكمة العدل الأوروبية دخلت في اعتبارات سياسية لا علاقة لها بالاتفاقيات وبالهدف المرجو منها، فيوجد الكثير من السياسة والقليل من القانون"، وأضاف أن الحكم "غير متسق، ومتحيز وذو دوافع أيديولوجية". ولفت المسؤول إلى أن بلاده "ستستأنف الحكم وسيجري تصحيحه، كما حدث في الماضي".

في وقت سابق حذَّر الخبير المغربي في العلاقات الدوليَّة، سعيد الصديقي، من "اندلاع أزمة جديدة بين الرباط والاتحاد الأوروبي" نظراً لقرار المحكمة الأوروبية. مؤكداً أن المغرب "لن يتسامح مع أي مساس بقضية الصحراء، سواء على المستوى القضائي أو القانوني أو السياسي".

ردود فعل دوليَّة

من جهة أخرى، عبَّر نواب أوروبيون داعمون لاتفاقية الفلاحة والصيد البحري مع المغرب عن أسفهم للحكم الابتدائي الصادر عن محكمة الاتحاد الأوروبي بشأنها. واعتبرت النائبة الأوروبية، البلجيكية فريديريك رايس، أن قرار محكمة الاتحاد الأوروبي "مخيب للآمال"، و"يتناقض مع الجهود المبذولة على أرض الواقع". وأكَّد النائب البلغاري بيتار فيتانوف أنه :مقتنع بأن الاتحاد الأوروبي والمغرب سيظلان متحدين للدفاع عن شراكتهما واتفاقاتهما ضد الفاعلين الخارجيين".

بالمقابل احتفت الخارجية الجزائرية بالحكم معتبرة إياه "إنجازاً تاريخياً للقضية الصحراوية"، ووصفت الحكم في بيان لها بأنه "نصر لامع للقضية العادلة للشعب الصحراوي". وقال وزير الخارجية رمطان عمامرة بأن ما وقع "تقدم كبير ويشكّل إنجازاً تاريخياً سيكون من الآن فصاعداً ملزماً لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومؤسساته في علاقاتها مع المغرب كدولة محتلة".

ويرجع تاريخ النزاع بين المغرب و"البوليساريو" حول إقليم الصحراء إلى عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ليتحول الخلاف إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991 بتوقيع وقف لإطلاق النار.

وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادتها، فيما تطالب "البوليساريو" بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تستضيف لاجئين من الإقليم.

TRT عربي
الأكثر تداولاً