ما زال الكثيرون حول العالم يناضلون وينافحون إلى اليوم من أجل حقهم في التعبير عن آرائهم وأفكارهم بكل حرية.

رغم ما حرره الربيع العربي من أصوات، وما أطاح به من أنظمة، لم يفقه البعض من الحكام العرب رسالة الشعوب إليهم، وما زالوا يواصلون سياستهم في التضييق وشد الخناق على كل صوت معارض أو منادٍ بالتغيير.

وتُعتبر المملكة العربية السعودية من بين الدول التي تقف على رأس قائمة البلدان العربية التي تطالها تهم بانتهاك حقوق الإنسان والتضييق على حرية الرأي والتعبير.

إذ صرحت هيومن رايتس ووتش بأن السعودية كثّفت الاعتقالات والمحاكمات والإدانات ضد الكتاب والحقوقيين المعارضين السلميين منذ عام 2017.

وفي هذا الإطار قالت سارة ليا ويتسون، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "تسعى السعودية لإسكات وسجن من لا يلتزم الخط الرسمي، أو يجرؤ على إبداء رأي مستقل في السياسة أو الدين أو حقوق الإنسان. متى ستفهم السلطات السعودية أن التحدث إلى وسائل الإعلام أو منظمة دولية ينبغي ألا يكون جريمة؟".

ولم تكن قضية الناشطة السعودية لجين الهذلول إلا حلقة من حلقات سلسلة الاعتداءات والاعتقالات التي طالت أصحاب الرأي بالمملكة.

لجين الهذلول.. مدافعة عن حقوق المرأة أم متآمرة على الأمن الوطني؟

رغم ما توصلت إليه المرأة العربية من مكتسبات، لا تزال المرأة السعودية تعانيسطوة الأعراف السياسية والدينية والاجتماعية على حد سواء، لتبقى في نضال مستمر مطالبة بما يُعتبر عند بعضهن في أقطار أخرى، حقوقاً مكتسبة.

وفي ذلك حذت لجين الهذلول حذو العديد من الناشطات السعوديات اللاتي يطالبن بمنح المرأة السعودية أبسط حقوقها الشخصية والاجتماعية.

وعُرفت الهذلول المرأة الشابة التي تبلغ من العمر 31 سنة وتدرس الأدب الفرنسي بكندا، بتحريضها على قانون منع المرأة من قيادة السيارة.

وكانت لجين تقوم ببث مقاطع فيديو لها على مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنة 2012 وهي تقود السيارة.

وككل معارض أو ناشط سياسي أو حقوقي يقوم بالتعبير عن رأيه أو الاحتجاج خارج بلده، سيُنتقد حتماً بأن جرأته تكمن وراء أمنه على حياته وحريته لأنه بعيد عن موطن التهديد والتضييق، وهو ما تعرضت له لجين واضطرها إلى العودة إلى السعودية لمواصلة ما تعتبره كفاحها لرفع الحظر عن قيادة السيدات للسيارة.

وتم اعتقال الناشطة السعودية سنة 2014، وهي في طريقها لدخول البلاد بسيارتها، في محاولة منها لكسر حاجز خوف السعوديات وتجييش الرأي العام نحو القضية بعد أن فقدت زخمها لفترة.

وبتولي الملك سلمان الحكم سنة 2015 تم إطلاق سراحها بعفو ملكي وتوقيعها على التزام عدم التحدث مجدداً في هذه القضية، إلا أن ذلك لم يوقفها عن مواصلة التعبير عن رأيها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لم يطُل الأمر كثيراً حتى تم اعتقال الهذلول من جديد، ولكن هذه المرة بتهمة تهديد الأمن العام والتواصل مع جهات أجنبية معادية لنظام الحكم في المملكة العربية السعودية.

وحسب تصريح لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، فإن لجين الهذلول متهمة بإرسال معلومات سرية إلى دول "معادية" للمملكة، ومحاولة زعزعة الاستقرار الوطني.

ومع ذلك لم تقدم الحكومة السعودية إلى الآن أي دليل لدعم هذه الاتهامات. وبرّرَت السلطات ذلك بأن الهذلول برفقة ناشطات سعوديات أخريات قمن بالتعاون مع صحفيين ومؤسسات إعلامية معادية للملك، وقدمن دعماً مالياً لخصوم أجانب، وجنّدن أشخاصاً لمعلومات تضرّ بأمن المملكة.

وكانت الناشطة السعودية قد التقت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في فبراير/شباط 2018 لمشاركة ملاحظاتها حول حالة حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية.

وحكمت المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض على لجين الهذلول، وهي محكمة تأسست عام 2008، بالسجن خمس سنوات وثمانية أشهر ابتداءً من تاريخ اعتقالها. وبتخفيض الوقت الذي قضته معتقلةً، سيتم إطلاق سراحها على الأرجح في مارس/آذار 2021، أي بعد ثلاث سنوات من المراقبة، مع حظر سفر لمدة خمس سنوات.

وتعليقاً على قرار المحكمة قالت شقيقتها لينا الهذلول في تغريدة لها على حسابها على تويتر: "بعد ما يقارب 3 سنوات من الاعتقال التعسفي والتعذيب والحبس الانفرادي، يحكمون عليها الآن ويصفونها بالإرهابية".

الموقف الحقوقي والدولي من قضية لجين

أثار اعتقال لجين وما تداولته أسرتها من أخبار عن تعذيبها وسوء معاملتها في السجن، حفيظة وقلق الرأي العام الدولي.

إذ عبّر أعضاء اللجنة الأممية المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، في بيان صادر من جنيف، عن قلقهم على وضع المدافعات عن حقوق المرأة السعودية، مطالبين بإطلاق السراح الفوري للهذلول وضمان حقّها في محاكمة عادلة مع الاحترام التام للضمانات الإجرائية المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبعيداً عن أيّ تحيّز جنسي.

وقال نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية: "كما قلنا علناً ​​في مناسبات عديدة، نريد الإفراج السريع عن السيدة لجين الهذلول". وفي نفس السياق طالبت الحكومة الألمانية كذلك بالإفراج عن الناشطة السعودية.

كما أعرب جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي المستقبلي الذي اقترحه الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، عن أسفه للإدانة "غير العادلة والمقلقة" للجين الهذلول، مشيراً إلى أن الرئيس بايدن يبدو أكثر استعداداً لانتقاد المملكة العربية السعودية من ترمب.

ودعا أعضاء البرلمان الأوروبي ومسؤولون أمريكيون وكذلك منظمة العفو الدولية إلى مقاطعة قمة مجموعة العشرين في 21 و22 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 برئاسة محمد بن سلمان. واستمرُّوا في حضّ قادة مجموعة العشرين للضغط على السلطات السعودية.

وفي مارس/آذار 2019 كانت قد وجهت الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، انتقاداً حاداً إلى السعودية، مطالبة الرياض بالإفراج عن ناشطين حقوقيين.

وفي تغريدة له على حسابه على تويتر، قال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي إنالدفاع عن حقوق المرأة في السعودية أصبح يُعتبر إرهاباً، وإنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون ذات مصداقية في مجال حقوق الإنسان إذا استمرت في غضّ الطرف عما يجري في السعودية.

وأمام الضغوط والانتقادات الدولية اللاذعة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية، قال السفير السعودي في لندن بندر بن سلطان بن عبد العزيز، إن بلاده تفكّر بالعفو عن الناشطات المعتقلات.

ولكن هذه التصريحات تبقى ضمن التعهدات والوعود التي يستمرّ النظام السعودي بتقديمها بشأن قضايا سابقة لمعتقلي الرأي لم تجد إلى اليوم تنفيذاً.

رغم حزمة الإصلاحات التي روّجها بن سلمان منذ 2015، والفاعليات التي استضافتها السلطات السعودية وقامت بتنظيمها لمحاولة صرف الانتباه عما يحدث على أراضيها من انتهاك لحقوق الإنسان وتضييقها على حرية الرأي والتعبير، وملاحقتها المعارضين واستهدافهم خارج أراضيها، لم تتمكن المملكة العربية السعودية من إخفاء سلسلة الاعتقالات التي طالت المعارضين والناشطين وما تداولته المنظمات الحقوقية العالمية من انتهاكات وتعذيب لهم خلف أقبية السجون.

فأصبحت ممارسات المملكة وسياستها محل انتقاد وتنديد دولي، وباتت تتعرض للضغط والمساءلة الدولية. ومع انضمام الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة جو بايدن في وقت تدرس فيه طبيعة العلاقة بين البلدين، باتت سياسات المملكة تحت المجهر أكثر.

TRT عربي
الأكثر تداولاً